الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

معادلة هرمز.. الصورة إيرانية والصوت أمريكي

Author
وحيد سيف الدين 08 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يبدو الصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية كمعركة تجري في المكان نفسه، لكن في زمنين مختلفين؛ أو كمشهد تبدو فيه الصورة غير مطابقة للصوت. ففي الوقت الذي تتحدث فيه طهران عن نتائج الحرب وترسم ملامح المرحلة التي تليها، تواصل واشنطن الدوران حول نقطة واحدة: كيف تعيد فتح مضيق هرمز، وكيف تخرج من الحرب دون أن تبدو كمن اضطر إلى التراجع على وقع هزيمة محققة لكنها غير معلنة؟.. وبين الموقفين، يستمر العالم في متابعة نتائج ما بعد الحرب كما جرت على أرض الواقع حتى الآن، وفق ما تشير إليه الصورة الإيرانية، ونتائج ما قبل الحرب (المحتملة) كما يُراد لها أن تجري مستقبلا، وفق ما يشير إليه الصوت الأمريكي.

هذا التباين يظهر بوضوح في تصريحات حرس الثورة الإيراني، الذي ربط إعادة فتح مضيق هرمز بضرورة قبول الولايات المتحدة الشروط الإيرانية بالكامل ووقف تدخلها في المفاوضات الإقليمية. وأكد المتحدث باسم حرس الثورة، العميد حسين محبي، أن المضيق يمثل عنصرا أساسيا من عناصر القوة الجغرافية والاستراتيجية لإيران، وأن قرار إعادة فتحه يخضع لآليات وشروط تحددها طهران، ولا يرتبط بالمفاوضات الجارية بين إيران وسلطنة عمان. وقال إن المضيق سيفتح بالتأكيد متى قبلت واشنطن الشروط الإيرانية.

ويؤكد هذا الموقف أن مضيق هرمز بات، بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أخطر ورقة قوة تملكها طهران، بعدما حوّلت موقعها الجغرافي إلى أداة تفاوضية مباشرة في أي ترتيبات مقبلة. وتقول إيران إنها تجري منذ شهرين محادثات مع سلطنة عمان بشأن إدارة مشتركة للملاحة في المضيق، باعتبارهما الدولتين المشاطئتين له، بينما ترفض إشراك أي طرف ثالث أو فتح ممر للملاحة من دون التنسيق معها. وبهذا الطرح، تريد طهران أن تبقى إدارة أمن المضيق والملاحة فيه ضمن إطار إقليمي، بعيدا عن أي صيغة تمنح واشنطن دورا مباشرا في تحديد شروطه.

ولا تتوقف الرسائل الإيرانية عند هرمز، بل تمتد إلى تصور أوسع للمرحلة التي تلي الحرب. فقد أكد مستشار قائد الثورة والجمهورية في إيران للشؤون السياسية والدولية، علي أكبر ولايتي، أن التطورات الأخيرة جاءت نتيجة صمود القوات المسلحة والشعب الإيراني وشجاعة جبهة المقاومة، معتبرا أن هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل رسخت الاعتقاد بضرورة طرد القوى الأجنبية من المنطقة، باعتبارها، وفق تعبيره، السبب الرئيسي لزعزعة الأمن فيها.

ويطرح ولايتي في المقابل تصورا يقوم على قدرة دول المنطقة على ضمان أمنها عبر تعزيز التعاون، بينما دعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي إلى الاعتماد على الذات والتمسك بما وصفه بالأخوة الحقيقية، مشددا على أهمية الوحدة بين المسلمين في مواجهة التحديات. وفي السياق نفسه، أكد مساعد وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي ضرورة توفير أمن الخليج والملاحة بالاعتماد على دول المنطقة.

وتحمل هذه التصريحات تصورا إيرانيا واضحا للمرحلة المقبلة: تقليص حضور القوى الأجنبية، وتعزيز دور دول المنطقة في إدارة أمنها وممراتها البحرية، ووضع مضيق هرمز ضمن ترتيبات إقليمية لا تحددها واشنطن. وتأتي أهمية المضيق من موقعه الاستراتيجي وصلته المباشرة بأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية، ما يمنح الجهة القادرة على التأثير في حركة الملاحة ورقة ذات وزن في أي تفاوض حول مستقبل المنطقة.

وتتبنى طهران في خطابها السياسي والإعلامي رواية تعتبر أن الولايات المتحدة ومعها “إسرائيل” فشلتا في تحقيق أهدافهما خلال الحرب. وشدد حرس الثورة على أن ما وصفه بفشل واشنطن والكيان الإسرائيلي في تحقيق مخططاتهما أظهر، وفق تقديره، مؤشرات جديدة على الانقسام داخل صفوف الحلفاء الغربيين وتراجع هيمنتهم.

وفي بيان بمناسبة اليوم الوطني للمراسل في إيران، ذهب حرس الثورة إلى أبعد من ذلك، متحدثا عن مؤشرات على مأزق استراتيجي للولايات المتحدة وإسرائيل واتساع الخلافات بين حلفائهما الغربيين. وقال إن وسائل إعلام عالمية تحدثت عن هزيمة ترامب ووقوعه في فخ صنعه بنفسه خلال الحرب على إيران، وربط بعض تلك الوسائل التفاهمات التي جرى التوصل إليها بالواقع الميداني والقدرة التفاوضية الإيرانية.

مضيق هرمز.. عقدة البحث عن مخرج

في المقابل، تكشف التحركات الأمريكية انشغالا هيستريا بإعادة فتح مضيق هرمز. ونقلت شبكة «CNN» عن مسؤول أمريكي أن تقدما أحرز بين إيران وسلطنة عمان قد يقود قريبا إلى اتفاق يسمح باستئناف حركة الشحن التجاري وعودة صادرات النفط التي تعطلت بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية.

وقال المسؤول إن واشنطن سترفع الحصار عن الموانئ الإيرانية بمجرد الإعلان عن اتفاق يضمن إعادة حركة الشحن التجاري دون عوائق، لكنه ربط استمرار الإجراءات الأمريكية بما يحدث ومدى وفاء إيران بالتزاماتها. ويضع هذا الموقف واشنطن أمام معادلة دقيقة: فهي تحتاج إلى إعادة حركة الملاحة والطاقة، لكنها تريد في الوقت نفسه الاحتفاظ بأدوات الضغط التي استخدمتها خلال الحرب وربط رفعها بشروط والتزامات إيرانية.

وسبق لإدارة ترامب أن تحدثت مرارا خلال الأسابيع الماضية عن قرب التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق، قبل أن تنفي إيران إجراء محادثات في هذا الشأن. ولم يتضح ما إذا كانت الجولة الأخيرة من المفاوضات المكثفة ستنتج ترتيبا مستداما، لكن مجرد تحول إعادة فتح هرمز إلى محور أساسي في الاتصالات يكشف حجم الضغوط التي فرضتها الأزمة على الحسابات الأمريكية والدولية.

وتتضح أهمية المضيق من موقعه في حركة الطاقة العالمية، إذ كان نحو برميل واحد من كل خمسة براميل نفط يستهلكها العالم يمر عبره قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير. وأدى اضطراب شحنات النفط إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتأجيج التضخم، ما جعل استمرار إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة فيه قضية تتجاوز حدود المواجهة الإيرانية الأمريكية إلى الأسواق العالمية.

وتزايدت التداعيات مع تعرض سفن للضربات في المضيق، بالتزامن مع تصاعد هجمات أنصار الله في اليمن على سفن عند نقطة اختناق أخرى بين البحر الأحمر وخليج عدن. وأعلنت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» أن 15 من سفنها تعرضت لضربات أثناء عبورها مضيق هرمز منذ بداية الصراع، ما أدى إلى مقتل أحد أفراد الطواقم وإصابة 20 آخرين.

واشنطن تبحث عن مخرج

في هذا السياق، تكشف المعلومات التي نقلتها شبكة «CNN» عن كبار القادة العسكريين الأمريكيين جانبا أكثر حساسية من الحسابات داخل واشنطن. فقد أفادت ثلاثة مصادر بأن كبار قادة الجيش الأمريكي يبحثون عن مخرج من الحرب على إيران يحفظ ماء الوجه بعد ستة أشهر من الصراع.

وبحسب الشبكة، أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية دان كين، خلال أحاديث خاصة مع كبار مستشاري الرئيس دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة تحتاج إلى إيجاد مخرج من الحرب، بسبب المخاطر المرتبطة بخيارات التصعيد العسكري، وعدم ترجيح أن تحقق القوة الجوية وحدها الأهداف التي أعلنها ترامب.

وتشير المعلومات نفسها إلى أن كين ناقش هذه المخاوف مع مسؤولين بارزين في الإدارة، بينهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ووزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس. كما أجرى محادثات جانبية مع بعض مستشاري ترامب بهدف تنسيق المواقف قبل الاجتماعات مع الرئيس، وتوضيح القيود والمخاطر المرتبطة بالخيارات العسكرية المتاحة، بما فيها الخيارات التي لا تتضمن نشر قوات برية أمريكية.

وهنا تظهر إحدى أكثر نقاط الضعف وضوحاً في الحسابات الأمريكية: ترامب يرفض نشر قوات برية في إيران، ويتمسك باعتقاده أن القصف الجوي يستطيع دفع طهران إلى قبول اتفاق بالشروط التي يريدها، بينما يرى دان كين وأعضاء آخرون في الإدارة أن هذا السيناريو مستبعد، ويبحثون عن خيارات أخرى تتوافق مع المعايير التي وضعها الرئيس. وبذلك لا تدور المعضلة داخل واشنطن حول كيفية مواصلة الحرب فقط، بل حول كيفية إنهائها أيضاً، في ظل غياب خيار عسكري سهل يضمن تحقيق الأهداف المعلنة.

وتزداد حساسية هذا الوضع بعد نحو ستة أشهر من صراع بدأ وسط مزاعم استمرت أسابيع حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، بينما لا يزال هدف منع طهران من حيازة سلاح نووي في صدارة المبررات التي يطرحها ترامب. وفي الوقت نفسه، تكشف المخاوف المنسوبة إلى أعلى مستوى في المؤسسة العسكرية الأمريكية أن استمرار الحرب لا يقدم طريقا واضحا إلى نهاية تحقق تلك الأهداف بالشروط التي حددها الرئيس.

ورفض جوزيف هولستيد، المتحدث باسم الجنرال دان كين، التعليق على المحادثات السرية التي يجريها رئيس هيئة الأركان مع الرئيس أو الوزير أو غيرهما من كبار المسؤولين، كما رفض التعليق على التوصيفات المنسوبة إلى مصادر مجهولة. ولا تلغي هذه التحفظات ما أوردته «CNN» عن النقاشات داخل الإدارة، لكنها تضع تلك المعلومات في إطار التسريبات المنسوبة إلى مصادر مطلعة، لا التصريحات الرسمية المباشرة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو طهران أكثر قدرة على فرض أسئلة المرحلة المقبلة من خلال أوراقها الجغرافية والسياسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بينما تواجه واشنطن مأزقا بين أهداف عسكرية لم تحسم الحرب وخيارات تصعيد يخشى قادتها أنفسهم من نتائجها. لذلك، فإن التعامل مع هرمز بمنطق القوة أو محاولة انتزاع ترتيباته تحت الضغط قد لا يفتح الطريق أمام واشنطن للخروج من أزمتها، بل قد يدفع المنطقة إلى جولة أخطر.