قبيحُ المنظر أعرف!
عيناي غائرتانِ ووجهي شاحبٌ، لحيتي طويلة قليلاً لكنَّها بيضاء توحي بأنَّ الموت رفيقي. طويلٌ ولكنَّني "أهبل"، هكذا كانوا يصفونني. ولكنّ عينيّ الغائرتينِ تقرآن عمر المرأةِ من قدميها، وتحسبان ديون الرّجل من عددِ خطواته، وتعرفان عدد أحلام الطِّفلة من عدد قفزاتها... فأنا قبل كل ذلك قارئ وبائع كتب!!
من يشتري كتابًا برُبعِ دينار من قبيح؟
كل يوم أفترش الرّصيف بكتبي ذات الأغلفةِ القديمة، بأوراقها الصفراء ورائحتها المعتَّقة. لم تكن تحمل لونًا واحدًا، بل كان لديَّ تشكيلةٌ واسعةٌ من الكتب.. كتب في فنِّ الكذب، طرق الإغواء، كيف تحكمي الرِّجال في أربع ساعات، من علَّم النِّساء الكذب؟... وأُخرى في اكتشافِ جغرافيا العالم، "إيفل" ينتقل سيرًا على الأقدام إلى روما، المحيط الأطلسي مات حزنًا على كريستوف كولومبس... وكانت جميعها عناوين مثيرة إلَّا أنَّ أحدًا لم يكن ليشتري!!
تبًّا للقبحِ كيف يقطع الأرزاق! لو بقيت تجارتي مُفلسفة فلسوف أموت جوعًا في أقل من أسبوع.
وكان عليَّ أن أضع خطَّة!... فأنا مثقَّفٌ وأجيدُ التَّفكير، لا شيء يقيِّدُ عقلي. في كلِّ مرةٍ أتأمَّل المارَّة أرى طرف خيطٍ وهميّ يلتفُّ حول أعناقهم، ألسنتهم أو عند أقدامهم، وطرفًا آخر موصولًا في هواتفهم، ألعابهم أو محفظات نقودهم... لا داعي لأن ترهقَ نفسكَ في التَّفكير فهذا الخيط لا يراه إلا المثقَّفون أصحاب الوجه القبيح.
ومرَّت الأيام والخيط يزداد سِمكًا وكتبي لمّا تزل على حالها. فلمعت في خاطري فكرة: لماذا أيَّها القبيح لا تكتب لافتة لأبناءِ هذا العصر؟ لعلَّهم يشترون كتبًا... يشترون حريَّة التَّفكير في هذا الكون الملتفّ حول نفسهِ.
تناولت قلمًا وقطعة كرتون وبخطٍّ أنيقٍ رغم هيئتي المقزِّزة كتبت: "مَـن يُـرشـد سـمكـة تـائـهـةً فـي نـهـر المسيسيبي؟". فقط النِّساء الجميلات لفتتهنّ العبارة وتجمّعن قربي بِعصَوات السِّلفي وأغراضهنَّ التّجميلية، وكأنَّني كتبتُ إعلانًا عن موضى حديثة!
أذكر أنّ واحدة منهنّ قالت: "وحدهم الغرقى يشعرون بخوف السَّمكة". وأخرى ردّت: لا خوف في محاربة التَّيار طالما قلبك يفيض بالإيمان. وثالثةٌ قالت: "من أراد الإبحار فليأخذ قاربًا وطوق نجاة". ثمّ التفتن نحوي يسألنَني عن معنى العبارة، وبعد لحظة صمتٍ سألتهم: من يشتري الحريّة من سوقِ العبيدِ؟ ومن يكسر عصا المِظلَّة عندما تمطر السّماء حريّة؟
لأنّ النّهر رغم اتساعِه يبقى ضيِّقًا، اختارت السّيدة سمكة أن تثور عليهِ وتفرّ هربًا نحو المحيط بلا قيدٍ أو دليل. الكل فهم معنى الحديث لكنّ واحدةً منهنّ لم تجرؤ على نطقِ المغزى رغم أنّ الحبل معقودٌ من ألسنتهن.

