في صباح 4 ديسمبر داخل مقر وزارة الخارجية بالجزائر، تحوّل المبنى إلى خلية دبلوماسية نابضة، مع وصول نائب وزير العلاقات الدولية والتعاون بجنوب إفريقيا، ألفين بوتس، ليجد في استقباله وزير الخارجية أحمد عطاف. زيارة تبدو عادية للوهلة الأولى… لكنها في الحقيقة تحمل بين طياتها رسائل سياسية تتجاوز توقيت “مسار وهران” نحو إعادة رسم ملامح محور نفوذ يشتد تأثيره داخل إفريقيا.
فبين 01 و02 ديسمبر، تحولت الجزائر إلى عاصمة إفريقية للسلام، وجاء حضور بوتس ليضيف وزناً جديداً لهذه الندوة، التي لم تعد مجرد اجتماع رفيع المستوى، بل منصة تتشكل فيها ملامح موازين القوى داخل القارة، وتُطبخ فيها المواقف التي ستجد صداها داخل اجتماعات مجلس الأمن.
وخلال اللقاء، أظهر الجانبان انسجاماً لافتاً في مواقفهما، خاصة بشأن القضيتين اللتين تشكلان حجر الزاوية في سياسة البلدين الخارجية: فلسطين والصحراء الغربية. تجديد الالتزام بالشرعية الدولية لم يكن مجرد إعلان موقف، بل تأكيدٌ على أن الجزائر وبريتوريا تتحركان بخط سياسي موحد، في وقت تتكاثر فيه محاولات فرض الأمر الواقع داخل إفريقيا.
لكن خلف هذا المشهد الدبلوماسي الهادئ، يقرأ المراقبون الكثير…يقول المحلل السياسي الجزائري نور الدين شعبان لـ"الأيام نيوز" إن “وصول بوتس إلى الجزائر ليس بروتوكولاً… بل حدث يرسم معالم محور إفريقي صاعد”. ويضيف:
“الجزائر وجنوب إفريقيا أصبحتا اليوم العمود الفقري لمعادلة توازن القوى داخل القارة. مواقفهما من الصحراء الغربية ليست رد فعل، بل استراتيجية مضادة لمحاولات الهيمنة التي تُعاد صياغتها في المنطقة.”
ويرى شعبان أنّ "مسار وهران" بات بمثابة “غرفة عمليات سياسية إفريقية” لها تأثير مباشر في ما يدور داخل أروقة الأمم المتحدة.
وعلى الجانب الآخر، يقول المحلل المغربي رامي راشيد للأيام نيوز :“التفاهم الجزائري–الجنوب إفريقي ليس جديداً، لكن الجديد هو الزخم المتزايد الذي اكتسبه. هناك رغبة لدى البلدين في لعب أدوار أكبر، لكن التحدّي الحقيقي هو نقل هذا التناغم السياسي إلى شراكات اقتصادية عملية تُعطي وزناً مضاعفاً لمواقفه.”
هذه الزيارة، كما يرى الخبراء للأيام نيوز، جاءت في توقيت حساس: حروب تشتعل في القرن الإفريقي، وانقسامات تتعمق في الساحل، ومصالح دولية تتزاحم في كل زاوية من القارة. وسط كل هذا، يبدو أن الجزائر وجنوب إفريقيا تتحركان لتشكيل “خط دفاع سياسي” يحاول إعادة الاعتبار للصوت الإفريقي داخل المؤسسات الأممية.
في نهاية المطاف… زيارة بوتس ليست حدثاً عابراً. إنها فصل جديد في قصة تحالف دبلوماسي يتقدم بثبات، ويحوّل “مسار وهران” من مجرد ندوة إلى مركز ثقل إفريقي تتجمع حوله الرؤى والمصالح، وتُبنى على طاولته خرائط السلام المقبلة.

