السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

مستشار البنك الدولي السابق لـ”الأيام نيوز”: سياسة العقوبات الأمريكية تدفع العالم نحو بدائل استراتيجية

Author
رتيبة عماري 30 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تدخل الولايات المتحدة مرحلة دولية تتآكل فيها يقينيات القوة، بعدما لم تعد العقوبات الاقتصادية ولا السيطرة على الممرات البحرية ولا التفوق التكنولوجي أدوات نفوذ خالصة، بل عناصر اشتباك مفتوح. وبينما تراهن واشنطن على الاقتصاد كذراع ردع، جاءت المواجهة مع إيران لتكشف أن الفاعلين الصاعدين، وحتى الدول الخاضعة للحصار، جميع هذه الأطراف قادرة على تعطيل الإيقاع الاقتصادي العالمي وابتكار صيغ توازن بديلة تُربك مركزية السيطرة في المشهد الدولي، ما يعيد فتح سؤال حدود الهيمنة الأمريكية في عالم يتبدل بسرعة.

وفي هذا السياق، يرى عمرو صالح، أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي السابق، أن ما يشهده العالم اليوم يمثل تحولا جذريا في طبيعة الصراعات الدولية، حيث أصبحت الأدوات الاقتصادية والمالية أكثر تأثيرا من الجيوش التقليدية في إعادة تشكيل التوازنات الدولية. ويوضح أن القوى الكبرى لم تعد تعتمد فقط على التفوق العسكري لفرض نفوذها، بل باتت تستخدم العقوبات المالية والتحكم في التجارة والطاقة والتكنولوجيا باعتبارها أدوات رئيسية لإدارة الصراع العالمي.

وأشار عمرو صالح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن المواجهة مع إيران كشفت بوضوح حدود القوة التقليدية الأمريكية، إذ نجحت طهران، رغم العقوبات والحصار والضغوط الدولية، في فرض معادلة ردع غير تقليدية تقوم على استنزاف الخصوم وإرباك الاقتصاد العالمي عبر استهداف نقاطه الحساسة. فإيران، بحسب المتحدث، لا تسعى إلى مواجهة عسكرية شاملة مع الولايات المتحدة، بل تعتمد على استراتيجية تقوم على تهديد طرق التجارة والطاقة الدولية بأدوات أقل تكلفة وأكثر قدرة على إحداث اضطراب اقتصادي واسع.

عمرو صالح، أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي السابق

وأوضح أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها أقوى اقتصاد في العالم وأضخم ميزانية دفاعية، تجد نفسها أمام خصوم يدركون جيدا أن مركز القوة الحقيقي في النظام العالمي الحديث لا يكمن فقط في السلاح، بل في استقرار الأسواق وثقة المستثمرين واستمرارية تدفق التجارة والطاقة. ولهذا، فإن مجرد تصاعد التوترات في مناطق استراتيجية مثل الخليج العربي أو مضيق هرمز ينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط والتأمين والنقل البحري، ما يؤدي إلى موجات تضخم عالمية واضطرابات مالية تمتد آثارها إلى مختلف الاقتصادات.

ويرى عمرو صالح أن التحدي الأكبر بالنسبة لواشنطن لا يتمثل فقط في حماية السفن أو تأمين الممرات البحرية، بل في الحفاظ على صورة النظام الاقتصادي العالمي باعتباره نظاما مستقرا وآمنا. فالثقة، بحسب تعبيره، أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية الحديثة، وأي اهتزاز في هذه الثقة ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية والاستثمارات وحركة التجارة الدولية.

بين الهيمنة المالية وتراجع الأثر.. العقوبات في مرحلة التحول

في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، انتقلت العقوبات الاقتصادية لدى الولايات المتحدة والغرب من كونها أداة ضغط ثانوية إلى ركيزة أساسية في بناء النفوذ الدولي، مستفيدة من مركزية الدولار وتشابك النظام المصرفي العالمي. هذا التحول منح واشنطن قدرة واسعة على فرض عزلة اقتصادية ممنهجة على خصومها أو الدول الخارجة عن توافقاتها، بما في ذلك إيران وكوريا الشمالية وكوبا وروسيا وفنزويلا، ضمن مشهد يعكس إعادة توظيف الاقتصاد كأداة لإدارة الصراع الدولي.

وشملت هذه العقوبات تجميد الأصول المالية، ومنع التحويلات البنكية، وحظر التجارة، وفرض قيود على التكنولوجيا والطاقة والاستثمارات، وكانت الفكرة الأساسية تقوم على خلق ضغط اقتصادي داخلي يؤدي إلى إضعاف الأنظمة السياسية أو دفعها إلى تغيير سلوكها الخارجي. وقد بدت هذه الاستراتيجية ناجحة لفترة طويلة، خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية للنظام المالي الغربي وهيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي.

لكن عمرو صالح يرى أن الولايات المتحدة بالغت، خلال السنوات الأخيرة، في استخدام سلاح العقوبات والهيمنة المالية، إلى درجة دفعت خصومها وحتى بعض حلفائها إلى البحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الدولار والمؤسسات المالية الغربية. ويؤكد أن هذا التحول لم يعد مجرد نقاش نظري، بل أصبح توجها عمليا تتبناه قوى دولية وإقليمية كبرى تعمل على توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، وإنشاء أنظمة دفع وتسوية مالية خارج الإطار الغربي التقليدي.

وأضاف أن العقوبات التي كانت في السابق أداة فعالة لعزل الخصوم بدأت تفقد تدريجيا جزءا من تأثيرها، بسبب تكرار استخدامها بشكل مكثف وتحولها إلى أداة شبه دائمة في السياسة الخارجية الأمريكية. فالدول المستهدفة أصبحت أكثر استعدادا لتطوير شبكات اقتصادية موازية، وتحصين اقتصاداتها ضد الضغوط الغربية، وبناء تحالفات جديدة تقلل من تأثير العقوبات الأمريكية.

صعود بدائل الدولار وإعادة رسم الخريطة المالية العالمية

ويعتبر عمرو صالح أن هذا التحول يمثل أحد أخطر التحديات طويلة المدى للنفوذ الأمريكي، لأن قوة الولايات المتحدة لم تكن قائمة فقط على اقتصادها الداخلي أو تفوقها العسكري، بل أيضا على الثقة العالمية بالدولار وبالمؤسسات المالية التي تقودها واشنطن. وعندما تبدأ الدول في التشكيك في حياد النظام المالي العالمي أو تخشى استخدامه كسلاح سياسي ضدها، فإنها تتجه تلقائيا نحو البحث عن بدائل تقلل من تعرضها للمخاطر.

ولم تعد هذه التحولات مقتصرة على خصوم الولايات المتحدة فقط، بل امتدت إلى قوى دولية كبرى بدأت تسعى إلى بناء توازنات اقتصادية جديدة خارج الهيمنة الغربية. فالصين، على سبيل المثال، تعمل منذ سنوات على تعزيز استخدام عملتها الوطنية في التبادل التجاري الدولي، كما تسعى إلى تطوير شبكات مالية واستثمارية بديلة تعزز استقلالها الاقتصادي. أما روسيا، فقد دفعتها العقوبات الغربية الواسعة بعد الحرب الأوكرانية إلى تسريع توجهها نحو الأسواق الآسيوية وتعزيز التعاون المالي والتجاري مع الصين ودول أخرى خارج المنظومة الغربية.

وأكد عمرو صالح أن الحرب الاقتصادية الحالية تكشف أيضا تحولا واضحا في الدور الأمريكي، حيث انتقلت الولايات المتحدة تدريجيا من موقع “قائد العولمة” إلى طرف يستخدم الاقتصاد كسلاح سياسي ضمن صراعات النفوذ الدولية. وبرأيه، فإن هذا التحول أضعف الصورة التقليدية التي قدمت بها واشنطن نفسها لعقود باعتبارها الضامن الأول لانفتاح الأسواق وحرية التجارة العالمية.

وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في أن استخدام الاقتصاد كأداة ضغط سياسي يهدد بتقويض الثقة بالنظام الدولي نفسه، لأن الدول حين تشعر بأن النظام المالي العالمي يمكن توظيفه ضدها في أي لحظة، فإنها تبدأ تلقائيا في بناء شبكات حماية اقتصادية ومالية بديلة. وهذا ما يفسر، بحسب رأيه، تسارع الاتجاه العالمي نحو تنويع الشراكات التجارية وتقليص الاعتماد على المؤسسات الغربية التقليدية.

العالم نحو نظام اقتصادي أكثر تعددية وتوازنا

كما أظهرت التحولات الأخيرة أن العقوبات الاقتصادية لا تحقق دائما النتائج التي خطط لها الغرب. ففي كثير من الحالات، لم تؤد العقوبات إلى إسقاط الأنظمة السياسية أو تغيير سياساتها، بل ساهمت أحيانا في تعزيز النزعة القومية داخل الدول المستهدفة، ودفعها نحو مزيد من الاعتماد على الذات وبناء تحالفات جديدة. كما أن بعض الاقتصادات الكبرى، مثل روسيا، تمكنت من التكيف نسبيا مع العقوبات عبر إعادة توجيه تجارتها الخارجية وتوسيع تعاونها مع شركاء جدد.

ويرى خبراء أن الحرب الاقتصادية الدائرة اليوم لا تتعلق فقط بإيران أو روسيا أو الصين، بل تعكس صراعا أوسع حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي نفسه. فالعالم يعيش مرحلة انتقالية معقدة، تتراجع فيها تدريجيا أحادية الهيمنة التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة، مقابل صعود قوى جديدة تسعى إلى فرض حضورها السياسي والاقتصادي.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة؛ فهي من جهة تحاول الحفاظ على نفوذها العالمي ومكانة الدولار والنظام المالي الذي تقوده، ومن جهة أخرى تواجه تحديات متزايدة ناتجة عن الإفراط في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي. فكلما توسع استخدام العقوبات، زادت محاولات الدول للبحث عن بدائل تقلل اعتمادها على النظام الغربي، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى إضعاف الأسس التي قامت عليها الهيمنة الاقتصادية الأمريكية.

وأكد عمرو صالح أن العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية قد لا تشهد انهيار النفوذ الأمريكي بشكل كامل، لكنها ستؤدي حتما إلى نظام اقتصادي أكثر تعددية وتوازنا. وأضاف أن الصراع الحالي لا يتعلق فقط بالعقوبات أو بالمواجهة مع إيران، بل بالسؤال الأهم المتعلق بمستقبل النظام الدولي: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها العالمي دون أن تفقد الثقة الدولية التي شكلت أساس قوتها لعقود طويلة؟