السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

مخالب التغير المناخي تخدش أرض الجزائر

Author
كريم تجاني 09 ديسمبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

تعود الإشارات الأولى إلى البيئة في الجزائر إلى الأيام الأولى لسن قوانين البلديات والولايات؛ أي في نهاية الستينات وتم تأكيد ذلك في مسودة الميثاق الوطني لعام 1976.

أول وزارة أدرجت مفهوم البيئة في تسميتها يعود تاريخها إلى عام 1977 (تنمية الأراضي وحماية البيئة)، وقبل ذلك، تم إنشاء أول لجنة وطنية للبيئة في عام 1974.

ومع ذلك، ولعقود عديدة، لم يكن للبيئة إلا مساحة على الهامش من خلال الانتقال من دائرة إدارية إلى أخرى كل ثلاث سنوات أو نحو ذلك دون أن تجد مكانها في المخطط التنظيمي للحكومات المتعاقبة بالخطوة نفسها التي سجلتها قطاعات المياه والتعليم والداخلية وما إلى ذلك). ويمكننا أن نعتبر أن الفهم السياسي للبيئة في الجزائر، منذ ذلك الحين، لم يتطور في الواقع من حيث الجوهر على الرغم من جميع الأشكال التي كان القصد منه تجسيدها من خلال الضبط المفاهيمي في مختلف الإدارات.

لا تزال البيئة مستقطبة إلى حد كبير حول مفهومين رئيسيين: النظافة والتهيئة العامة (البعد الوطني) ومكافحة التصحر (البعد الدبلوماسي)، مما يعطي هذا النهج طابعاً اجتماعياً واقتصادياً للغاية، أكثر بكثير من الاهتمامات الإيكولوجية البحتة.

إنها رؤية اختزالية حيث يُنظر إلى الطبيعة أولاً وقبل كل شيء على أنها مصدر للموارد ومصدر للثروة المادية والخدمات البيئية ونادرا جدًا كتراث ثقافي ومصدر للرفاهية المادية والمعنوية. وحتى أقل من ذلك، يعتبر التنوع البيولوجي كيانا يجب حمايته واحترامه بما يتجاوز أي اعتبار للمنفعة أو الإنتاجية.

وهكذا فإن هذه السياسة تركز على مفهوم المحافظة (الطبيعة مورد طبيعي) أكثر من تركيزها على الحفظ (الطبيعة كيان حي يستحق الاحترام واللطف والتعايش المتناسق). وبالتالي فهذا التفكير السياسي متجذر في تصور البيئة والطبيعة يأخذ مصدرها في فكر القرن التاسع عشر أكثر بكثير من تصور القرن الحادي والعشرين.

ما يلاحظ على السياسة البيئية في الجزائر أنها تنظر إلى الطبيعة من منظور الكم ونادرًا ما تكون تحت منظور النوعية. بحيث يتم تفضيل التحديد الكمي والتقييمات الإحصائية.

لقد حان الوقت لإعادة التفكير في هذه الرؤية. لأن البيئة هي التي تشكل الكائنات الحية وليس العكس. لأن هذه الاستراتيجية لم تفشل فقط في الوفاء بمعظم وعودها من حيث حماية البيئة والحفاظ عليها وكذلك تنمية المحيط الحيوي، ولكن قبل كل شيء، لأنها “تجمدنا” في مفارقة تاريخية تبعدنا كل يوم قليلاً عن القضايا الحقيقية لهذا القرن.

القضايا التي ليست بالضرورة، في رأيي المتواضع، تكنولوجية وتقنية كما يراد لنا أن نعتقد ذلك في هذا الوقت. بل يبدو أن ما هو أكثر أهمية هو الرأسمال البشري، الذي تنفره وتحطمه بشكل متزايد البيئة التكنولوجية المشبعة حاليا، من خلال التشكيك في علاقتنا مع الحياة الطبيعية. إننا بحاجة لإيجاد مسارات إنسانية أصيلة، بالعودة إلى الجذور للتحرك نحو أفاق جديدة.

وهو ما لا يعني بأي حال من الأحوال أنه يجب على المرء أن يقع في الجانب الآخر من التفكير في رؤية الطبيعة «شيئًا» أو حتى تجسيد البيئة باعتبارها شكلا مثاليًا للوجود.

بل سيكون أكثر من ذلك بكثير من خلال اعتبار التنوع البيولوجي والمحيط الحيوي مصدرا للذكاء البشري والإلهام الإنساني من أجل استحداث طرائق جديدة للتعايش مع الطبيعة التي لم تعد هدفا نهائيا لاستخراج الثروة المادية. إن محاولة التحكم في الطبيعة والهيمنة على البيئة ليست الا أعراضا لأمراض انتحارية وشكلا من أشكال التدمير الذاتي.

إن هناك حقيقة لا يمكن لأحد أن يخفيها. الجزائر، مثل دول حوض البحر الأبيض المتوسط، تواجه بالفعل «زيادة» الأحداث المرتبطة بالتغيرات المناخية التي تميزت في السنوات الأخيرة بـتقلص نسب هطول الأمطار والتغير في المواسم. يكفي الاقتناع بأن الفصول الأخرى التالية لفصل الشتاء لا توفر الظروف المناخية نفسها، ونتيجة لذلك، فإن المحيط الحيوي بأكمله عرضة للتغير.

ولعل هذا هو السبب في أن آثار تغير المناخ، ولا سيما في بعدها الاقتصادي، ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار الآن في جميع الاستراتيجيات الإنمائية، ولا سيما بالنسبة للجزائر التي تتسم أغلب مناطقها بمناخ قاحل إلى شبه قاحل.

تعمل السلطات العامة اليوم إلى الحد من الآثار السلبية لتغير المناخ من خلال تدابير صارمة، لا سيما أن سيناريوهات المناخ المستقبلية تتوقع تفاقم الظواهر الجوية الشديدة التي تؤثر على العديد من القطاعات الرئيسية في الجزائر، والتي يمكن أن يكون لها تأثير اجتماعي واقتصادي

وتحسبا لذلك، تشارك الجزائر في مختلف المنتديات العالمية للتعرف على النماذج المستخدمة، وخاصة لإظهار الإرادة السياسية القوية لالتزامها بمكافحة تغير المناخ.

إن البرنامج الوطني للمناخ هو خطوة أولى عظيمة، وهي أيضًا عرض دبلوماسي لتقدم الجزائر في هذا المجال، لكنها ليست استراتيجية حقيقية لعدم اكتمال معالمها بعد.

المنطق يفرض أن تقوم السلطات بتطور الإستراتيجية قبل الحديث عن وضع البرامج. وبالرغم من أن الجزائر كانت في طليعة الدول المرافعة لصالح السياسات العامة المتعلقة بالمناخ، لا سيما في ضوء مشاركتها الدبلوماسية الكبيرة منذ السبعينات في نظام مكافحة التصحر وتعاونها الدولي في مجال الأرصاد الجوية، فإن بلدنا لا يملك حتى الآن كل الأدوات التنظيمية والمؤسسية والتشغيلية اللازمة للانطلاق في تنفيذ استراتيجيات ضخمة.

من جانب أخر نلاحظ أن الشركات الاقتصادية في الجزائر لم تشارك بعد بشكل كافٍ في مجهودات الدولة للكفاح ضد آثار التغير المناخي.

فعلى سبيل المثال، لم يُدع أي ممثل للقطاع الخاص الجزائري للانضمام إلى لجنة التنسيق الوطنية؛ بينما يمثل المجتمع المدني المرصد الوطني للمجتمع المدني والشبكة الوطنية المعنية بالبيئة وتغير المناخ، في ذات اللجنة.  ومع ذلك، من الجدير الثناء على الديناميكية المتزايدة للشركات الناشئة الجزائرية، في العديد من المجالات والتي تطور الكثير من الحلول التي ستسمح لنا بالتكيف بشكل أفضل مع أثار التغير المناخي وتقليل انبعاثات غاز الكربون.