الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

مضيق هرمز على حافة الانفجار.. قيود الملاحة تعيد تشكيل أمن الطاقة العالمي

Author
ربيعة خطاب 06 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يبرز مضيق هرمز كإحدى أكثر النقاط حساسية في العالم، بعدما أصدرت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني تحذيرات مشددة لكافة السفن التجارية والعسكرية بضرورة الالتزام بممر ملاحي محدد وصفته بـ”الآمن الوحيد”. ويعكس هذا التطور محاولة إيرانية لفرض قواعد جديدة لتنظيم الملاحة في واحد من أهم الشرايين الحيوية لتدفق الطاقة عالميا، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد وتهديد أمن الإمدادات الدولية.

وفي هذا السياق، يشير العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، منير شحادة، لـ”الأيام نيوز” إلى أن ما يجري لم يعد مجرد توتر عابر، بل أصبح عاملا ضاغطا يعيد تشكيل معادلات الاقتصاد العالمي.

ويؤكد شحادة أن القيود المفروضة على الملاحة داخل المضيق أدت إلى تباطؤ واضح في حركة السفن، نتيجة اعتماد ممر واحد للعبور، ما تسبب في تكدس جزئي وارتفاع ملحوظ في زمن الانتظار. كما دفع هذا الوضع بعض شركات الشحن إلى إعادة تقييم مخاطر الإبحار في المنطقة، وهو ما انعكس في تراجع نسبي لحركة العبور، وخلق حالة من عدم اليقين في سلاسل الإمداد العالمية.

ويشير منير شحادة إلى أن في قطاع الطاقة، تبدو التداعيات أكثر حدة، حيث سجلت اضطرابات في تدفق النفط تراوحت بين 20 و30 بالمئة في بعض الفترات، مع فقدان فعلي يصل إلى ما بين 4 و6 ملايين برميل يوميا من السوق. هذه الأرقام تعكس هشاشة منظومة الإمدادات العالمية، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار هذا الممر الحيوي، ما يجعل أي خلل فيه ذا تأثير واسع النطاق.

أما على مستوى الأسعار، فيلفت شحادة إلى أن هذا التوتر قد أدى إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 90 و110 دولارات للبرميل، مع قابلية فورية للارتفاع إلى ما يفوق 120 دولاراً في حال وقوع حادث أمني كبير. ولم تقتصر الزيادة على أسعار الطاقة فقط، بل امتدت إلى تكاليف التأمين البحري التي ارتفعت عدة أضعاف، إضافة إلى زيادة مباشرة في كلفة الشحن، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع في الأسواق العالمية.

ويبرز شحادة أن هذه التحذيرات تحولت فعليا إلى أداة ضغط اقتصادي عالمي، أسهمت في خلق سوق طاقة متوترة وهشة، مع تأثيرات ممتدة على مختلف حلقات الاقتصاد الدولي، من الإنتاج إلى النقل وصولاً إلى الاستهلاك.

وفيما يتعلق بكيفية تعامل القوى الدولية مع هذا الوضع، يوضح منير شحادة أن المقاربة السائدة تقوم على “إدارة الأزمة” بدلا من السعي إلى كسرها بشكل مباشر. فالولايات المتحدة تعتمد على حضور عسكري مكثف في المنطقة، من خلال مرافقة السفن وفرض واقع أمني بحري، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب توجيه ضربة واسعة قد تؤدي إلى حرب شاملة.

ويشير منير شحادة إلى أن إيران تتبنى سياسة ذكية جدا تقوم على فرض سيطرة تكتيكية على الملاحة، مستخدمة التهديد واحتجاز السفن كوسائل ردع، مع التعامل مع المضيق كورقة سيادية ضمن معادلة التوازن الإقليمي. هذا التفاعل بين الطرفين يخلق حالة شد وجذب مستمرة، دون الوصول إلى نقطة الانفجار.

ويؤكد شحادة أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة احتكاك عسكري منخفض الحدة، يتجلى في حوادث احتجاز السفن، والاعتراضات البحرية، والتهديدات المباشرة، إلى جانب انتشار عسكري كثيف في مساحة جغرافية ضيقة. غير أن طبيعة هذه المواجهة تبقى محكومة بسقف محدد، من خلال اشتباكات موضعية واستخدام أدوات مثل المسيّرات والزوارق السريعة.

كما يوضح منير شحادة أن ما يجري في مضيق هرمز لم يعد مجرد توتر تقليدي، بل تطوّر إلى نمط يُصنف ضمن ما يُعرف بـ”حرب المنطقة الرمادية”، حيث تستخدم أدوات ضغط متعددة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

ويشير منير شحادة إلى أن من أبرز هذه المظاهر تسجيل حالات تشويش إلكتروني على أنظمة الملاحة، خاصة نظام التعريف الآلي للسفن، وهو ما يؤدي إلى إرباك حركة السفن وخلق مخاطر ملاحية حقيقية، قد تصل إلى حد الاصطدام أو الانحراف عن المسارات الآمنة.

ويضيف منير شحادة أن المضيق يشهد أيضا ما يمكن وصفه بـ”الاختناق البحري”، نتيجة تقليص مسارات العبور وفرض ممرات محدودة، الأمر الذي يزيد من الضغط العملياتي ويرفع احتمالات الحوادث، في ظل كثافة حركة الملاحة العالمية عبر هذا الممر الحيوي.

كما يؤكد شحادة أن اللجوء إلى “المرافقة المسلحة” للسفن التجارية يعكس تحول البيئة البحرية من فضاء مدني إلى بيئة ذات طابع عسكري، حيث أصبحت القطع البحرية تؤدي دور الحماية المباشرة، ما يعكس مستوى التهديد القائم.

وفي السياق ذاته، يلفت منير شحادة إلى تصاعد مخاطر “الاقتراب غير المتماثل”، من خلال استخدام زوارق سريعة منخفضة البصمة، وهو ما يفرض على السفن التجارية رفع درجة الجاهزية وتطبيق إجراءات صارمة للوعي الظرفي البحري.

ولا يستبعد منير شحادة وجود تهديدات إضافية مرتبطة بما يُعرف بالألغام البحرية غير المعلنة، التي تستخدم لتعطيل الملاحة دون إعلان رسمي، ما يزيد من حالة الغموض وعدم اليقين لدى الفاعلين في قطاع النقل البحري.

ويختم منير شحادة أن هذه التطورات مجتمعة تعكس تحول أمن الملاحة في المضيق إلى منظومة معقدة من التهديدات غير التقليدية، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع التجارية، في بيئة عالية الحساسية وقابلة للتصعيد في أي لحظة.