الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

مضيق هرمز يدخل مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية والدولية

Author
ربيعة خطاب 19 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعلنت طهران عن ترتيبات جديدة لتنظيم عبور السفن التجارية في مضيق هرمز، في خطوة ترتبط بتنفيذ مذكرة “تفاهم إسلام آباد” مع الولايات المتحدة، وتشمل إلزام السفن بتقديم طلبات مسبقة لإدارة “ممر الخليج المائي” الإيرانية، مع إعفاء مؤقت من الرسوم لمدة 60 يوما. وتأتي هذه الإجراءات في سياق ترتيبات أمنية ولوجستية تهدف إلى تنظيم الملاحة البحرية وضمان سلامتها في منطقة شديدة الحساسية الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، قدّم الدكتور وائل خليل ياسين، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، قراءة تحليلية شاملة للتطورات المرتبطة بـ”مذكرة إسلام آباد”، وما تضمنته من بنود تتعلق بحركة الملاحة في مضيق هرمز، معتبرا أن هذه التطورات تعكس تحولات جيوسياسية تتجاوز البعد البحري لتطال مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية، ومستوى التفاهمات بين القوى الكبرى بشأن أمن الخليج وحرية التجارة العالمية.

وأوضح الدكتور وائل خليل ياسين أن النظرة الإيرانية لهذه الخطوة تقوم على أنها لا تستهدف فرض سيادة منفردة على مضيق هرمز، وإنما تهدف إلى إضفاء طابع مؤسسي على الدور الأمني الذي تؤديه طهران باعتبارها إحدى الدول المطلة على المضيق. ووفق هذا المنظور، ترى إيران أن تنظيم حركة السفن يندرج ضمن حقها المشروع في حماية أمنها القومي وضمان سلامة الملاحة، كما يمثل انتقالاً من سياسة الردع القائمة على التهديد بإغلاق المضيق إلى سياسة إدارة الممر البحري ضمن ترتيبات أكثر استقراراً واستدامة، مستندة إلى موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية التي تمنحها، من وجهة نظرها، دوراً رئيسياً في تأمين هذا الممر الاستراتيجي.

وأضاف الدكتور وائل خليل ياسين أن “إسرائيل” تنظر إلى هذه الإجراءات من زاوية مختلفة تماما، إذ تعتبرها محاولة لتحويل النفوذ العسكري الإيراني إلى نفوذ سياسي وقانوني يحظى باعتراف دولي. وترى “إسرائيل” أن فرض إجراءات تنظيمية على السفن قد يشكل سابقة تسمح لإيران بتوسيع نطاق سيطرتها تدريجياً على المضيق، الأمر الذي يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة خصومها، ولذلك يرفض الكيان الصهيوني أي ترتيبات قد تفسر باعتبارها اعترافا بدور إيراني منفرد في إدارة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وأشار الدكتور وائل خليل ياسين إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع هذه الخطوة بحذر شديد، فهي تقر بحق الدول الساحلية في اتخاذ تدابير تضمن سلامة الملاحة، لكنها في الوقت نفسه ترفض أي ترتيبات تمنح إيران سلطة أحادية على مضيق دولي يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، تؤكد واشنطن أن مبدأ حرية الملاحة يجب أن يبقى غير قابل للتفاوض، وأن أي إجراءات تنظيمية ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة لفرض قيود سياسية أو اقتصادية على حركة التجارة الدولية.

وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور وائل خليل ياسين أن الصين تنظر إلى المسألة من منظور براغماتي يركز على النتائج العملية أكثر من الاعتبارات السياسية. فبكين لا تعارض اتساع الدور الإيراني إذا كان ذلك يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار داخل المضيق، لكنها في المقابل ترفض أي خطوات أحادية قد تؤدي إلى تعطيل التجارة الدولية أو تحويل مضيق هرمز إلى ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي، نظراً لاعتماد الاقتصاد الصيني بشكل كبير على تدفقات الطاقة القادمة عبر هذا الممر.

وأكد الدكتور وائل خليل ياسين أن دول الخليج تنظر إلى هذه الإجراءات بكثير من التحفظ، إذ ترى فيها محاولة إيرانية لترسيخ دور مهيمن في إدارة المضيق، بما قد يؤثر على توازنات القوى الإقليمية. ولذلك تشدد العواصم الخليجية على أن مضيق هرمز ممر دولي لا ينبغي أن يخضع لإرادة دولة واحدة، وأن أي ترتيبات أمنية أو تنظيمية يجب أن تكون جماعية وتستند إلى توافق جميع الدول المعنية بأمن الخليج.

وبيّن الدكتور وائل خليل ياسين أن روسيا تتبنى رؤية مختلفة نسبياً، حيث تعتبر أن تنامي الدور الإيراني في تأمين الملاحة يعكس صعود القوى الإقليمية وتراجع الاحتكار الغربي التقليدي للأمن البحري. وترى موسكو أن منح إيران دوراً أكبر لا يشكل بالضرورة تهديداً، بل يمثل انعكاساً لتحولات جيوسياسية جديدة، شريطة ألا يقود ذلك إلى مواجهات تعطل حركة التجارة العالمية أو تؤثر على استقرار أسواق الطاقة.

كما لفت الدكتور وائل خليل ياسين إلى أن الدول الأوروبية تتعامل مع هذه التطورات من منطلق قانوني، فهي ترى أن الإجراءات الإيرانية قد تكون مقبولة إذا اقتصرت على الجوانب الفنية والأمنية المرتبطة بسلامة الملاحة، لكنها ترفض أي محاولة لتغيير الوضع القانوني لمضيق هرمز أو فرض سيطرة أحادية عليه، مؤكدة تمسكها بمبدأ المرور الحر وفق قواعد القانون الدولي.

وانتقل الدكتور وائل خليل ياسين إلى تأثير هذه الإجراءات على التجارة العالمية، موضحا أن إيران تعتقد بأن تنظيم الملاحة سيؤدي إلى رفع مستوى الأمان وتقليل المخاطر البحرية، وهو ما سينعكس إيجاباً على استقرار التجارة الدولية. كما ترى طهران أن التهديد الحقيقي لحركة الملاحة لم يكن ناتجا عن الإجراءات التنظيمية، وإنما عن التوترات العسكرية والعقوبات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

في المقابل، أشار الدكتور وائل خليل ياسين إلى أن الكيان الصهيوني يخشى أن يؤدي تنامي الدور الإيراني إلى منح طهران قدرة أكبر على التأثير في أسواق الطاقة العالمية واستخدام المضيق كورقة ضغط سياسية، وهو ما قد يرفع تكاليف النقل البحري والتأمين ويزيد من احتمالات الاضطرابات الاقتصادية على المستوى الدولي.

وأضاف الدكتور وائل خليل ياسين أن الولايات المتحدة تشارك هذه المخاوف جزئيا، إذ ترى أن أي قيود إضافية على حركة السفن قد تخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، وترفع أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن، لذلك تركز واشنطن على ضمان استمرار انسيابية التجارة العالمية بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو أمنية أحادية.

وأوضح الدكتور وائل خليل ياسين أن الصين تنظر إلى الملف من زاوية أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، فإذا ساهمت الإجراءات الإيرانية في تحقيق الاستقرار فإنها ستكون موضع ترحيب، أما إذا أدت إلى تأخير السفن أو زيادة تكاليف النقل أو خلق حالة من عدم اليقين، فإن بكين ستعتبرها تهديداً مباشراً لمصالحها الاقتصادية.

وأشار الدكتور وائل خليل ياسين إلى أن دول الخليج تبدي قلقا من احتمال ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتأثر صادرات النفط والغاز، وهو ما قد ينعكس على اقتصادات المنطقة، ولذلك تؤكد ضرورة بقاء المضيق مفتوحاً وخاضعاً لترتيبات تضمن حياد الملاحة وعدم استخدامها كأداة للصراع السياسي.

وبيّن الدكتور وائل خليل ياسين أن روسيا ترى في استقرار الملاحة مصلحة مشتركة للاقتصاد العالمي، لكنها تعتقد في الوقت نفسه أن أي توترات في مضيق هرمز قد تزيد من الأهمية الاستراتيجية لأسواق الطاقة والدول المنتجة، بما فيها روسيا، مع تأكيدها أنها لا تفضل اضطرابات واسعة قد تقود إلى أزمات اقتصادية عالمية.

كما أكد الدكتور وائل خليل ياسين أن أوروبا تعتبر أي اضطراب في مضيق هرمز تهديداً مباشراً لأسعار الطاقة ومعدلات التضخم وتكاليف النقل، ولذلك تضع الحفاظ على انسيابية التجارة العالمية في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية.

وفي معرض حديثه عن بند “مذكرة إسلام آباد”، أوضح الدكتور وائل خليل ياسين أن إيران ترى في أي تفاهمات مع الولايات المتحدة اعترافا ضمنيا بمكانتها الإقليمية، وانتقالا من سياسة الاحتواء والمواجهة إلى سياسة إدارة المصالح والتوازنات، انطلاقاً من قناعتها بأن استقرار الخليج لا يمكن تحقيقه دون إشراكها باعتبارها لاعباً أساسياً في معادلات الأمن الإقليمي.

وأضاف الدكتور وائل خليل ياسين أن “إسرائيل” تنظر بقلق إلى أي تفاهم أمريكي-إيراني، خشية أن يمنح طهران شرعية سياسية ودوراً أوسع في المنطقة، وهو ما قد يضعف سياسة الضغوط والردع التي اعتمدتها واشنطن خلال السنوات الماضية.

وأشار الدكتور وائل خليل ياسين إلى أن الولايات المتحدة، إذا صحت هذه التفاهمات، فقد تنظر إليها باعتبارها وسيلة لإدارة الأزمات وتقليل احتمالات المواجهة العسكرية، وليس باعتبارها تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة مع إيران، إذ يبقى هدفها الأساسي الحفاظ على الاستقرار مع الإبقاء على نفوذها التقليدي في منطقة الخليج.

وأوضح الدكتور وائل خليل ياسين أن الصين ترحب بأي تفاهمات تسهم في خفض التوتر وضمان استمرار تدفق الطاقة، معتبرة أن الحلول الدبلوماسية أكثر استدامة من المواجهات العسكرية، فيما ترى دول الخليج أن أي ترتيبات أمنية يجب ألا تكون نتيجة تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران، بل ينبغي أن تقوم على مشاركة جميع دول المنطقة.

وأكد الدكتور وائل خليل ياسين تحليله بالإشارة إلى أن روسيا تعتبر أي تفاهم أمريكي-إيراني مؤشرا على تراجع سياسة المواجهة المباشرة وصعود نهج أكثر براغماتية في إدارة الأزمات، بينما ترحب أوروبا بأي تفاهمات تقلل احتمالات الحرب وتحافظ على استقرار أسواق الطاقة، شريطة أن تكون متعددة الأطراف ومنسجمة مع قواعد القانون الدولي، بما يضمن عدم إعادة رسم توازنات المنطقة عبر تفاهمات ثنائية على حساب التوافق الإقليمي والدولي.