مشاقر اليمن.. عيدٌ يلامسُ خدود الفتيات فيُزهر وطنا

خدود مثل الورد ضوء الفجر أرواها … وأعطاها المشاقر حرس

محوطات الوجوه البيض بالكاذي … المسقى في بــــــرود الغلس

هذه الحالمة تعز في يوم ميلاد الفرح والوطن المزهر من ملامسة المشاقر لخدود نساء لم يذبلن بسبب الحرب، تعز العنيدة في وجه الحرب والحصار، المكتسية وشاح الجمال تغني للسلام بشبابها وصغارها وتلك القلاع الشامخة العنيدة ترفرف من أعاليها بيارق الوطن الخفاّقة، إنها الأرض المتغنيّة بأمجاد الوطن بأفراحه وأعياده، هذه تعز كما لم تكن من قبل قوية شامخة مزهوة بثوب الفرح، تزينها ضحكات الأطفال والألحان، وتطرّز واجهاتها ألوان المشاقر العابقة عطرا فوّاحا قد تأنّق به الحاضرون رجالا ونساء…

التاسع من أيلول/سبتمبر، عيد المشاقر الذي أقرّته مجموعة من الناشطين قُبيل أربعة أعوام بغية الخروج من جو الحرب ورائحة البارود إلى رحابة الحياة وعناق عطرها الأخّاذ، ولأنها تعز المغتسلة بفيض حب الرب، والمتدلية في الوطن كعنقود عنب ها هي اليوم تحت شعار “المشاقر.. روح وريحان” تصنع حكاية مُوغلة في الحب وصناعة البهجة، وناسجة ثوب أمل مطرز بالمشاقر التي تتموضع أشجارها في أغلب شرفات المنازل لتلتف حينها حوله فاتنة من المدينة أو الريف في ساعات الأصيل الأولى وليالي السمر.

المشاقر.. زينة الرجال والنساء

ورد اسم المشاقر في المعجم اليمني الذي ألّفه الشاعر اليمني المعروف مطهر الإرياني حيث قال:”المشاقر نباتات عطرية يتخذها الناس – رجالا ونساء – لتزيين أنفسهم بها، وهي أضاميم الورد والريحان وغيره مما يتشقّرون به طلبا للزينة والرائحة الزكية.. حيث يقوم الرجال بغرز تلك الأغصان في طيّات ما يتعمّمون به من شيلان “قطعة قماشية” أو في فتحات كوافي الخيزران التي يرتدونها، لا سيما في مناطق كتهامة وتعز وغيرها من المحافظات اليمنية التي تعد الكوفية ضمن الملبوسات الشعبية لها.

من جهته أورد الدكتور علي الخلاقي في كتابه (معجم سرو وحمير – يافع شذرات من تراثها) إن الشُّقر: اسم جامع لأنواع متعددة من الطيب ذات الرائحة العطرية، تزرع في أحواض خاصة بجانب البيوت أو بالقرب من النوافذ، إذ يكثر استخدامه من قبل النساء على الرأس أو بين الثياب، كما كان الرجال يتطيّبون به خاصة أيام الجمعة وفي المناسبات، عن طريق وضع غصون منه في عمائمهم، تسمى “حماحم” وهي الجزء المزهر من الشُّقر.

وهنا يقول الشاب بشار مؤنس أحد أبناء تعز لـ ” الأيام نيوز” من التقاليد اليمنية القديمة والتي ارتبطت بالمشاقر كانت الفتاة التي تأخذ “المشاقر” من شاب فتعطيه بذلك وعدا بأنها تكون زوجة له، لذا لم تكن الشابة حينها تقبل أخذ المشاقر من أي شاب مالم ترتضيه زوجا.

ويضيف تتزيّن المرأة التعزية في الأعياد وكل المناسبات بالمشاقر التي تعطيها بُعدا جماليا، ويضفي على ملابسها نوعا من الرائحة الزكية المحبّبة لدى الآخرين.

نقطة البداية

في هذا السياق، تقول أميرة الشرجبي لـ “الأيام نيوز”: “من طقوس يومية وعشق متبادل بين المشاقر والورد ومحبيه إلى يوم ذكرى يحتفل بها اليمنيون في مدينة تعز، فالتاسع من أيلول/ سبتمبر من كل عام هو يوم يحافظ فيه اليمنيون على تراثهم الحسي والثقافي والمعنوي بأشكال عدة، حيث ينظم مجموعة من الشباب فعالية عيد المشاقر بطريقة جميلة ولافتة، فتنثر المشاقر في أرجاء المدينة وتضج مواقع التواصل الاجتماعي بلقطات للأطفال والشباب – ذكورا وإناثا – وهم يحملون المشاقر ويقومون بتوزيعها بشكل يبعث السعادة والانشراح ويعيد الحياة بلون آخر وبنكهة الورد والمشاقر في مدينة أنهكتها الحرب والحصار.

وتضيف انطلقت المبادرة الشبابية هذا العام بتوزيع “المشاقر” على العامة في شوارع وأحياء مدينة تعز، بحسب الدعوة التي قدّمها الناشط الحقوقي “سام البحيري” صاحب المبادرة والاهتمام، وبرفقته مجموعة من شباب كلية الآداب ولفيف من الإعلاميين والإعلاميات في قسم الإعلام بجامعة تعز، رافقهم  في ذلك نخبة من الأدباء والشعراء وعشاق المشاقر في المدينة، مشيرة إلى أن هذا يعد امتدادا واتباعا لما سنّته أروى عثمان من سنة فرائحية قبل أربع سنوات وذلك بإطلاقها عيدا اسمته عيد المشاقر والذي يصادف 9/9 من كل عام، لذا أُطلق عليها سيدة المشاقر نسبة للعيد الذي أطلقته هي لأول مرة في مدينة تعز.

المشاقر.. عيد حب وسلام

عيد المشاقر برمزيته التي تفوح منها رائحة زكيّة تُنعش الروح وتطبطب على لحظاتنا المتعبة، هو رسالة تحمل أكثر من مغزى، أولا لفت النظر إلى أهمية زراعة المشاعر ومختلف الورود ونشر ثقافة الجمال، وإعادة النظر والاهتمام بالموروث سواء على مستوى أزياء التراث الفني بشكل عام والغنائي بشكل خاص، الأمر الآخر، المشاقر رمز سلام، ولا يعني السلام هنا مجرد توقف الحرب ورفع الحصار فقط، رغم أهمية هذا الجانب، لكن السلام بمفهومه الأوسع ولعل أسمى تجلياته، التعايش وقبول الآخر المختلف، فعيد المشاقر إعلان عالمي وليس فقط محلي، لحق الحياة، حق الحرية، وحق العيش بحرية.. بهكذا كلمات افتتح القاص الدكتور محمد الشميري حديثه لـ “الأيام نيوز”.

وأضاف “لا أحب تمييز عيد المشاقر وقصره على تعز فقط، لكن واقع الحال يفرض الحديث عنها، كون العيد انبثق منها ويقام حصريا فيها، وهذا ربما، بل يؤكد أنه أتى من شدة تعطّش الناس لمظاهر الحياة والاحتفال وتنفّس رائحة عطرة بدلا من روائح القذائف والموت.!”

وعن حضوره ومشاركته في احتفالية هذا العام يقول “شاركت في هذا العيد، ولمست مظاهر كثيرة له، بدءا من اللبس التقليدي الشعبي، وتزيينه بالمشاقر، وهذا عند الرجال والنساء، كذلك الاحتفاء بالملالة التعزية المشهورة والأغاني، ولا أنسى حضور الفن التشكيلي كرافد جمالي وتوثيق وشحذ للذاكرة الحية.

وفي ذات السياق ، تقول تمني الأشعري”لم أكن ألتفت لمثل هكذا فعاليات من قبل، كنت أتجاوزها وكأنني لم أسمع بها، لكن عندما يكبر الإنسان تتغير لديه نظرته للحياة، بشكلٍ عام نحن كلما كبرنا نواجه أشياءً وأحداثا تُدخلنا في متاهات حزينة حتى لو تظاهرنا بالسعادة، نحتاج لشيء جديد يغير من نفسياتنا وتغيير الواقع الذي نعيشه، هذا العام هو أولى مشاركاتي لهذه الفعاليات، لا أكون مبالغةً بالحديث إن قلت أنني كنت بحاجة لتلك الفعالية، ساعدتني في نسيان ضغوطات كثيرة، لذا يجب أن يكون في هذه المدينة شيء ما يسعد سُكانها، بالفعالية رأيت الفقراء يبتسمون، رأيت مبتوري الأيدي يبتسمون وكأنهم لا يتألمون وأحسست بالألم عندما شعرت أنهم يريدون التصفيق بحرارة من أجل الوطن، الحب، السلام.