الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

مضيق هرمز والشرق الأوسط.. “حين تحكم الجغرافيا مسار الحرب والسياسة العالمية”

Author
أشرف عكة 02 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لا زالت الجغرافيا تسيطر بسلطتها العميقة على السياسة العالمية، رغم التطور التكنولوجي وصعود الذكاء الاصطناعي وثورة الاتصالات وظهور الحروب الهجينة في عالمنا المعاصر، فالدول الكبرى والاقليمية تتحرك اليوم داخل خرائط جيوسياسية وتخوض حروبها وتنافسها وصراعاتها على الحدود، وتبني قوتها على الموانئ والممرات البحرية والموارد الطبيعة.

وبالتالي فإن الموقع الاستراتيجي في قلب هذه الحقيقة، حيث أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سؤالا حارقا: أين يقف الشرق الأوسط باعتباره أكثر الخرائط العالمية ارتباطا بالجغرافيا السياسية، حيث تتقاطع فيه القارات الثلاث وتتركز الطاقة العالمية وتتنافس فيه وعليه القوى الكبرى عبر البحار والممرات الحيوية.

وهنا جاءت هذه الحرب لتكشف عن سلاح استراتيجي جديد: مضيق هرمز كواحد من أهم الممرات الجيوسياسية في العالم، باعتباره ممرا يشكل عقدة استراتيجية قادرة على تقويض الاقتصاد العالمي وإشعال الحروب أو فرض التسويات الكبرى، وهنا أبرزت هذه الحرب الجغرافيا السياسية كأداة استراتيجية حديثة في إدارة القوة والصراع والتحالفات، ويقال أن فهم الأزمات الدولية لا يكتمل دون فهم الخريطة الجغرافية والسياسية على حد سواء .

لقد أظهرت النظريات الجيوسياسية وتطبيقاتها على الشرق الأوسط، منذ زمن، أن من يسيطر على قلب أوراسيا يقترب من السيطرة على العالم، وجاءت تطبيقات نظرية قلب العالم ” لهالفورد ماكندر ” لتمتد في تطبيقاتها الحديثه إلى محيط هذا القلب، أي الشرق الأوسط باعتباره بوابة الربط بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وحاكت أيضا نظرية القوة البحرية لـ ” الفرد ماهان ” التي قاربت بين السيطرة على البحار والممرات المائة والهيمنة الدولية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا أصبح مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس مناطق تنافس؟، حيث جاء المضيق ليؤكد الحقائق التالية:

أولا : ضيق المسافة تجعله سهل التأثر عسكريا بمعنى، أي فعل عسكري حربي أو توتر أمني يؤثر على حركة الملاحة والناقلات.

ثانيا : وقوعه بين إيران من جهة ودول الخليج العربي من جهة أخرى، يجعله منطقة تماس دائم وتنافس في إطار النفوذ الاقليمي والمجال الحيوي للدول المتشاطئة.

ثالثا : اعتماد الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والتجاره الدولية عليه، وتحديدا آسيا وأوروبا، ولهذا مازال العالم يعيش على وقع نتائج هذه الحرب، سواء بارتفاع أسعار الطاقة والاضطراب في الأسواق العالمية والتجارة الدولية مع كل صاروخ يطلق أو تصريح من قبل أطراف الصراع .

ولهذا كانت ومازالت هذه الحرب ترتبط بصراع أعمق على النفوذ العالمي والتحكم بالممرات الاستراتيجية، وليس ببرنامج إيران النووي أو الصاروخي فحسب، حيث سعت الولايات المتحدة في هذه الحرب لإسقاط إيران الدولة والنظام، لأنها تعتقد أن من يسيطر على الخليج يسيطر على النفط العالمي والملاحة الدولية، ويؤثر تأثيرا مباشرا على حفاظ واشنطن على هيمنتها، ويساعدها في حصار خصومها الدوليين كروسيا والصين، ويعرقل صعود أي قوة إقليمية أخرى تهدد النظام الإقليمي القائم منذ عقود.

ومن هنا أصبح ينظر لإيران كتهديد استراتيجي متعدد الأبعاد ” نووي وصاروخي وشبكات نفوذ وجغرافيا “، وعليه برزت إيران في هذه الحرب كقوة إقليمية استخدمت الجغرافيا كورقة ضغط وقوة، لما تملكه من سواحل طويلة وسيطرتها على هرمز والعمق الجغرافي والديمغرافي وشبكة الحلفاء الإقليميين.

وفي المقابل فرضت الجغرافيا قيودا قاسية على أطراف الصراع، حيث أن مهاجمة إيران خلال الحرب الأخيرة لم تكن سهلة بسبب المساحه والجبال، أضف إلى ذلك أن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران قد أضر بالاقتصاد العالمي إلى حد الركود، بعد تعطيل مرور ناقلات النفط والتجارة الدولية وسلاسل التوريد، لكنه أيضا أضر بإيران نفسها بعد الحصار البحري المستمر الذي فرضته الولايات المتحدة حول المضيق.

وإن استطاعت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من توجيه ضربات قوية لإيران خلال حرب الأربعين يوما الماضية، فإن حسابات كلفة الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحه تقيِّد فائض القوة الأمريكية، حيث أكدت أحداث التاريخ أن الجغرافيا تنتج حروبا محدوده بدلا من الحسم الشامل.

ومن هنا فإن المشكلة التي هنا  تتمحور حول لعنة الموقع وفرصته على حد سواء، ليس لإيران فقط وإنما للشرق الأوسط ككل ، حيث يتمحور حوله الصراع بسبب موقعه المميز والاستراتيجي الذي يمكن أن يتحول إلى منطقة عبور وتكامل اقتصادي عالمي، إذا توافرت إرادة سياسية مستقرة، لما  تملكة المنطقة من احتياطات الطاقة العالمية ومن أهم الممرات البحرية، من باب المندب إلى قناة السويس ومضيق هرمز، حيث يشكل الموقع رابطا للقارات الثلاث “قلب العالم” وسوقا واعدة وكبيرة وإمكانات لوجستية هائلة.

لكن التنافس والصراعات المفتوحه في المنطقة من إيران إلى اليمن ولبنان فسوريا و فلسطين، كلها عوامل تختبر بمنطق السلاح والنار قدرتها على البقاء والصمود أو التكيف والتعايش في مواجهات  مفتوحة، وقد تكون شاملة ومدمرة لتتحول الجغرافيا لمجرد نعمة معطّلة.

وفي نهاية المطاف لا يمكن فهم السياسة العالمية دون فهم الجغرافيا، فالدول قد تتغير حكوماتها وسياساتها وخطاباتها وقد توقع اتفاقيات جديدة، لكن تبقى الجغرافيا أكثر ثباتا من السياسيين والقادة، فهاهو مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الصغير، يخلق معادلة توازنات جديدة في مفهوم السيطرة والتحكم، لما يحتفظ به من تأثير مباشر على  على الاقتصاد العالمي والغذاء وأسواق المال وأسعار النفط،  وصلت إلى حد مس جيوب المواطن الأمريكي نفسه، ما أثر على قرارات الإدارة الأمريكية وأربك حسابات الرئيس دونالد ترامب وحلفاءه القلائل.

ولهذا يثبت الشرق الأوسط، مرة أخرى، أنه ليس مجرد ممرات، بل ساحة اختبار دائمة بين من يسيطر على البحر ومن يرفض أن يحاصر من البحر.

Author أشرف عكة
خبير في العلاقات الدولية