الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

مركز جزائري للتكوين في حفظ السلام بمعايير أممية وإفريقية

Author
ربيعة خطاب 04 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خطوة تعكس تنامي اهتمام الجزائر بملف حفظ السلم ودعم الاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، أقرت السلطات الجزائرية مؤخرا، إنشاء مركز جزائري للتكوين في مجال حفظ السلم، بموجب مرسوم رئاسي وقعه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، ليشكل إطارا مؤسساتيا متخصصا في إعداد وتأهيل الكفاءات العسكرية والمدنية للمشاركة في عمليات دعم وحفظ السلم.

ولا يقتصر دور المركز على الجانب التدريبي فحسب، بل يمتد إلى البحث والدراسة في القضايا الاستراتيجية والعملياتية والعلمية المرتبطة بعمليات حفظ السلم، مع اعتماد برامج التكوين على المعايير والمقاييس المعمول بها لدى منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية. كما يفتح المركز أبوابه أمام متربصين جزائريين وأجانب، عسكريين ومدنيين، بما قد يجعله فضاء لتبادل الخبرات وبناء القدرات في مجال بات يحظى بأهمية متزايدة في القارة الإفريقية.

ويأتي إنشاء هذا المركز في سياق إقليمي ودولي تتزايد فيه الحاجة إلى تكوين متخصص قادر على التعامل مع تعقيدات مهام حفظ السلم، سواء من الناحية الميدانية أو القانونية أو السياسية، كما يطرح تساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في تأهيل الكفاءات الإفريقية والعربية وتعزيز مساهمتها في منظومة السلم والأمن.

وفي هذا السياق، يصرح الخبير في الجيو-استراتيجية لـ”الأيام نيوز”، فاضل عباس علوان، بأن أهمية إنشاء هذا المركز لا تختزل في الجانب التدريبي، لأن الجزائر تمتلك تجربة تاريخية في التعامل مع قضايا السلم والأمن والوساطة وتسوية النزاعات، وبالتالي فإن المؤسسة الجديدة يمكن أن تشكل آلية لتجميع هذه الخبرات وتطويرها وتحويلها إلى برامج تكوين ومناهج علمية وعملياتية تستجيب للتحديات الجديدة التي تواجه عمليات حفظ السلم على المستويين الإفريقي والدولي.

ويؤكد فاضل عباس علوان أن التطورات التي شهدتها طبيعة النزاعات، خلال السنوات الأخيرة، جعلت عمليات حفظ السلم أكثر تعقيدا من السابق، فلم تعد المهمة تقتصر على الانتشار الميداني أو الفصل بين أطراف النزاع، وإنما أصبحت تشمل حماية المدنيين، احترام القانون الدولي الإنساني، التعامل مع الأزمات السياسية، دعم مسارات المصالحة، التواصل مع المجتمعات المحلية والمساهمة في بناء الاستقرار بعد انتهاء النزاعات، وهو ما يتطلب تكوينا متخصصا يجمع بين الأبعاد العسكرية والمدنية والقانونية والسياسية والإنسانية.

وفي هذا السياق، يوضح فاضل عباس علوان أن المركز سيسمح بتعزيز جاهزية الكفاءات الجزائرية التي يمكن أن تشارك مستقبلا في عمليات حفظ السلم، من خلال إخضاعها لتكوين يستند إلى المعايير والمقاييس المعمول بها لدى منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية. ويعتبر أن توحيد المرجعيات التكوينية يمثل عاملا مهما، لأنه يسمح بإعداد كوادر قادرة على العمل ضمن الأطر متعددة الأطراف وفهم قواعد وآليات العمل في بعثات حفظ ودعم السلم.

ويضيف فاضل عباس علوان أن اعتماد المعايير الأممية والإفريقية والعربية يمنح المركز بعدا مؤسساتيا يتجاوز الإطار الوطني، لأن التكوين وفق هذه المرجعيات يفتح أمام المؤسسة الجزائرية إمكانية بناء شراكات مستقبلية مع الهيئات الدولية والإقليمية ومراكز التكوين المتخصصة في مختلف الدول. ويرى أن الجزائر تستطيع من خلال هذه الآلية أن تنتقل من مجرد المشاركة في منظومات حفظ السلم إلى المساهمة أيضا في إعداد وتكوين الكفاءات التي تعمل داخل هذه المنظومات.

ويعتبر الخبير في الجيو-استراتيجية فاضل عباس علوان أن استقبال المركز لمتربصين جزائريين وأجانب، عسكريين ومدنيين، يمثل أحد أهم عناصر قوته، لأنه يفتح الباب أمام تحويله مستقبلا إلى فضاء إقليمي لتبادل الخبرات وبناء القدرات. ويشير إلى أن مشاركة متدربين من دول إفريقية وعربية مختلفة يمكن أن تجعل الجزائر فضاء يجتمع فيه الخبراء والكفاءات حول قضايا السلم والأمن، بما يعزز موقعها كمركز إقليمي للتكوين والمعرفة في هذا المجال.

ويرى فاضل عباس علوان أن الجزائر تمتلك مجموعة من المقومات التي تساعدها على تطوير المركز نحو بعد إفريقي وإقليمي، من بينها موقعها داخل القارة، وعلاقاتها التاريخية مع الدول الإفريقية، وتجربتها في الوساطة وتسوية النزاعات، فضلا عن حضورها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي. ويؤكد أن هذه العوامل يمكن أن تمنح المؤسسة الجديدة فرصة للانفتاح على محيطها الإفريقي، خصوصا إذا تم تطوير برامج تكوين تستجيب للاحتياجات الفعلية للدول التي تواجه تحديات مرتبطة بالنزاعات والأزمات الأمنية.

ويشدد فاضل عباس علوان على أن الهدف الاستراتيجي بالنسبة للجزائر يجب أن يكون تحويل المركز إلى مركز تميز إفريقي في مجال حفظ السلم، وليس مجرد مدرسة تدريب تقليدية. ويقترح أن تشمل البرامج المستقبلية مجالات الوساطة والوقاية من النزاعات والإنذار المبكر والقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين وإدارة الأزمات وبناء السلام بعد النزاعات، إضافة إلى الملفات الأمنية الجديدة التي أصبحت تفرض نفسها على الدول الإفريقية، مثل الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب والتحديات السيبرانية والآثار الأمنية للتغيرات المناخية.

وفي قراءة أخرى، يرى فاضل عباس علوان أن الجمع بين التكوين والبحث والدراسة يمكن أن يمنح المركز قيمة إضافية، لأن دراسة النزاعات وتحليل أسبابها وتطوراتها تساعد على تطوير آليات الوقاية منها. ويؤكد أن الجزائر يمكنها الاستفادة من هذه المؤسسة لإنتاج دراسات استراتيجية حول الأزمات الإفريقية، بما يسمح بتكوين رؤية أكثر عمقا للتحولات التي يعرفها المحيط الإقليمي، وتقديم مقاربات قائمة على المعرفة والخبرة وليس فقط على ردود الفعل تجاه الأزمات.

ويؤكد فاضل عباس علوان أن المركز يمكن أن يصبح أيضا أداة من أدوات الدبلوماسية الجزائرية الوقائية، خصوصا أن السياسة الخارجية الجزائرية تقوم تاريخيا على دعم الحلول السياسية والحوار والوساطة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. ويرى أن تكوين الكفاءات في مجالات الوساطة والتفاوض ومنع النزاعات يمكن أن يدعم هذا التوجه ويمنحه بعدا مؤسساتيا أكثر استدامة.

ويضيف فاضل عباس علوان أن تكوين كوادر إفريقية وعربية داخل الجزائر يمكن أن ينتج أثرا يتجاوز فترة التدريب نفسها، لأن هؤلاء المتدربين سيعودون إلى بلدانهم وهم يحملون خبرات وعلاقات مهنية اكتسبوها خلال وجودهم في الجزائر. ويعتبر أن بناء هذه الشبكات البشرية يمثل شكلا من أشكال التعاون طويل المدى، ويمكن أن يساهم في تعزيز التواصل بين الجزائر ومختلف الدول الإفريقية في ملفات السلم والأمن.

ومن منظور جيو-استراتيجي، يوضح فاضل عباس علوان أن القوة في العلاقات الدولية لم تعد تقاس فقط بالإمكانات العسكرية والاقتصادية، وإنما أصبحت المعرفة والخبرة والقدرة على بناء الشبكات وتكوين الكفاءات جزءا من عناصر القوة والتأثير. ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء مركز جزائري متخصص في حفظ السلم يمكن أن يشكل رافعة للقوة الناعمة الجزائرية، خصوصا إذا تمكن من اكتساب مكانة إقليمية ودولية والارتباط بشبكات المؤسسات الأممية والإفريقية المتخصصة.

ويرى فاضل عباس علوان أن المركز يمكن أن يدعم حضور الجزائر داخل منظومات السلم والأمن الإفريقية، خاصة أن الاتحاد الإفريقي يولي أهمية كبيرة للوقاية من النزاعات وإدارة الأزمات وبناء السلام. وبالتالي، فإن مساهمة الجزائر في تكوين الكفاءات الإفريقية يمكن أن تشكل إضافة عملية لجهود القارة في بناء قدراتها الذاتية في مجال السلم والأمن، بما يتماشى مع الحاجة إلى حلول إفريقية للأزمات الإفريقية.

كما يشير فاضل عباس علوان إلى أن الجزائر تستطيع توظيف المركز لتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية التي تحتاج إلى تطوير قدراتها البشرية والمؤسساتية في مجالات إدارة الأزمات وحفظ السلم. ويؤكد أن تقديم التكوين والخبرة في هذا المجال يمكن أن يمنح الجزائر دورا إضافيا داخل القارة، يقوم على بناء القدرات ونقل المعرفة، وليس فقط على المواقف السياسية أو الدبلوماسية.

وفي السياق ذاته، يرى فاضل عباس علوان أن المركز يمكن أن يوفر للجزائر فرصة لتطوير ما يمكن تسميته بـ”الخبرة الجزائرية في حفظ السلم”، من خلال توثيق التجارب السابقة وتحليلها واستخلاص الدروس منها وإدراجها ضمن برامج أكاديمية وعملياتية. ويعتبر أن تحويل التجربة إلى معرفة مؤسساتية يسمح للأجيال الجديدة من الكفاءات الجزائرية بالاستفادة منها، كما يجعلها قابلة للتبادل مع الدول الشريكة.

ويشدد فاضل عباس علوان على أن نجاح المركز في أداء هذه الأدوار يتطلب المحافظة على مستوى عال من التخصص والاحترافية، وربط التكوين بالواقع الميداني، والاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية، وتطوير برامج قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها طبيعة النزاعات وعمليات حفظ السلم. كما أن الانفتاح على الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الدولية والإفريقية يمكن أن يمنح المركز بعدا علميا واستراتيجيا أوسع.

ويؤكد فاضل عباس علوان أن الجزائر، من خلال هذه المؤسسة، تستطيع الجمع بين ثلاثة مستويات من العمل: تكوين الكفاءات، إنتاج المعرفة، ودعم التعاون الدولي والإفريقي في مجال السلم والأمن. ويرى أن هذا التكامل هو الذي يمكن أن يمنح المركز وزنه الحقيقي، لأن المؤسسة التي تكتفي بالتدريب ستظل محدودة التأثير، بينما المؤسسة التي تنتج المعرفة وتبني الشبكات وتشارك في تطوير القدرات يمكن أن تتحول إلى مرجع إقليمي.

ويشير فاضل عباس علوان أن إنشاء المركز الجزائري للتكوين في حفظ السلم يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز موقع الجزائر كفاعل مسؤول في منظومات السلم والأمن، خصوصا في محيطها الإفريقي. ويؤكد أن الرهان لا يتمثل فقط في إعداد أفراد للمشاركة في عمليات حفظ السلم، وإنما في بناء مؤسسة قادرة على تكوين الكفاءات، ودعم الوساطة، وإنتاج الدراسات، وتبادل الخبرات، والمساهمة في الوقاية من النزاعات وبناء السلام.

ويلفت فاضل عباس علوان إلى أن نجاح هذه التجربة سيمنح الجزائر أداة جديدة لتعزيز حضورها الإفريقي والدولي، تجمع بين الخبرة الدبلوماسية والقدرة المؤسساتية والمعرفة الاستراتيجية. فبدلا من أن تكون مساهمة الجزائر في السلم والأمن محصورة في المواقف السياسية، يمكن للمركز أن يجعلها أكثر عملية واستدامة، من خلال تكوين الإنسان ونقل الخبرة وبناء القدرات. وبذلك، يمكن للجزائر أن تقدم نفسها ليس فقط كدولة تدعو إلى السلم والحلول السياسية، وإنما أيضا كدولة تساهم فعليا في إعداد الكفاءات القادرة على حماية السلم ودعم الاستقرار في إفريقيا وعلى المستوى الدولي.

 

↑