الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

محور ندوة احتضنتها المحكمة الدستورية.. الوساطة بين الشرع والقانون: هل التكامل ممكن؟

Author
راضية زبانة 05 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها “الأيام نيوز”، بشأن تطوير آليات بديلة لفضّ النزاعات، يتقاطع رأي الباحث فتحي طراح والخبير في القانون الدولي ميخائيل ماهر، حول قناعة جوهرية مفادها أن التوازن بين المرجعية الشرعية والتشريع المعاصر لا يُعدّ إشكالا بنيويا، بل خيارا منهجيا يقوم على التكامل لا التعارض.

 

وفي هذا المناخ الفكري والمؤسساتي، احتضنت المحكمة الدستورية الندوة الشهرية الرابعة حول موضوع “الوساطة والصلح بين الشرع والقانون”، بحضور رئيسة المحكمة الدستورية، ليلى عسلاوي، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، الأستاذ الدكتور مبروك زيد الخير، إلى جانب عدد من الأعضاء والإطارات، فضلا عن حضور أكاديمي وقضائي عكس أهمية الموضوع وطنيا ودوليا.

وجاء في بيان المحكمة أن تنظيم هذه الندوة يندرج “قصد تسليط الضوء على القضايا التي تجمع بين عراقة الموروث الفقهي الإسلامي وأطر التشريع المعاصر في إطار التكامل البنّاء بين العلوم الشرعية والقانونية”، مؤكدا أن أشغالها افتُتحت بمداخلة لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى تناول فيها مفهوم الوساطة والصلح وأبعادهما الشرعية والقانونية، ومبرزا المكانة التي يحتلها الإصلاح في الفقه الإسلامي باعتباره سبيلا لإطفاء النزاع وإعادة بناء جسور التواصل.

كما تضمن اللقاء جلسة علمية رفيعة المستوى عالجت الموضوع من زاويتين متكاملتين: تأصيل فقهي استعرض شروط الوساطة في المذهب المالكي وضوابطها الأخلاقية، ومقاربة قانونية قدّمت قراءة معمقة للإطار التشريعي المنظم لها. وقد أتاح الحضور المتميز لأساتذة وطلبة من مؤسسات جامعية وقضائية فضاء لنقاش أكاديمي ثري، عكس توجها مؤسساتيا واضحا نحو ترسيخ ثقافة الوساطة كخيار منهجي يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية ومتطلبات التنظيم القانوني الحديث.

 

التكامل بين المرجعيتين.. أساس فعالية الصلح

ولا يقتصر هذا الحراك العلمي على مجرد عرض نظري، بل يطرح إشكالية عميقة تتصل بكيفية تحقيق التوازن بين الضوابط الأخلاقية والفقهية التي يقرها الموروث الإسلامي ومتطلبات التشريع المعاصر، لضمان فعالية وشرعية الوساطة والصلح في فض النزاعات الحديثة، مع الحفاظ على التكامل بين المرجعيتين الشرعية والقانونية دون إخلال بالمبادئ الأساسية لأي منهما. وهو سؤال يعكس وعيا متقدما بطبيعة التحولات الاجتماعية وتعقّد العلاقات القانونية، خاصة في ظل تنامي النزاعات ذات الطابع الأسري والتجاري والإداري.

فتحي طراح

في هذا الإطار، يرى الباحث فتحي طراح، المختص في الشريعة والقانون، أن تحقيق التوازن بين الضوابط الفقهية ومتطلبات التشريع المعاصر في مجال الوساطة والصلح يمرّ عبر منهج تكاملي لا تصادمي، يقوم على استحضار المقاصد الكبرى للشريعة – وفي مقدمتها حفظ الحقوق ورفع الضرر وتحقيق السلم المجتمعي – ثم ترجمتها إلى آليات إجرائية واضحة داخل المنظومة القانونية الحديثة. ويؤكد طراح – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن الموروث الفقهي، خاصة في المذهب المالكي، وضع شروطا دقيقة للوساطة، من أبرزها العدالة والنزاهة ورضا الأطراف وعدم مخالفة الصلح للنصوص القطعية أو الإضرار بالغير، وهي مبادئ تتقاطع جوهريا مع المعايير المعاصرة للشفافية وضمانات المحاكمة العادلة.

ومن هذا المنطلق، فإن التحدي لا يكمن – بحسبه – في التوفيق الشكلي بين المرجعيتين، بل في صياغة إطار قانوني يُؤسِّس للوساطة كمسار مؤسسي مضبوط، يستلهم القيم الأخلاقية للشريعة ويُخضعها في الوقت ذاته لمعايير التوثيق والرقابة القضائية. كما يشدد على أن فعالية الوساطة في النزاعات الحديثة تتطلب تأهيل الوسطاء تأهيلا مزدوجا في الفقه والقانون، حتى لا تتحول إلى ممارسة شكلية أو عاطفية، بل تبقى أداة قانونية ذات شرعية، تضمن استقرار المعاملات وتحمي الثوابت الدستورية. وبرأيه، فإن الحفاظ على التكامل بين المرجعيتين يتحقق عندما يُنظر إلى الشريعة باعتبارها مرجعية قيمية ومقاصدية، وإلى القانون باعتباره آلية تنظيمية تضمن التطبيق المنصف والفعّال لتلك القيم في الواقع المعاصر.

 

دمج الشرع والقانون يعزز فعالية الصلح

ومن زاوية أوسع، يلفت ميخائيل ماهر، الخبير في القانون الدولي، إلى أن مقاربة الوساطة والصلح لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الداخلي، بل يجب أن تُقرأ أيضا في سياق الالتزامات الدولية للدولة ومكانتها داخل المنظومة القانونية العالمية. فبرأيه، أي إطار وطني للوساطة مطالب بأن ينسجم مع المعايير الدولية ذات الصلة بضمانات المحاكمة العادلة، وحماية الحقوق الأساسية، ومبدأ عدم التمييز، حتى يحافظ على قابلية قراراته للاعتراف والتنفيذ خارجيا.

ميخائيل ماهر

ويؤكد ماهر – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن التكامل الممكن بين المرجعيتين يقوم على قاعدة جوهرية في القانون الدولي المعاصر، وهي احترام الخصوصية القانونية والثقافية للدول في تنظيم شؤونها، ما دامت لا تمسّ بالقواعد الآمرة أو الالتزامات التعاهدية. ومن هذا المنطلق، يمكن للضوابط الأخلاقية المستمدة من الفقه الإسلامي – كالتراضي، ورفع الضرر، وتحقيق العدالة التصالحية – أن تُدمج ضمن منظومة إجرائية حديثة، تُوثَّق فيها اتفاقات الصلح وتُخضع لرقابة قضائية تضمن سلامتها القانونية.

ويضيف أن فعالية الوساطة في النزاعات الحديثة، خاصة ذات الطابع التجاري أو الأسري العابر للحدود، تتطلب وضوحا تشريعيا يحدد الطبيعة الملزمة لاتفاق الصلح وآليات تنفيذه، بما يعزز الثقة في البيئة القانونية الوطنية. وبهذا المعنى، فإن الحفاظ على التكامل بين الشرع والقانون لا يُنظر إليه كحل توفيقي ظرفي، بل كخيار استراتيجي يعكس قدرة النظام القانوني على استيعاب مرجعياته الحضارية ضمن إطار مؤسسي معترف به دوليا.

تكشف هذه الندوة أن النقاش حول الوساطة والصلح لم يعد ترفا فكريا، بل أصبح ضرورة مؤسساتية تمليها تحولات المجتمع وتعقّد العلاقات القانونية. كما تؤكد أن الجمع بين عراقة الموروث الفقهي ومتطلبات التشريع المعاصر ليس مجرد شعار، بل مشروع متكامل يستند إلى رؤية علمية ومنهجية، قوامها التكامل لا التصادم، والتأصيل لا القطيعة، بما يرسخ ثقافة قانونية تصالحية تعزز السلم الاجتماعي وتحفظ هيبة الدولة ومصداقية العدالة في آن واحد.

رابط دائم
https://elayem.news/hikas