السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

معرض “سيبسا فلاحة”.. هل يتحول من فضاء تجاري إلى رافعة للسيادة الغذائية؟


في سياق يتجه فيه القطاع الفلاحي نحو البحث عن أدوات أكثر فاعلية لتعزيز الإنتاج الوطني ومواكبة التحولات التكنولوجية والمناخية، تبرز التظاهرات الكبرى المتخصصة كمنصات تجمع بين العرض المهني وتبادل الخبرات واستعراض أحدث الابتكارات.

وفي هذا الإطار، تحتضن الجزائر العاصمة الطبعة الـ24 للمعرض الدولي للفلاحة وتربية المواشي والصناعات التحويلية “سيبسا فلاحة”، من الـ18 إلى الـ21 ماي الجاري، بمشاركة واسعة تضم 850 عارضا من الجزائر و39 دولة.

وتأتي هذه الطبعة، المنظمة بقصر المعارض بالصنوبر البحري بالعاصمة، تحت شعار “تحديث الفلاحة، تعزيز السيادة الغذائية واستشراف المستقبل”، لتضع ملف الفلاحة في قلب النقاش حول سبل الانتقال نحو نموذج إنتاجي أكثر تنافسية واستدامة، خاصة مع حضور دول ضيفة شرف على غرار النيجر وموريتانيا ومصر.

وفي هذا السياق، يُطرح السؤال حول الكيفية التي يمكن بها، لمثل هذه التظاهرات الفلاحية الكبرى، أن تتحوّل من مجرد فضاءات عرض وترويج، إلى رافعة حقيقية لتعزيز ديناميكية الإنتاج الوطني ودعم التحوّل نحو فلاحة أكثر تنافسية واستدامة.

في هذا الصدد، أفاد الخبير في الزراعة والمخاطر الزراعية، حمزة مليك، بأن التظاهرات الفلاحية الكبرى، على غرار معرض “سيبسا فلاحة”، ورغم أهميتها المتزايدة من حيث التنظيم وعدد المشاركين، ما تزال في جوهرها تميل في الغالب إلى الطابع التجاري أكثر من كونها منصات استراتيجية حقيقية قادرة على إحداث تحوّل نوعي في القطاع الفلاحي.

ضرورة تجاوز الطابع التجاري نحو البعد الاستراتيجي

وأوضح مليك، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه المعارض، وإن كانت تشهد تطورا تدريجيا من حيث تنوع العارضين وارتفاع عدد المؤسسات الوطنية والأجنبية المشاركة، سنة بعد أخرى، إلا أنها لا تزال بعيدة عن الأدوار الجوهرية التي يُفترض أن تضطلع بها، والمتمثلة أساسا في الانتقال من مجرد فضاءات لعرض المنتجات والترويج التجاري، إلى فضاءات ديناميكية للابتكار وتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، بما يسمح بإحداث قيمة مضافة حقيقية في القطاع الزراعي.

وأشار محدثنا إلى أن البعد العلمي والبحثي داخل هذه التظاهرات يظل محدودا وضعيف الحضور، رغم أن الفلاحة الحديثة تقوم أساسا على الربط بين الإنتاج والمعرفة والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، لافتا إلى أن غياب هذا البعد يجعل هذه المعارض أقرب إلى واجهات تجارية منها إلى مختبرات مفتوحة للأفكار والحلول الزراعية الجديدة، خصوصا فيما يتعلق بتحسين السلالات، وتطوير تقنيات السقي، ورفع جودة الإنتاج وتعزيز الإنتاجية.

ونوّه مليك إلى أن أحد الجوانب التي ينبغي تعزيزها بشكل أكبر، يتمثل في الانفتاح الاستراتيجي على الفضاء الإفريقي، من خلال استقطاب فاعلين اقتصاديين ومتعاملين من مختلف الدول الإفريقية، عبر آليات دعوة منظمة ومباشرة، وليس الاكتفاء بالمشاركة الشكلية، مؤكدا أن هذه الخطوة من شأنها أن تفتح آفاقا واسعة أمام المنتوج الفلاحي الجزائري، وتُسهم في بناء شراكات حقيقية واتفاقيات تعاون وتصدير طويلة المدى.

وأضاف أن الدول الإفريقية تمثل سوقا واعدة وذات حاجة متزايدة للمنتجات الفلاحية والغذائية، ما يستدعي استثمار مثل هذه التظاهرات لتكون بوابة فعلية نحو القارة، وليس مجرد مناسبات عرض موسمية، مع ضرورة ربط العلاقات الاقتصادية بآليات متابعة بعدية تضمن تحويل اللقاءات إلى عقود وشراكات ملموسة.

كما أكد أن تعزيز البعد الدولي لهذه المعارض لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الكمي في عدد المشاركين، بل يجب أن يكون قائما على انتقاء نوعي دقيق للشركاء، خاصة من الدول المتقدمة، بما يسمح بنقل التكنولوجيا الزراعية الحديثة التي تتماشى مع خصوصية الجزائر المناخية والجغرافية، بدل استيراد نماذج غير قابلة للتطبيق أو غير ملائمة للواقع المحلي.

واعتبر الخبير في الزراعة أن الجزائر مطالبة، اليوم، باعتماد مقاربة أكثر انتقائية واستراتيجية فيما يتعلق بما يتم عرضه أو استقطابه داخل هذه التظاهرات، بحيث يتم التركيز على التقنيات التي تخدم الأمن الغذائي الوطني، وتدعم مسار الاكتفاء الذاتي، وترفع من قدرة القطاع الفلاحي على التكيّف مع التغيّرات المناخية والتحديات العالمية المتزايدة.

في السياق ذاته، أكد مليك أن التظاهرات الفلاحية الكبرى يجب أن تتحوّل إلى أدوات فعلية لدعم السيادة الغذائية، من خلال ربطها مباشرة بالسياسات العمومية في القطاع الفلاحي، وإدماج نتائجها في مسارات اتخاذ القرار، بما يضمن الانتقال من منطق العرض الظرفي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

أهمية اعتماد تقييم شامل ودوري بعد انتهاء كل طبعة

وذكر مليك، أيضا، أن غياب آلية تقييم دقيقة ومنهجية بعد انتهاء كل طبعة من هذه المعارض، يُعد من أبرز النقائص التي تحدّ من فعاليتها، مشددا على أن التقييم يجب أن يشمل حجم الصفقات، ونوعية الشراكات، ومستوى نقل التكنولوجيا، ومدى انعكاس التظاهرة على أرض الواقع في القطاع الفلاحي.

ولفت إلى أن اعتماد تقييم شامل ودوري من شأنه أن يسمح بتصحيح الاختلالات وتطوير الأداء في الدورات المقبلة، وجعل هذه المعارض أكثر نجاعة وارتباطا باحتياجات القطاع، بدل الاكتفاء بالجانب التنظيمي أو الإعلامي.

كما أكد على أن السنوات الأخيرة عرفت تناميا ملحوظا في تنظيم المعارض الاقتصادية والفلاحية في الجزائر، غير أن جزءا منها، بات يُنظم بدافع الربح التجاري أكثر من كونه مشروعا تنمويا متكاملا.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، دعا حمزة مليك إلى ضرورة إعادة النظر في فلسفة تنظيم هذه التظاهرات، وتوجيهها نحو أهداف استراتيجية واضحة، تجعل منها رافعة حقيقية لتطوير الفلاحة الجزائرية، وتعزيز الإنتاج الوطني، وترقية قدرات التصدير، بما ينسجم مع رهانات الأمن الغذائي في المستقبل.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي