الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

معركة المجتمعات الحديثة.. من حلم السيادة الرقمية إلى كابوس التبعية

X Facebook TikTok Instagram

 

إن الانخراط في المجتمع الالكتروني الذي رسمت خطوطه العريضة الشركات الدولية الكبرى (الإمبراطوريات الثمانية) التي وضعت يدها على المشهد المستقبلي للعالم، وهذا المشروع شرع في تنفيذه منذ الثمانينات من القرن الماضي، وقد حققت الدول الغربية الكثير من الخطوات العملاقة مما جعلها تنسجم مع الزمن الرقمي والتكيف مع الحياة التكنولوجية وطبعت تلك المجتمعات مع المنطق التكنولوجي، فأصبحت تسمى بالمجتمعات التكنولوجية، التي انتقلت إلى أزمنة جديدة من التاريخ، كونها سايرت منطق التراكم المعرفي الانساني.

ولكن الأهم من ذلك ما يمكن أن يكون مفتاحا لفهم واقع المجتمع التكنولوجي، وهي فلسفة الثورة التكنولوجية الاتصالية التي غيرت العديد من المفاهيم وبالذات (الزمن ــ المسافة ــــ الحجم ـــ العلاقة ـــ الكثافة)، وغيرها من المعاني والمفاهيم، مما يشكل الحلقة الثانية من التحول المعرفي الكوني، وهو نتيجة التغير المعرفي والثقافي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، أين احتكرت القوى الكبرى (ملف المعرفة وأدواتها)، وأصبحت تتحكم في نتائجها ومن يمكن أن يتحصل عليها بإرادة سابقة من طرف هؤلاء، وما لم تتوفر المعرفة الحقيقية التي تكون إضافة صحيحة للمسيرة الإنسانية، ولا يتوقع التفكير في المستقبل دون المساهمة الحقيقة في إنتاج المعرفة، التي تكون نابعة من الذات وتعمل على تقليص المسافة التاريخية بين الشعوب المنتجة للتكنولوجيات والمستهلكة لها.

إن موضوع التكنولوجية الاتصالية الحديثة يفتح أمامنا اليوم تلك الحقيقة الساطعة التي جربها العديد من الشعوب والدول، والقائلة بأنك لن تتمكن من النجاح في أي مشروع إذا كنت لا تتحكم في فكرته ولا تنتج أدواته، والكثير من الشعوب لم تستطع توفير الأمن بمختلف أنواعه ومستوياته لأنها لم تتمكن من التحكم في فكرة الأمن ولم تستطع الوصول إلى قدرة إنتاج وسائله وأدواته، وهو الأمر الذي ينطبق تماما مع الثورة التكنولوجية الاتصالية، فما بالك بكون الكثير من الشعوب لم تصل بعد إلى تعلم واستيعاب فكرة هذه الثورة ولم توفر تلك الدعائم المعرفية والثقافية التي تساعدها على فهم الفكرة واستيعاب فلسفتها، زيادة على عدم قدرتها على إنتاج أدواتها، ونحن نرى اليوم تلك السيطرة الرهيبة التي تمارسها القوى الكبرى على الشعوب الضعيفة فكريا وثقافيا، مما يجعل هذه الشعوب أقرب إلى مجرد أطفال ومراهقين يلعبون بأخطر الأدوات التكنولوجية، حتى أن بعض الفلاسفة الغرب يعتبرها مجرد نظام للتفاهة.

إن الرهان الأساسي لكسب الانخراط في المستقبل ليس الإمكانيات المادية والأجهزة ولكن الرهان يكمن في ووجود ما يمكن تسميتها (الذهنية التكنولوجية)، التي تكون قادرة على استيعاب وفهم معنى الثورة التكنولوجية الاتصالية، وعلاقتها بالحياة العامة، وهي الذهنية التي تأتي نتيجة الجهود التعليمية والتثقيفية التي يخوضوها المجتمع وفق خطط ومشاريع محددة الأهداف والتكاليف، وبالدقة التي يتطلبها العصر وتفرضها شروطها، وقد أثبتت التجارب أن المشاريع التي حملت شعارات (التعليم والتثقيف) في الكثير من الدول فشلت لأنها كانت مجرد خيارات عاطفية ومزاجية أنظمة سياسية طالما تلاعبت بهذه المشاريع ولم تحترم منطق العصر.

إن النتائج الكبيرة التي حققتها الثورة التكنولوجية الاتصالية أو ما يسمى (الرقمنة)، أو (الحكومة الالكترونية)، مكنت العديد من الدول من اختصار  سنوات طويلة والانتقال إلى المستقبل وجعلت اقتصادياتها تنتقل إلى المراحل التي تحقق التفوق والرفاهية لشعوبها ومكنت الحكومات من السيطرة والتأثير الدولي عبر الهيمنة التكنولوجية، وسهلت الكثير من الصعوبات التي تواجه المجتمعات، وضمنت للشعوب أريحية الخدمات واختصار الأوقات والوصول إلى السعادة، وهو المفهوم الذي لا يأخذ فقط معنى سطحي وإنما يشمل المعاني العميقة للحياة، وتندرج فيه الفئات الاجتماعية بمختلف مستوياتها وتوجهاتها وتطلعاتها.

إلا أن المشكلة الكبرى تكمن في ذلك الفخ الذي تقع فيه بعض المجتمعات ويكلفها الكثير من التكاليف والخسائر الباهظة، وبالذات عندما تشرع هذه المجتمعات في الانخراط العشوائي في الزمن التكنولوجي وتتصور نخبها إن الأمر يتعلق فقط بتوفير الأجهزة والإمكانيات المادية أو استيراد البرامج والأنظمة البرمجية، وإدراج المعطيات في الخزائن الالكترونية، ولكن تفتقد إلى الثقافة الالكترونية والذهنية التكنولوجية، التي تدعمها منظومات تعليمية معرفية تستند على الدعائم والأبعاد التكنولوجية، وهو ما يحتاج إلى زمن وجهد تاريخي يتضمنه مشروع مجتمع متكامل.

إن الرغبات والطموحات التي تعلنها الشعوب في لحظة من لحظات التاريخ، تكون على نوعين من المستويات فإما أن تكون نابعة من حاجتها الذاتية ومخازنها المجتمعية، نتيجة المنهج الذي تستند إليها والحدود التي تبلغها ديناميكيته المعرفية، وما توصله إليها المشاريع التي تعمل على تنفيذها، وإما أن تكون نتيجة تقليد الشعوب الأخرى ومحاولة التأقلم مع العصر الذي تعيشه والسعي إلى أن تكون مثل غيرها من الشعوب، في سياق ارتفاع التكاليف الباهظة التي تصبح غير قادرة على تحملها وتصلب العوائق التي تعيقها في السير الطبيعي في الحياة، لأن موضوع إدارة الشأن العام وقيادة الاتجاهات الاجتماعية أصبحت من اختصاص الخبراء وأهل المهارات الدقيقة، لأن الأمر يتعلق بمصير الإنسان وحياته التي لا توجد إلا مرة واحدة دون أن تتكرر.

من أخطر القرارات التي تتخذها الدول والمجتمعات هو قرار الانخراط في المستقبل، وفي هذا العصر يصبح هذا القرار يتطلب الكثير من التكاليف والإمكانيات الباهظة ليس بالمفهوم المادي العادي ولكن التكلفة المعنوية هي الأهم والأخطر والأكثر أهمية، كون الانخراط في المستقبل، يتطلب تغيير الذهنية الجماعية والتأسيس لبنية معرفية وثقافية تمت لأجيال كاملة، تمارس التجربة المعرفية ليس بمعنى مواجهة الأمية بمعناها التقليدي (عدم القدرة على القراءة والكتابة)، ولكن الأمية بالمعنى المعرفي والثقافي وهي الأمية الأخطر، كون هذه الأمية تعمل على توريط المجتمع في الأراجيف والأوهام والتصورات الخاطئة والدروب الوهمية، مما ينتج عنه النخب المغشوشة، التي تمارس قيادتها المغشوشة التي تورط المجتمع في التخلف المؤلم، الذي استمرأه البعض وأصبح نموذجا في السلوك والتصور والعمل اليومي.

تعتبر التكنولوجية الاتصالية الحديثة، من أفضل الأساليب والتقنيات المتوفرة حاليا لمواجهة الصعوبات والعراقيل التي تنتجها البيروقراطية التقليدية، التي توفر للنخب المتكلسة السيطرة على قدرات المجتمع وتعيقها على السير نحو إمكانيات التنمية والعيش الطبيعي، مما ينتج عنه تدمير قدرات المجتمع وتنشر في أوساط المجتمع اليأس والإحباط وضمور المبادرة واندثار الرغبة في العيش وتفشي السلوكيات والأخلاق السيئة والرذائل، مما يساعد في تشييد العوائق الكبرى بين المجتمع والمستقبل، وأهم العوائق المتصورة تتمثل في نشر الأوهام والأساطير التي يكون ظاهرها الانجاز وباطنها التقليد الأعمى والمسايرة الساذجة.

نحتاج في فترة التاريخية الحالية إلى ضرورة القيام بنقاش وطني واسع ومهم، يتناول الموضوع التكنولوجي ليس من ذلك المستوى الذي يرافع عبر جوائز تحصد هنا أو هناك من طرف كفاءات ومهارات معدودة، فالمجتمع يمتلك قدرات وخبرات ومهارات كثيرة، وليس من مستوى توفير الأجهزة والإمكانيات المادية، ولا من مستوى التباهي ببعض الخطوات البسيطة في فضاء محدود، وغيرها من المستويات التي لن يكون حصيلتها إلا خطوات تكاليفها الباهظة أكثر من نتائجها، مما يستوجب الأخذ بالمبادرة التاريخية والسعي إلى بناء منظومة معرفية وترميم البنية الثقافية، القادرة على استيعاب العصر وتفهم إمكانيات البلد وإدراك مخاطر عدم المسارعة الجادة للانخراط في التاريخ، وهي مسؤولية الجميع، التي يكون رهانها الأساسي هو الوعي الحقيقي بقوانين الكون.