الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

مع الأديب الجزائري “محمد السعيد الزاهري” في كتابه: الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير (الجزء الخامس)

Author
محمد ياسين رحمة 10 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

“الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” كتابٌ أصدره الشيخ العلاّمة الجزائري “محمد السعيد الزاهري” عام 1929 (1348 هـ) في مصر، وسرعان ما نفذت طبعته الأولى فأصدر طبعةً ثانيةً عام 1933 (1352 هـ) في دمشق. لاقى الكتابُ ثناءً جميلا في أقطار عربية عديدة، وكتبت عنه الصحف والمجلات مثل مجلة “المجمع العلمي العربي” في دمشق، وتُرجمت بعض فصول هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وتُرجم فصل واحد منها إلى لغة الملايو.

أورد “الزاهري” في مقدمة كتابه بأنّ الأديب والمفكر اللبناني الأمير “شكيب أرسلان” (1899 – 1946)، الذي اشتهر بلقب “أمير البيان”، راسله مُعبّرًا عن إعجابه وتثمينه للكتاب، قال: “وكان كاتب الدّهر عطوفة الأمير شكيب أرسلان كَتب إليّ يومئذ يقول لي إنه أُعجب بهذه الفصول كل الإعجاب، ويدعوني إلى المثابرة والمزيد، وقال إنه يرى أن أركان الأدب العربي في الجزائر اليوم هم أربعة: الزاهري وباديس والعقبي والميلي، فكتبتُ أنا إليه يومئذٍ أدُلّه على آخرين هم من نوابغ الأدب اليوم في هذه البلاد، ذكرتهم له بأسمائهم”.

وقال “الزاهري” أيضًا: “وكتب علّامة الجزائر الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فصلاً قيّمًا عن هذا الكتاب نشره في جزء شعبان 1350 من مجلة (الشهاب) التي تصدر تحت إشرافه في قسنطينة الجزائر، جاء فيه ما نصّه: عرفنا شاعر الجزائر الشيخ السعيد الزّاهري شاعرًا خنذيذًا، وعرفناه كاتبا رحب البيان بليغًا، وعرفناه في هذا الكتاب داعية إسلاميًّا كبيرا، وقد خاض مسألة الحجاب، والمرأة الجزائرية، ومسألة الإسلام والتغرّب والشبيبة المتعلمة، فأبان عن الحقائق وأقام من الحجج ما لا يلقاه أشدّ الخصوم – إذا أنصف – إلا بالإكبار والتسليم، وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة (الشبيه بالرّوائي) سهل جذاب، لا تستطيع إذا تناولت أوّله أن تتركه قبل أن تأتي على آخره”.

 كتاب “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”، في طبعته الأولى التي بين أيدينا، يشتمل على 76 صفحة، ويتألّف من سبعة فصول تحمل هذه العناوين: عائشة، الكتاب المُمزّق، صديقي عمّار، طلبة إفريقيا الشماليّة، في أحد متنزّهات وهران، حنين الإسبان إلى العرب، كيف يغوون شبابنا؟، وفصلٌ ختامي في نهاية الكتاب. وهذه الفصول جميعها هي في الأصل مقالات نشرها “الزاهري” في “الفتح”، وهي صحيفة إسلامية أسبوعية كان يصدرها “محب الدين الخطيب” (1886 – 1969)، وكانت تُعتبر “أهم صحيفة عربية تُعنى بنشر الآراء والأنباء عن العالم الإسلام” (كما ورد عن الصحيفة في كتاب الزاهري). وقد جمعها “الخطيب” واختار لها عنوان “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” وأصدرها في كتاب منفرد.

في مقدمة الطبعة الأولى، قال “الخطيب”: “وهذه فصول كتبها أخي في الدعوة، الأستاذ السيد محمد السعيد الزاهري الجزائري لتنشر في صحيفة الفتح، فرأيتها مثلاً صالحا للدعوة على الخير وما يجب أن يكون عليه الداعي من بصيرة وحكمة، لذلك استخرت الله عز وجلّ في إفرادها بهذا الكتاب عسى أن ينفع الله بها، وهو ولي التوفيق”.

ونُنبّه القارئ إلى أن “الحديقة”، وهي دورية غير مُنتظمة أصدرها “محب الدين الخطيب” ما بين (1922 – 1934)، قد نشرت مقالا لأديبنا “الزاهري”، في الأول سبتمبر 1930، بالعنوان نفسه الذي صدر به الكتاب أي “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”. كما ننبّه القارىء أن صحيفتي “الفتح” و”الحديقة” كانتا تنشران لأكابر الأدباء والمفكرين العرب آنذاك من أمثال: مصطفى صادق الرافعي، عباس محمود العقاد، شكيب أرسلان، إبراهيم عبد القادر المازني، وآخرين كثيرين.. ووجود “الزاهري” بين هذه الأسماء الكبيرة يدلّ على مكانته الفكرية والأدبية على خارطة الثقافة العربية آنذاك.

كتاب “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” تناوله كثيرٌ من الدّارسين والباحثين الجزائريين، واعتبروا أنه يندرج ضمن “المقال القصصي” أو “المقال الدعوي”.. وهناك من ذهب إلى أن “الزاهري” هو رائد القصة القصيرة في الجزائر. ونعتقد بأن هذا الكتاب يندرج ضمن أدب المذكّرات ذلك أن “الزاهري” وثّق لأحداث ومواقف عاشها بنفسه وقدّم تفاصيلها ثم استثمرها في سياق منهاجه الإصلاحي الدعوي الإسلامي..

وإذا أردنا أن نستوضح رأي “الزاهري” في فن القصّة الذي يستدعي الخيالَ و”الاختراع” الأدبي، فلنقف عند ما قاله لصديقه الصحافي الإسباني في مدينة “وهران”، قال “الزاهري”: “وذكرت له (الصديق الإسباني) أنني منذ أيام اجتمعت بالدكتور (جاك ساي)، العالم الفرنسي وأحد أطباء الحكومة في وهران، وتحادثنا عن الأدب العربي وعن قلّة القصص فيه، حتى أن الشعر العربي لم يتناول القصة بالمرّة، فقلت له: إن سبب ذلك هو أن الأدب العربي أدبٌ واقعي حقيقي أكثر ممّا هو خيالي. والذوق العربي نفسه يمجّ الخيال الذي لا يصوّر الحقيقية ولا الواقع. والقصة يضطر إليها الأدب الخيالي أكثر مما يضطر إليها الأدب العربي الذي أهم أغراضه أن يصف لك حقائق الحياة. فذكر الدكتور (ساي) أنه قرأ بحثًا لأحد العلماء المستشرقين يرى فيه مثل هذا الرأي ويقول: إن الشاعر العربي أصدق شعراء الدنيا وأطبعهم، وأكثرهم مطابقة للحقيقة والواقع. فإذا وصف لك خدًّا بأنه كالورد، فاعلم أن الأمر كذلك لا يتجاوزه ولا يعدوه”.

قد يتساءل القارئ: كيف يكون “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”، و”التبشير” كلمة تُستعمل – عادة – في الدعوة إلى المسيحية أو النصرانية، يبنما يُستعمل للإسلام مصطلحُ “الدعوة”؟ لستُ لغويًّا ولا فقيهًا، ولكنني مع أديبنا “الزاهري” بأنّ كلمة “التبشير” تليق بالإسلام، وارتباطها بالمسيحية مُغالطةٌ كبرى، لا سيما في فترات استعمار البلدان العربية حيث كان “التبشير” من الوسائل الاستعمارية. ذلك أن التبشير يكون – غالبا – لما فيه الخير للأفراد والمجتمعات، فلا أحد يُبشّر بالشرّ حتى في أدبيّاتنا الشعبية! ورسولنا الكريم، وكل الرّسل والأنبياء، بعثهم الله مُبشّرين ومُنذرين.. ومن هذا المنطلق فإن التبشير بالإسلام هو الأصدق والأحق بالقول والعمل على حدِّ السّواء.

من المُجدي أن نعرّف بالشيخ العلامة “محمد السعيد الزاهري” (1899 – 1956)، وسنختصر القول بأنه من روّاد الحكرة الإصلاحية في الجزائر، ومن أغزر الكُتّاب الجزائريين كتابةً في زمانه، حيث كان ينشر كتاباته في أكبر الدوريات العربية والجزائرية، إضافة إلى الدوريات التي أصدرها هو نفسه مثل جرائد: “الجزائر” عام 1925، البرق عام 1927، الوفاق عام 1937، المغرب العربي 1947.. وجرائد جزائرية أخرى كان مشاركًا فيها وتُعتبر رائدةً في مجال الإعلام الساخر ومنها “الجحيم” التي عرّفت نفسها بما كتبته على صفحتها الأولى: “جريدة حرّة مستقلة، يقوم بتحريرها نخبة من شبّان الزبانية. تتنفّس يوم الخميس من كل أسبوع، شعارها: العصا لمن عصى”. (قد نُبحر في الجحيم في أعداد قادمة من جريدة “الأيام نيوز”).

من بين كُتب “الزاهري” هذا الكتاب الذي تُقدّم جريدة “الأيام نيوز” مختارات منه إلى القارئ الكريم، اعتمادًا على طبعته الأولى التي بين أيدينا.. والغاية أن يطّلع القارئ على واحدٍ من أكبر أدباء الجزائر الذين كان لهم حضورٌ قويٌّ في الصحافة العربية، وكتابات تميّزت بالرصانة والعمق الفكري واللغة الأدبية الرائقة، كما كان له معاركه ضدّ عميد الأدب العربي “طه حسين” و”سلامة موسى” وآخرين، ومعاركه في الجزائر أيضًا من خلال كتاباته الساخرة.. وفيما يلي نترك القارئ مع “الزاهري” مُبشّرًا بالإسلام على طريقته المتميّزة الحكيمة..

طلبة إفريقيا الشمالية

في سنة 1919 تأسّسَت في عاصمة الجزائر جمعيةٌ إسلامية باسم “الجمعية الودادية لطلبة إفريقية الشمالية”، والغرض منها إعانة الطلبة المسلمين، الذين ما زالوا يتعلّمون في الجامعات الفرنسية بالجزائر وفرنسا، إعانة مادية وأدبية. أسّس الجمعيّةَ شبّانُ الجزائر المسلمون الذين حاولوا أن ينضمّوا إلى الجمعية الفرنسية التي أسّسها قبل ذلك الشبان الفرنسيون، واشترطوا في قانونها الأساسي ألّا يدخلها عليهم طالبٌ مسلم إلّا أن يَتفرنس. فكبُر على شباننا أن يروا هذه الجمعية مباحةً للطلبة الفرنسيين والإسبان واليهود وغيرهم ومحرّمةً على المسلمين، فأيقظ هذا التعصّب الأوروبي حميّةً إسلاميةً في صدور شباب الجزائر المسلمة فجعلوا لأنفسهم جمعيةً، كما لزملائهم جمعية، وقد أقبل الناس عليها إقبالا كثيرا، بعث فيها النشاط والحياة. وكان عدد الطلبة المسلمين قليلاً جدًّا في جامعة الجزائر، واليوم أصبح بفضل هذه الجمعية عددًا غير قليل… وهو في كل يوم يزكو ويزيد.

واطّلعتُ على قانون هذه الجمعية فإذا هو يحتفظ بما في الجزائر من قوميّة ودين، ويحتفظ بذلك احتفاظا شديدا. فرجوتُ أنا لهذه الجمعية المباركة أن تكون مسلمة خالصة لا شية فيها، تربّي شبابَ الجزائر وتعلّمهم الكتاب والحكمة وتزكّيهم وتنشر فيهم خُلق القرآن الكريم. ورجوتُ لها بعد أن تبشّر بالإسلام وتدعو إلى سبيل المؤمنين.

وكان أكثر هؤلاء الشبّان أصدقائي ومعارفي، فاجتمعتُ بكثيرٍ منهم وفاوضتهم في هذا الأمر، واقترحتُ عليهم أن يتّخذوا لجمعيتهم ناديًّا إسلاميًّا تُلقى فيه المحاضرات عن الإسلام وعن عظماء الإسلام، باللغة العربية وبالفرنسية… وقمتُ فيهم بمحادثات كثيرة، وألقيتُ عليهم عدّة محاضرات، حتى أقنعتهم بأن اتّخاذ هذا النادي الإسلامي أمرٌ واجب على هذه الجمعية مفروض لا بد منه.

وكُنّا قرّرنا كل شيء، وعيَّنوني مُحاضرًا بالعربية، على أن تُترجم محاضراتي كلها إلى الفرنسية. فاقترحت أنا عليهم أن يُعيّنوا الأستاذ الشيخ “عمر راسم” محاضرًا بالفرنسية، فإنه رجل من أبرِّ الناس بالإسلام ومن أكثرهم علمًا به، وأنا لست أعرف عن الإسلام أكثر مما يعرف الأستاذ “راسم”. وقد فسَّر الجزء الأول من القرآن الكريم تفسيرًا إذا أنت قرأته عرفتَ أن العلم موهبة يهبها الله من يشاء من عباده، وهو يُعدّ من قادة الفكر في الجزائر، جاهد في سبيل الجزائر المسلمة، وأُوذي في الله، ودخل السجن ولبث فيه سبع سنين. وهو أول رجلٍ في الجزائر (فيما نعلم) حارب التّفرنج والإلحاد بما كتبه بلغة القرآن، وبلغه الفرنسيس. فاستبشروا بهذا الاقتراح وكاد يتمّ كل شيء، ولكن الأشياء مرهونة بأوقاتها، فسافر من الجزائر بعضُ مَن كان الأمل معقودًا بهم في نجاح هذا المشروع، وسافرت أنا أيضا من غير أن أحادث الأستاذ الشيخ “عمر راسم” في هذا الموضوع.

وقد كاتبني اليوم بعض أولئك الأصدقاء في هذا الشأن، وطلب إليَّ (بعدما انتهى من الطلب والدراسة إلى الحياة العملية) أن أعيد عليه تلك المحادثات. وراجعني فيها وألحَّ في المراجعة، حتى ذكَّرني بأكثرها من بعد ما نسيت.

وفي الحق أن هذه المحادثات كانت كلّها نقضًا وتزييفًا لما في أيدي أعداء الإسلام من مطاعن ومُفتريات حتى استطاعوا أن يخدعوا بها كثيرًا من شباب الجزائر عن دينه الحق، لأنهم كانوا يُلبِّسون على أبنائنا الحقَّ بالباطل، ويخرجون لهم الكذب الحبريت – كذب حبريت: خالصٌ مُجَرَّد، لا يستره شيء – في صورة الواقع الذي لا ريب فيه، ويزعمون أن ما ينتهون إليه إنّما هو ثمرة البحث العلمي الذي لا يتعصّب ولا يُحابي! وأهم هذه المطاعن والمفتريات جاء في محاضرة حاضَرنا بها أحد هؤلاء الشبّان المغرورين في بهوٍ من أبهاء الجزائر التي أُعِدّت للاجتماعات والمحاضرات.

وخلاصة محادثاتي أنها جاءت في المحاضرة التي حاضرتهم بها جوابًا عن محاضرة ذلك الشاب المغرور في تلك الليلة وفي التي تليها.

قام صاحبنا فما حمدَ الله ولا أثنى عليه، بل حمدَ الحاضرين وأثنى عليهم، وفرح بي وشكر لي أن حضرتُ هذا الاجتماع الذي لا يحضره عادةً علماء الإسلام، يعني الفقهاء الذين ما زالوا يفضّلون البقاء في ظلمات الجمود! ثم قال: ومن جمود هؤلاء “الفقهاء” أيها السادة، أنهم يؤمنون إيمانا جازما أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب وذلك ليكون القرآن من عند الله لا من عمل محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونحن نعتقد أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) كان يقرأ ويدرس الكتب القديمة، ونعتقد أن القرآن كان من عمله هو، وما أنزل الله على بشرٍ من شيء.

ثم قال: وينبغي لنا أن ننبذ التعصّب الديني ظهريا، فلا نترك – تعصّبا – هذه الحضارة الغربية اللامعة، وما فيها من زُخرفٍ وزينة، إلى حضارة قديمة يُقال إنها كانت لآبائنا القدماء المسلمين. فلنتمسك بهذه الحضارة الغربية المُغرية، ثم إن وافقَت حضارةُ الإسلام القديمة فذلك ما كنا نبغي، وإن خالفتها فحاجتنا إلى حضارة عاجلة هي زينة الحياة الدنيا، لا إلى حضارة إسلامية غابرة نجهلها ولا نعرفها.

ثم تكلَّم عن حركة التجديد المتحرك في مصر وفي بلاد الشرق، وتمنَّى لها أن ينتصر السُّفور فيها على الحجاب، ثم استنهض إلى تحرير المسلمة الجزائرية حتى تكون كالمرأة الفرنسية حريةً وسفورًا. وأخيرًا طلب إليَّ أن أقول كلمتي في هذا الأمر، وكان يحسبُني سأصادق على ما قال. ولكني نهضتُ فنقضتُ أقاويله هذه نقضًا حتى لم أُبق منها على شيء، وحتى اقتنع الناس ببُطلان تلك المفتريات، بل هو نفسه قد اقتنع وسلّم تسليما.