الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

مع الأديب الجزائري “محمد السعيد الزاهري” في كتابه: الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير (الجزء الرابع)

Author
محمد ياسين رحمة 09 يونيو 2025
X Facebook TikTok Instagram

“الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” كتابٌ أصدره الشيخ العلاّمة الجزائري “محمد السعيد الزاهري” عام 1929 (1348 هـ) في مصر، وسرعان ما نفذت طبعته الأولى فأصدر طبعةً ثانيةً عام 1933 (1352 هـ) في دمشق. لاقى الكتابُ ثناءً جميلا في أقطار عربية عديدة، وكتبت عنه الصحف والمجلات مثل مجلة “المجمع العلمي العربي” في دمشق، وتُرجمت بعض فصول هذا الكتاب إلى اللغة الفرنسية، وتُرجم فصل واحد منها إلى لغة الملايو.

أورد “الزاهري” في مقدمة كتابه بأنّ الأديب والمفكر اللبناني الأمير “شكيب أرسلان” (1899 – 1946)، الذي اشتهر بلقب “أمير البيان”، راسله مُعبّرًا عن إعجابه وتثمينه للكتاب، قال: “وكان كاتب الدّهر عطوفة الأمير شكيب أرسلان كَتب إليّ يومئذ يقول لي إنه أُعجب بهذه الفصول كل الإعجاب، ويدعوني إلى المثابرة والمزيد، وقال إنه يرى أن أركان الأدب العربي في الجزائر اليوم هم أربعة: الزاهري وباديس والعقبي والميلي، فكتبتُ أنا إليه يومئذٍ أدُلّه على آخرين هم من نوابغ الأدب اليوم في هذه البلاد، ذكرتهم له بأسمائهم”.

وقال “الزاهري” أيضًا: “وكتب علّامة الجزائر الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحميد بن باديس، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فصلاً قيّمًا عن هذا الكتاب نشره في جزء شعبان 1350 من مجلة (الشهاب) التي تصدر تحت إشرافه في قسنطينة الجزائر، جاء فيه ما نصّه: عرفنا شاعر الجزائر الشيخ السعيد الزّاهري شاعرًا خنذيذًا، وعرفناه كاتبا رحب البيان بليغًا، وعرفناه في هذا الكتاب داعية إسلاميًّا كبيرا، وقد خاض مسألة الحجاب، والمرأة الجزائرية، ومسألة الإسلام والتغرّب والشبيبة المتعلمة، فأبان عن الحقائق وأقام من الحجج ما لا يلقاه أشدّ الخصوم – إذا أنصف – إلا بالإكبار والتسليم، وساق ذلك كله في أسلوب من البلاغة (الشبيه بالرّوائي) سهل جذاب، لا تستطيع إذا تناولت أوّله أن تتركه قبل أن تأتي على آخره”.

 كتاب “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”، في طبعته الأولى التي بين أيدينا، يشتمل على 76 صفحة، ويتألّف من سبعة فصول تحمل هذه العناوين: عائشة، الكتاب المُمزّق، صديقي عمّار، طلبة إفريقيا الشماليّة، في أحد متنزّهات وهران، حنين الإسبان إلى العرب، كيف يغوون شبابنا؟، وفصلٌ ختامي في نهاية الكتاب. وهذه الفصول جميعها هي في الأصل مقالات نشرها “الزاهري” في “الفتح”، وهي صحيفة إسلامية أسبوعية كان يصدرها “محب الدين الخطيب” (1886 – 1969)، وكانت تُعتبر “أهم صحيفة عربية تُعنى بنشر الآراء والأنباء عن العالم الإسلام” (كما ورد عن الصحيفة في كتاب الزاهري). وقد جمعها “الخطيب” واختار لها عنوان “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” وأصدرها في كتاب منفرد.

في مقدمة الطبعة الأولى، قال “الخطيب”: “وهذه فصول كتبها أخي في الدعوة، الأستاذ السيد محمد السعيد الزاهري الجزائري لتنشر في صحيفة الفتح، فرأيتها مثلاً صالحا للدعوة على الخير وما يجب أن يكون عليه الداعي من بصيرة وحكمة، لذلك استخرت الله عز وجلّ في إفرادها بهذا الكتاب عسى أن ينفع الله بها، وهو ولي التوفيق”.

ونُنبّه القارئ إلى أن “الحديقة”، وهي دورية غير مُنتظمة أصدرها “محب الدين الخطيب” ما بين (1922 – 1934)، قد نشرت مقالا لأديبنا “الزاهري”، في الأول سبتمبر 1930، بالعنوان نفسه الذي صدر به الكتاب أي “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”. كما ننبّه القارىء أن صحيفتي “الفتح” و”الحديقة” كانتا تنشران لأكابر الأدباء والمفكرين العرب آنذاك من أمثال: مصطفى صادق الرافعي، عباس محمود العقاد، شكيب أرسلان، إبراهيم عبد القادر المازني، وآخرين كثيرين.. ووجود “الزاهري” بين هذه الأسماء الكبيرة يدلّ على مكانته الفكرية والأدبية على خارطة الثقافة العربية آنذاك.

كتاب “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير” تناوله كثيرٌ من الدّارسين والباحثين الجزائريين، واعتبروا أنه يندرج ضمن “المقال القصصي” أو “المقال الدعوي”.. وهناك من ذهب إلى أن “الزاهري” هو رائد القصة القصيرة في الجزائر. ونعتقد بأن هذا الكتاب يندرج ضمن أدب المذكّرات ذلك أن “الزاهري” وثّق لأحداث ومواقف عاشها بنفسه وقدّم تفاصيلها ثم استثمرها في سياق منهاجه الإصلاحي الدعوي الإسلامي..

وإذا أردنا أن نستوضح رأي “الزاهري” في فن القصّة الذي يستدعي الخيالَ و”الاختراع” الأدبي، فلنقف عند ما قاله لصديقه الصحافي الإسباني في مدينة “وهران”، قال “الزاهري”: “وذكرت له (الصديق الإسباني) أنني منذ أيام اجتمعت بالدكتور (جاك ساي)، العالم الفرنسي وأحد أطباء الحكومة في وهران، وتحادثنا عن الأدب العربي وعن قلّة القصص فيه، حتى أن الشعر العربي لم يتناول القصة بالمرّة، فقلت له: إن سبب ذلك هو أن الأدب العربي أدبٌ واقعي حقيقي أكثر ممّا هو خيالي. والذوق العربي نفسه يمجّ الخيال الذي لا يصوّر الحقيقية ولا الواقع. والقصة يضطر إليها الأدب الخيالي أكثر مما يضطر إليها الأدب العربي الذي أهم أغراضه أن يصف لك حقائق الحياة. فذكر الدكتور (ساي) أنه قرأ بحثًا لأحد العلماء المستشرقين يرى فيه مثل هذا الرأي ويقول: إن الشاعر العربي أصدق شعراء الدنيا وأطبعهم، وأكثرهم مطابقة للحقيقة والواقع. فإذا وصف لك خدًّا بأنه كالورد، فاعلم أن الأمر كذلك لا يتجاوزه ولا يعدوه”.

قد يتساءل القارئ: كيف يكون “الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير”، و”التبشير” كلمة تُستعمل – عادة – في الدعوة إلى المسيحية أو النصرانية، يبنما يُستعمل للإسلام مصطلحُ “الدعوة”؟ لستُ لغويًّا ولا فقيهًا، ولكنني مع أديبنا “الزاهري” بأنّ كلمة “التبشير” تليق بالإسلام، وارتباطها بالمسيحية مُغالطةٌ كبرى، لا سيما في فترات استعمار البلدان العربية حيث كان “التبشير” من الوسائل الاستعمارية. ذلك أن التبشير يكون – غالبا – لما فيه الخير للأفراد والمجتمعات، فلا أحد يُبشّر بالشرّ حتى في أدبيّاتنا الشعبية! ورسولنا الكريم، وكل الرّسل والأنبياء، بعثهم الله مُبشّرين ومُنذرين.. ومن هذا المنطلق فإن التبشير بالإسلام هو الأصدق والأحق بالقول والعمل على حدِّ السّواء.

من المُجدي أن نعرّف بالشيخ العلامة “محمد السعيد الزاهري” (1899 – 1956)، وسنختصر القول بأنه من روّاد الحكرة الإصلاحية في الجزائر، ومن أغزر الكُتّاب الجزائريين كتابةً في زمانه، حيث كان ينشر كتاباته في أكبر الدوريات العربية والجزائرية، إضافة إلى الدوريات التي أصدرها هو نفسه مثل جرائد: “الجزائر” عام 1925، البرق عام 1927، الوفاق عام 1937، المغرب العربي 1947.. وجرائد جزائرية أخرى كان مشاركًا فيها وتُعتبر رائدةً في مجال الإعلام الساخر ومنها “الجحيم” التي عرّفت نفسها بما كتبته على صفحتها الأولى: “جريدة حرّة مستقلة، يقوم بتحريرها نخبة من شبّان الزبانية. تتنفّس يوم الخميس من كل أسبوع، شعارها: العصا لمن عصى”. (قد نُبحر في الجحيم في أعداد قادمة من جريدة “الأيام نيوز”).

من بين كُتب “الزاهري” هذا الكتاب الذي تُقدّم جريدة “الأيام نيوز” مختارات منه إلى القارئ الكريم، اعتمادًا على طبعته الأولى التي بين أيدينا.. والغاية أن يطّلع القارئ على واحدٍ من أكبر أدباء الجزائر الذين كان لهم حضورٌ قويٌّ في الصحافة العربية، وكتابات تميّزت بالرصانة والعمق الفكري واللغة الأدبية الرائقة، كما كان له معاركه ضدّ عميد الأدب العربي “طه حسين” و”سلامة موسى” وآخرين، ومعاركه في الجزائر أيضًا من خلال كتاباته الساخرة.. وفيما يلي نترك القارئ مع “الزاهري” مُبشّرًا بالإسلام على طريقته المتميّزة الحكيمة..

مع أديب إسباني في مدينة “وهران”

اجتمعت ذات يوم من أيام الصيف في العام الماضي – عند طبيب من أطباء العيون في مدينة “وهران” – بأحد الصحفيين الإسبان، وتعارفنا هنالك، وما هو إلا أن انصرفنا من عند الطبيب حتى ركبنا سيارة أجرى إلى “روزفيل”، أحسن متنزّهات “وهران” الصيفية وأجملها منظرًا وخلاء. وانتبذنا هنالك على ساحل البحر مكانًا قصيًّا، وقضيناها ثمّة عشية ألذّ ما تكون أُنسًا وصفاء، وأحسن ما تكون سمرًا وحديثا.

وكان رفيقي الإسباني أديبًا شاعرًا باللغة الإسبانية، فذكرنا البحر، وأقوال الشعراء فيه. فأنشدنا من أشعار الإسبان في وصف البحر ما هو حسن مقبول لا بأس به، وما فيه نبوغ وإبداع حتى تكاد تحسبه عربيًّا مبينا. وطلب إليَّ صاحبي أن أنشده شيئًا من أشعار العرب في هذا الموضوع، فخانتني ذاكرتي ولم يحضرني شيء من أقوال شعرائنا في وصف البحر. غير أنّي تذكّرتُ أن عشيّة مثل هذه العشية كانت قد اتّفقت لي في الجزائر (العاصمة) وأن منظرها كان مثل هذا المنظر تماما. وتذكرتُ أني كنت وصفتُ منظر البحر في تلك العشية، بقصيدة أقول فيها:

ما كان أشهاها إليّ عشية — أمسيتها بجوانب “البلفار”

والبحر يكتنف الجزائر كالهلال — مُقوّسًا أو مثل عطف سوار

والريح فوق الماء تكتب أسطرًا — ما كان أجملهن من أسطار

كتبَت سطورَ الاعتبار لمن تدبّـ — برها، وموعظةً لذي استبصار

قد يقرأ الناس الكتابة، وهي لم — تك من براعة كاتب أو قاري

ولقد يكون البحر رهوًا هادئا — إلا حراك تبعثر وعثار

فكأنه قفز الفلا: مرت به — غنم فلم تترك سوى الآثار

أو أنه رمل بقاعٍ صفصف — جادته بالأحجار سود سواري

والموج كالثعبان يهجم بالسّوا — حل هائجا، لكن على الأحجار

وحجارة فوق العباب نواتئٌ — كخيام حيذٍ، خيّمت بقفار

وفقاقع تبدو ككتان بنا — ئقه منتشرة على الأشجار

وما انتهيت من إنشادي إلى هنا حتى كاد رفيقي يطير فرحًا وإعجابا بهذا الشعر، وأخذه مني على نيّة أن يترجمه إلى لغة الإسبان، وتفضّل فأثنى على شعراء العرب ثناءً، لا يحصى وسألني فجأة:

– ما هو الكتاب العربي الذي كان له أثر بليغ عميق في تكوين أدبك وشاعريتك؟

– فقلت له: القرآن الكريم.

– فقال: القرآن؟ إنه كتاب ديني.

– فقلت: نعم، إنه كتاب ديني، وإنه في لغة العرب معجزة الفصاحة وسحر البيان.

وذكرتُ له أنني منذ أيام اجتمعت بالدكتور “جاك ساي”، العالم الفرنسي وأحد أطبّاء الحكومة في “وهران”، وتحادثنا عن الأدب العربي وعن قلّة القصص فيه، حتى أن الشعر العربي لم يتناول القصة بالمرة، فقلت له: إن سبب ذلك هو أن الأدبَ العربي أدبٌ واقعي حقيقي أكثر مما هو خيالي. والذوق العربي نفسه يمجّ الخيال الذي لا يصوّر الحقيقية ولا الواقع. والقصة يضطر إليها الأدب الخيالي أكثر ممّا يضطر إليها الأدب العربي الذي أهم أغراضه أن يصف لك حقائق الحياة.

فذكر الدكتور “ساي” أنه قرأ بحثًا لأحد العلماء المستشرقين يرى فيه مثل هذا الرأي ويقول: “إن الشاعر العربي أصدق شعراء الدنيا وأطبعهم، وأكثرهم مطابقة للحقيقة والواقع. فإذا وصف لك خدًّا بأنه كالورد، فاعلم أن الأمر كذلك لا يتجاوزه ولا يعدوه”.

فقاطعني رفيقي الإسباني وقال: “وكذلك الشعر الذي قرأته الساعة في وصف البحر، هو مطابق للواقع تمامًا، ولا سيما في نظر الذين يعرفون الصحراء وخيامها وآثار الغنم فيها”.

وعدتُ إلى حكاية حديثي مع الدكتور “ساي”، فقلت: وأفضى بنا الحديث إلى القرآن الكريم ومكانته في الأدب العربي، فذكرت للدكتور شيئًا كثيرًا مما كنت قرأته في كتاب “إعجاز القرآن” للأستاذ “الرافعي”، فسمع لي الدكتور، وأصغى إليّ مغتبطًا مسرورًا.

ثم قلت له: أمّا أنا فإن القرآن هو الذي كوّن لي فكرة مستقلة، وهو الذي ربّى فيّ ملكة التمييز التي أميّز بها الخبيث من الطيب، والقبيح من الحسن، والباطل من الصحيح. وأشهد أني كنت أقرأ كتابًا من كتب الأدب فيجذبني إليه، وأقرأ كتابًا آخر ضد الأول في الفكرة والأسلوب فيجذبني إليه أيضا، وكنت أحسّ بعقلي يذبذب بين الكتابين كالكرة التي تضطرب بين اللاعبين، لا يستقرّ لها قرار، حتى رجعت إلى القرآن فثبتَ عقلي بعدما كان يرجف، واستقل استقلالاً تاما، واتخذ سبيله في الأدب وغير الأدب واضحًا مستقيما، وأصبح يحكم على الأشياء بعدما يعقلها ويفهمها فهمًا صحيحًا لا ذبذبة فيه ولا اضطراب. وأصبحت أقرأ الكتاب من كُتب الأدب فأعرف فيه الحق من الباطل، والزائف من الصواب، فأسلّم له الرأي الصائب، وأردّ عليه القول الزائف، ولا أدع صاحب الكتاب يتكلم وحده. (فضحك الدكتور إعجابا بهذه الكلمة).

ثم قلت: وما وجدتُ كتابًا يصف النفس البشرية بما فيها من خيرٍ وشرٍّ، ويصف هذا المجتمع الإنساني بما فيه من حسنات وسيّئات مثلما يصفهما القرآن الحكيم. واستشهدت بآيات كريمة على صحة هذا القول.

ثم قلت لرفيقي الإسباني: وهنا قال: قد كنت لا أعرف شيئًا عن الأدب العربي، ولا أعرف هذا القرآن. وكنت مُعجبًا بالحكيم “ديكارت” والعلّامة “باسكال”، ولا أكاد أعجب بشيءٍ سواهما، غير أني صرت الآن شديد الإعجاب بهذه الفلسفة الاجتماعية التي يصفها القرآن، وإني لا بد سأشتري في القريب العاجل مصحفا كريما، وطائفة من التراجم والتفاسير أستعين بها على فهم القرآن.

فقلت له: ولا تنس يا دكتور أن القرآن لا يُترجم.

قال: ولماذا؟

قلت: ما من ترجمة للقرآن إلا وفيها من الأغلاط السخيفة المضحكة ما لا يُعدّ ولا يحصى. فترجمة فرنسية طبعتها الحكومة على نفقتها وتُعتبر رسمية ترجمت قوله تعالى: {القارعة ما القارعة} بقولها: (القرعة ما القرعة!) وغير ذلك من المضحكات.

وأذكر أن وزارة الخارجية بباريس أدركت قُصور هذه التّراجم وفسادها، فندبَت عالمًا فرنسيًّا – نسيتُ اسمه – وكلّفته بوضع ترجمة للقرآن الكريم تكون غاية في المطابقة والإتقان. وباشر هو عمله هذا، واستعان عليه بأعوان آخرين. أكبَّ على ذلك أمدًا طويلا، ثم أخرج ترجمة لسورة الفاتحة ولآيات من سورة البقرة وقدّمها بمقدمة قال فيها: “لأجل أن نفهم القرآن يجب علينا أن نقرأه في اللغة العربية نفسها، لأنه لا يمكن أن يُترجم بحالٍ. وأسباب ذلك كثيرة ولكنها ترجع في أهميتها إلى سببين اثنين:

أحدهما: في طبيعة اللغة الفرنسية، والآخر في طبيعة اللغة العربية.

فأمّا الأول فهو أن اللغة الفرنسية لم تكن في يوم من أيام حياتها لغة دينية لا في “ذوقها” ولا في فصاحة أساليبها، والقرآن كتاب دين. ولو أن الله أنزل كتابًا دينيًّا فرنسيًّا يكون المثل الأعلى للفصاحة في اللغة الفرنسية كما كان القرآن المثل الأعلى للفصاحة العربية لوسعنا إذًا أن نقول: إن ترجمة القرآن ترجمة صحيحة مطابقة وان كانت عسيرة فهي ممكنة على كل حال.

وأما السبب الثاني فهو أن اللغة العربية – ولا سيما في القرآن – غنّة (أو نغمة موسيقية) يُؤدّى بها كثير من المعاني الرائعة الجميلة التي ربما كانت سببًا في أكثر ما في أسلوب القرآن من بلاغة وإعجاز. وهذه الغنّة لا تمكن ترجمتها أبداً..”

فقال الدكتور “ساي”: هذا كلام صواب لا غبار عليه، وأمرٌ واقع لا ريب فيه، وحقٌّ أن هذا القرآن كتاب عظيم، ولا ينبغي لأحدٍ أن يتركه دون أن يدرسه. ولقد أغراني حديثك هذا بالقرآن وشوّقني إليه، وسأدرس القرآن وأتدبّره وأحسبه سيغيّر كثيرًا من أفكاري وآرائي في الفلسفة والأدب والاجتماع.

وقال: إني أتعجّب من هؤلاء الغربيين الذين ملأوا الدنيا بأقوالهم عن القرآن، كيف أعماهم – مع ذلك – التعصّب المسيحي أو اللاديني ومنعهم من أن يتفقّهوا بما في القرآن من هدى وحكمة. وأرى أن حتما واجبًا على المسلمين أن يبشّروا البشرية كلها بهذا القرآن الذي هو كتاب الإنسانية كلها. وأرى أن في المسلمين كفاءة تامّة للقيام ببيان تعاليم الإسلام ونشرها بين الناس جميعا.

وما وصلت من حكاية حديثي إلى هنا حتى قال رفيقي الإسباني: لقد صدق الدكتور “ساي” هذا، وإني أيضًا سأشتري مصحفًا كريمًا، وأشتري طائفة من التراجم والتفاسير لأقتبس من نور القرآن الكريم، وقد صرت من الآن أحبّه وأميل إليه.

ثم قال (الإسباني): ولكن أخبرني عن أدباء العربية في هذا العصر، فهل هم كلهم ينظرون إلى القرآن بمثل العين التي تنظر بها أنت إليه، ويرونه في الأدب العربي بمكان الروح من الجسد ويعرفون بأنه هو مفخرة الفصاحة وسحر البيان؟

فقلت له: إن أدباء العربية اليوم ينظرون إلى القرآن بعين أنا قاصرٌ أن أنظر إليه بها، ومِن أدباء النصارى العرب مَن لا يتردّد في اعتقاد هذه المنزلة للقرآن. ولكن ناسًا آخرين من أدبائنا، قد تأدّبوا بأدبٍ غير عربي وتثقّفوا بثقافة لا إسلامية ولا شرقية، فأحدثوا جلبة في الصُّحف والمجلات، وثاروا على كل شيءٍ شرقي قديم أدبًا كان أو غير أدب، وسمّوا أنفسهم “مُجدّدين” “وأنصار الجديد”، وهؤلاء قد يمنعهم تعصّبهم أو جهلهم عن النظر في القرآن وقد لا يعرفون ما فيه من الإعجاز. هم ينكرون على الشرق كل ما فيه من شيء قديم، والقرآن “القديم” هو المقصود بالذات من هذا الإنكار. وقد أمعنوا في هذا الإنكار وفي هذا الجحود، حتى أنهم لَيكادون ينكرون على الشرق أنه هو مطلع الشمس المشرقة المنيرة.

على أن زعامة الأدب اليوم هي والحمد لله في أيدي الأدباء الراشدين، مثل الأديب الكبير السيد “مصطفى صادق الرافعي”، وكاتب الشرق الأكبر الأمير “شكيب”، وأمير الشعراء الأستاذ “شوقي بك”، والصحفي المجاهد السيد “مُحبّ الدين الخطيب” صاحب (الزهراء) و(الفتح)، ومن إلى هؤلاء الهادين المهتدين.

وعلى كل حال فإنّ هؤلاء المُجدّدين قد زادوا في ثروة اللغة العربية فنقلوا إليها كثيرًا ممّا كان يحسن بأدبائنا أن يقرؤوه في لغات أجنبية.

ولولا هؤلاء المجدّدون لما رأينا هذه الكتب القيّمة الخالدة التي ألّفها أنصار الحق في الدعاية إلى القرآن الكريم، وإلى ما في الشرق من أدب وجمال.

إن بعض هؤلاء المُجدّدين في مصر ينادون جهرةً بوجوب إحياء الأدب الفرعوني القديم وأدب الإغريق القديم واتخاذ أدب محلي في مصر ليستغنوا بذلك عن الأدب العربي، وفي الحق أن هذا ليس خدمةً لمصر، وإنما هو إسقاط لزعامة مصر على العرب كلها وعلى شعوب الإسلام قاطبة. فإن المسلمين وسائر العرب يرون في مصر إمامًا لهم في الأدب العربي والثقافة الإسلامية، لا في أدب الفراعنة ولا في أدب الإغريق ولا في أدب محلي في مصر حديث.

رابط دائم
https://elayem.news/y7jsw