“مستقبل الصراع على الشمس”.. الهيدروجين الأخضر العابر للبحر الأبيض

في خضم صراعات القوى العالمية على مناطق الثروات الطبيعية وتجلياتها في أزمات حدودية وتجارية وسيبيرانية وأمنية، يدور صراع خفي على مكامن الطاقة البديلة والنظيفة ومنها الهيدروجين الذي يُنظر إليه على أنه الإِكْسِير الذي سيفك الأحجية، وبعد تطرقنا في الجزأين السابقين إلى مكامنه في العالم، لا سيما في أفريقيا وبالتحديد في مالي وكيف يمكن لهذا العنصر الكيميائي أن يكون  بديلا عن النفط العربي، نتعرض اليوم إلى مقاربات نقل هذه الثروة والبنى التحتية المتاحة بأقل التكاليف .

الجزء الثالث..  توليفة نقل الهيدروجين والغاز الطبيعي عبر أنابيب موحدة

يُصبح الموضوع مُثيرا جدا للاهتمام، حين تنشر وكالة “رويترز” مقالة بقلم “ستيفن جيوكس” تحت عنوان “زينام تشتري حصة في أنابيب الغاز الجزائرية لتمهيد الطريق للهيدروجين”، وبعد يومين عن نشر هذه المقالة يكتب “إيثان ماندل” في نشرية الهيدروجين (h2bulletin) قائلا “يمكن أن تصبح في المستقبل منطقة شمال إفريقيا مركزًا لإنتاج الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر” في مقالته Eni” و Snam شركاء على خطوط أنابيب الهيدروجين”.

“في المستقبل، يمكن أن تصبح منطقة شمال إفريقيا أيضًا مركزًا لإنتاج الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر”.

ويأتي  المقال ضمن موجة زخم إعلامي أعقب إعلان الشركتان الإيطاليتان إيني (Eni) و زينام (Snam) عن تأسيسهما بتاريخ 27 /تشرين الثاني /نوفمبر 2021 لشراكة (NewCo)وُصفت بالإستراتيجية، حيث قامت “إيني” بموجب هذه الشراكة ببيع نسبة (49.9بالمائة) من حصتها لـ “زينام” في مجالات خدمات التشغيل والصيانة لخطوط أنابيب الغاز الدولية التي تربط الجزائر بإيطاليا (خطوط أنابيب الغاز البرية الممتدة من الحدود الجزائرية-التونسية إلى الساحل التونسي”TTPC”، وخطوط أنابيب الغاز البحرية التي تربط الساحل التونسي بإيطاليا “TMPC”) مقابل 385 مليون يورو، مع استمرار “إيني” في امتلاك (50.1 بالمائة).

مزج الهيدروجين في خطوط الأنابيب مع الغاز الطبيعي كعملية ذكية، تُجنب المستثمرين تكلفة إنشاء خطوط أنابيب مخصوصة، لتسريع إدخال الهيدروجين كوقود على أوسع نطاق

عن هذه الصفقة علّق الرئيس التنفيذي لشركة إيني(Eni) ، كلاوديو ديسكالزي، قائلاً: “تتيح لنا هذه الصفقة تحرير موارد جديدة لاستخدامها في مسار الانتقال الطاقوي الذي نباشره، مع الحفاظ في نفس الوقت على إدارة البنية التحتية الاستراتيجية مع الشريك زينام(Snam) ، لضمان أمن إمدادات الغاز الطبيعي لإيطاليا. سيلعب الغاز دورًا رئيسيًا في انتقال أنظمة الطاقة نحو نماذج الانبعاثات الصفرية، ومن المهم الحفاظ على توافر طرق الإمدادات من هذا المورد و تنويعها”. كما تحدث الرئيس التنفيذي لشركة زينام(Snam) ، ماركو ألفيرا، قائلاً: ” هذه الصفقة تعزز الدور المركزي لشركة زينام في أمن الإمدادات الطاقوية الإيطالية، وكذلك في نقل الطاقة من منطقة البحر الأبيض المتوسط. ومن خلال هذه الصفقة، تقوم زينام بتوسعة بنيتها التحتية نحو شمال إفريقيا وربطها بها، والتي تمثل مجالًا رئيسيًا للغاز و لإمدادات إيطاليا منه، والتطلع إلى تطوير الهيدروجين. في المستقبل، يمكن أن تصبح منطقة شمال إفريقيا أيضًا مركزًا لإنتاج الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر”.

نجد العديد من التقييمات التقنية تشير بأن نطاقات المزج المقبولة بين الهيدروجين والغاز الطبيعي، في أنابيب هذا الأخير، يمكنها أن تصل إلى محتوى فيه (20بالمائة) هيدروجين و (80بالمائة) غاز طبيعي. بينما المحتوى المفضل عند البعض هو الذي يشتمل على (10بالمائة) هيدروجين

بعد ذلك، وبتاريخ 14 ديسمبر 2021، جرى التوقيع على عقد شراكة واتفاقية استراتيجية بين سوناطراك الجزائرية مع شريكها إيني الإيطالية على إتفاقيتين، تتعلق الإتفاقية الأولى بـتوقيع سوناطراك الجزائرية و إيني الإيطالية على أول عقد شراكة بينهما، في إطار القانون الجديد للمحروقات، وهو القانون رقم 19-13 المؤرخ في 14 ربيع الثاني عام 1441 الموافق 16 ديسمبر سنة 2019، المُنظم لنشاطات المحروقات، وهو عقد للاستكشاف ولإنتاج ما مقداره (45 ألف برميل في اليوم) بحجم استثمار يبلغ 1.4 مليار دولار أمريكي. أما الإتفاقية الثانية فتتعلق بالتعاون الاستراتيجي بين الشركتين في مجال الإنتقال الطاقوي، بهدف تعزيز البحث والتطوير في المجال التكنولوجي، خاصة في الإنتاج في مجالات الطاقة الشمسية، والهيدروجين، والوقود الحيوي، إضافة إلى استكشاف الليثيوم، وكذا مواصلة الجهود الرامية إلى تخفيض البصمة الكربونية لجميع العمليات المرتبطة بإنتاج البترول والغاز الطبيعي.

هذه الديناميكية، هي ليست بمعزل عما يجري تقديمه اليوم، من أن مزج الهيدروجين في خطوط الأنابيب مع الغاز الطبيعي كعملية ذكية، تُجنب المستثمرين تكلفة إنشاء خطوط أنابيب مخصوصة، لتسريع إدخال الهيدروجين كوقود على أوسع نطاق. ضمن منظور عالمي، نلمس من خلاله تلك الأهمية البالغة التي أصبحت تُعطى لتطوير صناعة “الهيدروجين الأخضر” في الفضاء الجغرافي الجزائري، ثم نقله عبر خط أنابيب الغاز الطبيعي العابرة للبحر الأبيض المتوسط نحو إيطاليا، التي ستكون بوابة مهمة لتصدير هذا “الهيدروجين الأخضر” المُنتج بالجزائر نحو أوروبا.

من هنا، من خط أنابيب الغاز الطبيعي، تنطلق أهمية هذه المسألة. كما نجد العناية بهذا الموضوع هي في تزايد مضطرد، والعديد من الدراسات توليها أهمية مركزية. لذلك نجد العديد من التقييمات التقنية تشير بأن نطاقات المزج المقبولة بين الهيدروجين والغاز الطبيعي، في أنابيب هذا الأخير، يمكنها أن تصل إلى محتوى فيه (20بالمائة) هيدروجين و (80بالمائة) غاز طبيعي. بينما المحتوى المفضل عند البعض هو الذي يشتمل على (10بالمائة) هيدروجين، كما نجد أعمال نمذجة ومحاكاة لنطاق مزيج (من 0.2 بالمائة إلى 10بالمائة) هيدروجين تبيّن وجود تأثيرات بارزة عند النقطة الحدّية لنطاق هذا المزيج. وخلاصة مختلف هذه الاعمال كلّها تبرز وجود تأثيرات لنسب كل نطاق على طبيعة المزيج، خاصة التأثيرات على خصائص المزيج (الكثافة، اللزوجة، والخصائص الحرجة) من الغازين (الهيدروجين والغاز الطبيعي)، لأن وجود الهيدروجين في الخليط، وفقا لكل مقدار محتوى منه، له تأثير على ضمان التدفق وخصائصه عبر خطوط أنابيب النقل، خصوصا وقوع فقدان في الضغط وانخفاض درجة الحرارة على طول خط الأنابيب.

يعد حساب كثافة مزيج الغاز الطبيعي معلمة رئيسية في تصميم عملية المزيج هذه. كل مكوّن في مزيج الغاز الطبيعي له تأثير مختلف على كثافة الخليط بسبب وزنه الجزيئي. يقلل المكوّن الخفيف من كثافة مزيج الغاز، بينما يزيد المكوّن الثقيل من كثافة هذا المزيج. وفقاً لهذه القاعدة فإن وجود الهيدروجين في حالة مزيج مع الغاز الطبيعي، بأي حال من الأحوال، يؤدي إلى تقليل كثافة الخليط (غاز طبيعي\هيدروجين)، كما أننا نجد بأن زيادة محتوى الهيدروجين في مزيج الغاز يؤدي إلى انخفاض كثافة هذا الخليط.

كثافة الغاز تعرف بأنها حاصل قسمة كتلة الغاز على حجمه عند درجة حرارة وضغط معينين، إذا ترتبط كثافة الغاز ارتباطًا وثيقًا بالتغير في درجة الحرارة والضغط. يمكن أن يؤدي التباين في الضغط إلى تغيير كبير في حجم الغاز بسبب قابلية انضغاطه العالية.

كما تعتبر اللُزوجة معلمة مهمة أيضا في تقييم فقدان الضغط على طول خط الأنابيب. كما نعلم أيضا بأن اللزوجة توصف بأنها مقاومة الغاز للتدفق، وهي خاصية مهمة في صناعة الغاز الطبيعي.

لو نأخذ نموذج نطاق المزيج (غاز طبيعي\هيدروجين) لمحتوى هيدروجيني (من 0.2 بالمائة   إلى 10بالمائة) هيدروجين، سنجد بأن النتائج، الأكثر إثارة للاهتمام، تظهر بأن وجود الهيدروجين في خليط مع الغاز الطبيعي بتركيزات أقل من ( 02 بالمائة ) يمكن أن يؤدي إلى زيادة نسبة اللزوجة، و تسجل أعلى لزوجة للغاز الطبيعي عند (0.2 بالمائة) هيدروجين. مع العلم بأن اللزوجة العالية تؤدي إلى زيادة الخسارة والفقدان في الضغط، وبالتالي، فإن الهيدروجين بتركيبة أقل من (02 بالمائة) في المزيج له تأثير سلبي على تدفق الغاز الطبيعي في الأنبوب.

في المقابل، حين وجود الهيدروجين بتركيز (10بالمائة) في مزيج الغاز الطبيعي، يؤدي إلى تقليل كثافة الغاز الطبيعي بنسبة تقارب الـ (12بالمائة)، كما أن وجود الهيدروجين بهذه النسبة يؤدي إلى زيادة الخسارة والفقدان في الضغط، على طول خط الأنابيب بنسبة(5.4بالمائة).

عند المزاوجة بين مختلف العناصر الحرجة للمزيج نجد بأن نقل الخليط المشكل من (غاز طبيعي\هيدروجين)، لمسافات بعيدة يؤدي إلى خسائر في الضغط تختلف باختلاف الكثافة ولزوجة الخليط، من المعروف أن المكونات الأخف تزيد من فقد الضغط أكثر من المكونات الأكثر كثافة.

 ولتفادي ذلك يكون الحل في استخدام محطات ضغط إضافية لتعزيز الضغط ولتعويض أي فقد أو خسارة فيه على طول خط الأنابيب. عملية زيادة الضغط هي عملية مُكلفة تستهلك (من 3 إلى 5بالمائة) من طاقة الغاز الطبيعي في الضواغط، كما أنها تخضع إلى ضوابط حدّية لا يُسمح بالإقتراب منها حفاظا على سلامة أنابيب الغاز.

ضمن هذه المقارنات نجد بأن أفضل نقطة توازن تراعي شروط اللزوجة والكثافة والضغط ودرجة الحرارة والطور، ضمن نطاق المزيج المفضل، هي إعتماد نسبة الـ(5بالمائة) هيدروجين و(95بالمائة) غاز طبيعي في خط أنابيب الغاز العابرة للبحر الأبيض المتوسط (ترانسميد)، والتي تنطلق من الجزائر عبر خط “إنريكو ماتي” مرورا بتونس نحو ايطاليا، هذا الخط الذي يمتلك سعة (32.5 مليار متر مكعب)، ويتدفق عبره، في السنوات الأخيرة، حجوم تدور حول (17 مليار متر مكعب).

لذلك، إنطلاقًا من هذا الإفتراض الذي يقوم على نقل الهيدروجين المنتج بالأراضي الجزائرية عبر خط أنابيب الغاز (ترانسميد) مخلوطًا مع الغاز الطبيعي بنسبة مزج في حدود (5بالمائة) هيدروجين من المزيج الكلي للغاز (غاز طبيعي\هيدروجين)، كما نفترض رفع قدرات ضخ الغاز الطبيعي عبر خط هذه الأنابيب إلى مستوى (19 مليار متر مكعب)، بما يعني أننا سنضخ فيها حجما من الهيدروجين قدره واحد (1) مليار متر مكعب. إنتاج هذا المقدار من الهيدروجين، هو بحاجة إلى توفير (754 ألف متر مكعب) من المياه النقية، هذا نظريا، لكن عمليا ستكون حجوم هذه المياه في حدود (1.7 مليون متر مكعب)، مع توفير طاقة في حدود 4600 جيغاواط ساعي (أي 4.6 تيراواط ساعي) سنويا، أي بناء محطة من الطاقة الشمسية بسعة (1000 ميغاواط) خصيصا لإنتاج هذه الحجوم السنوية من الهيدروجين، مع تشغيل جهاز للتحليل الكهربائي للماء بطاقة (700 ميغاواط)، والذي يبلغ سعره (0.75) مليار دولار بتقديرات آفاق 2025.

 لو نلجأ إلى تحلية مياه البحر لتوفير هذه الكميات من المياه، بإستخدام تقنية التقطير عن طريق الإشعاع الشمسي والتبخير، سيبلغ مقدار الطاقة المستهلكة لإنتاج هذه الكمية حوالي (25.5  جيغاواط ساعي). وبكلفة تصل (182 مليون دينار جزائري) أي ما يعادل (1.30 مليون دولار). لو نعتمد أسعار الكيلواط ساعي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (irena 2020) والتي تُشير حاليا إلى قيمة (0.057 دولار\كيلوواط ساعي)، سنجد بأن كلفة الكهرباء المتجددة لإنتاج هذه الكمية من الهيدروجين هي (263 مليون دولار)، لكننا لو نبني تقديراتنا على أسعار الكيلواط ساعي التي تتوقعها (irena) في سنة 2023، والتي ستكون وفقاً لتوقعاتها في حدود (0.040 دولار\كيلوواط ساعي)، هذا يعني بأن كلفة طاقة إنتاج الهيدروجين ستكون 185 مليون دولار.

نعيد التذكير بأن نسبة الـ(5بالمائة) هيدروجين من المزيج الكلي للغاز (هيدروجين\غاز طبيعي)، والتي هي بحجم قدره واحد (1) مليار متر مكعب، هي تعادل (83.75 ألف طن) من الهيدروجين. لو تسوق هذا الهيدروجين في سنة 2025 على أساس (2.5 دولار للكلغ) فإن مداخيلها منه ستكون في حدود (210 مليون دولار)، وهذه القيمة لن تغطي حتى تكاليف استهلاك الطاقة مضافاً إليها الكلفة الإستثمارية السنوية لجهاز التحليل الكهربائي للماء فقط، دون إضافة بقية التكاليف الإستثمارية والتشغيلية. وهذا ما يتطلب خفض تكاليف الطاقة في المنبع بالموازاة مع انخفاض أسعار الهيدروجين في السوق الدولية، إضافة إلى بذل المزيد من الجهد و الإستثمار في أعمال التطوير الهامة التي تنتظر الجزائر لخفض التكاليف الإستثمارية حتى يتم تحويل الهيدروجين الأخضر العابر للبحر الأبيض إلى قيمة مضافة مستدامة للإقتصاد الجزائري.

يتبع لاحقًا بإذن الله ..