الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

مغامرة دار البرزخ.. الشغف والمقاومة

Author
أبوبكر زمّال 20 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في مكتب يقع في أعالي العاصمة، تدب حركة ناعمة لا تثير الجلبة ولا الصخب. مكتب يتربع على مساحة تقارب المئة متر مربع، مؤثث بطراز يجمع بين البساطة والهدوء وألوان تريح العين. أول ما يصادفك على أحد جدرانه صورة كبيرة للشاعر الراحل محمود درويش، ستشعر أنك تدخل إلى مكان غير عادي، بالأحرى صوفي، حيث تتجول الأرواح والنفوس الغابرة.

غير أنها أرواح أخرى بعثها سفيان حجاج وسلمى هلال من حيز البرزخ المترنح بين عالمين، إلى حيز الحضور الأقوى والأسمى في ذاكرة الكتابة والنص. نشرا صحائفها منذ أكثر من 25 سنة وألقيا بها في أتون مشهد ثقافي مضطرب، غامرا منذ عادا من فرنسا إلى الجزائر، وأسسا دار نشر أصبحت فارقة، وعلامة ورمز حقيقي لمعنى المقاومة الثقافية والفكرية والفنية المضمخة بالإيمان والثقة في أن ما يفعلانه هو عين الحياة التي تقفز من عالم البرزخ، والذي سميا الدار به.

حياة هي الآن جامعة لألمع الأسماء في الرواية والشعر والقصص والتاريخ وغيرها من فنون الكتابة. جيل يكتب بفرنسية أخرى متحررة من الإرث الكولونيالي، منفتحة على الحرية والحوار بين الثقافات، وجيل يكتب بعربية آسرة بحداثتها ولغتها السلسة المتفككة من عصمة التقليد والتكرار.

حملا طموحات ثقافية صعبة في فترة الإرهاب بالجزائر، حيث كان العمل الثقافي مغامرة محفوفة بالمخاطر وكاد يبدو مستحيلا في ذلك السياق.

كسر الزوجان سفيان حجاج وسلمى هلال قاعدة الأسرة التقليدية والمكتفية بقدر من المسؤولية المرتبطة بشؤون الحياة اليومية في الجزائر: عمل، أولاد، مصاريف، تعليم ووو… حيث يندر أن تعثر على عائلة تتوافق على حياة أخرى خارج هذا السياق. زوج يتحمل مسؤولية الإعانة، وزوجة إن قدر لها أن تعمل ستتقاسم معه الأعباء، ولكن أن يفكر زوجان في اقتحام عالم النشر والخوض في معمعانه لهو واحد من الاستثناءات في واقع المجتمع الجزائري، إن لم يكن غائبا أصلا.

لم يتطلب الأمر الكثير من التفكير بينهما، فهما يأتيان من خلفية ثقافية عميقة، خاصة سفيان حجاج، المتشبع بتراث منطقته، حيث الزوايا وخزائنها الغنية بالمخطوطات النادرة، والفضاء المعرفي العائلي الذي أحاط به وأنغرس فيه، وأضاف عليه الاطلاع الواسع على ما يحدث في الفضاءات الثقافية العالمية. وإن اختلف الأمر بالنسبة لسلمى هلال، التي تربت في أحضان ثقافة عصرية حداثية، حيث نشأت وترعرعت في فرنسا، ووقفت هناك على الديناميات التي انخرطت فيها بشكل لافت، وعمقت معارفها وعرفت جلّ التحولات في مجالات الثقافة والكتابة وأحوالها.

إذن، لم يكن غريبا ولا مفاجئا أن يحملا بداخلهما أكثر الطموحات الصعبة والنادرة في محيط جزائري صعب ومعقد في سنوات تأسيس دارهما، حيث كان الوضع خطيرا وقاتلا، ونقصد به فترة الإرهاب الهمجي الذي ظلل سماء الجزائر باللون الأسود والدم. وأين كان من الجنون أن يغامر أي أحد أو يفكر في الفعل الثقافي، بل أن يرفع لواء نشر كتب تنور العقل والروح، وهي معركة بدت لأول وهلة خاسرة ومكلفة ومستحيلة.

ومع أن فرص الزوجين كانت أكثر من متاحة للبقاء في فرنسا، غير أنهما فضلا العودة إلى الجزائر، وفي يديهما كتاب، وفي رأسيهما أحلام نقية غير ملوثة، وقررا أن يجعلا للمواجهة معنى منفردا وحقيقيا ومختلفا. حضرا في تلك اللحظة المربكة، وفتحا مساحات أخرى للكتابة والنص الجديد، وألتف حولهما، أو بالأحرى، اكتشفا كم هائل من الكتاب والشعراء والقصاصين والفنانين كاد أن يبتلعهما النسيان والصمت والخوف والقمع.

عاشا داخل هذه النصوص التي كانت تتوارد على الدار من مختلف أنحاء الوطن، ووضعاها خارج اليأس والقنوط واللاجدوى. صنعا آمالا أخرى لأكثر الكتاب والروائيين حساسية ورقيا، واختارا أن يعلنا أن الخيال والجمال ما زالا بخير رغم المآسي والأحزان والألم. رافقا هذه النصوص وكتابها وكاتباتها بكل سلاسة ومودة، وأحيانا بحزم كي تخرج مبهرة.

هذا ليس بالأمر الهين، فأنت تتحدى وتقاوم وتتعامل مع جسد الكتابة وروحها وعقلها. وستصادف نجاحات كبرى، وأيضا أخطاء وعثرات وعراقيل ومضايقات.. كانا يعرفان ذلك ولكنهما يعرفان أيضا أن هناك ما هو أهم من هذا.. هناك أدبا ورواية وفكرة وقصيدة ولوحة، وهناك أسماء ستأثت الرفوف وتلمع بين الصفوف، محمد ديب، بوجدرة، مايسة باي، مصطفى بن فوضيل، كوثر عظيمي، مليكة رحال، سميرة نقروش، احميدة عياشي، عدلان مدي، حبيب أيوب، صلاح باديس، بشير مفتي، عبد الوهاب بن منصور، سمير قسيمي… وغيرهم.

نحن نتحدث عن عشرات الأسماء وأكثر من 200 عنوان تقيم اليوم في ثنايا الدار، وعمرها 25 سنة، وهي سنوات قليلة لا زال سفيان وسلمى يطلبان من أصحابها الإستمرارية والعبور وقنص الفرص التي تتيحها المغامرة الشيقة للــ “برزخ” وهي تمخر عباب الواقع الجزائري اليوم الذي تصلب فيه الطموح وتراجعت فيه قيمة الكتابة والثقافة عموما، وأصبح الكتاب يحتضر وينتظر من يروي عطش مريده.

سفيان حجاج سعى إلى توسيع حضور الكتاب بالعربية، ورغم محدودية نجاحه، لجأ إلى ترجمة بعض الروايات إلى الفرنسية لتعويض الفارق.

يعرفان ذلك جيدا، ويعرفان أيضا كيف يسدان هذه الفجوات والقلق المتشظي حولهما، وإلا ما كان لهما أن يوصلا الدار إلى هذا العمر اليافِع الذي يبشر بالقادم اللامع بسطوعه، محاطين بثلة من الأصدقاء الكتاب والكاتبات اللواتي آمن بهما وبما يقومان به. ولم تعد هذه العلاقة والتحوط فقط مجرد عقد بين الناشر والكاتب، بل غدت عقدا روحيا متينا يتقاسمان فيه الرغبة والطموح والإستقلالية والحرية، وهذا هو الرأسمال النادر والمتاح الذي تتمتع به دار “البرزخ” في معناها ومبناها، وفي شكلها ومضمونها.

وأي تبدل في محتوى ما تفعله فهو للأكثر ملاءمة لخطها العام، المؤسس على مخيال ووعي الكاتب وقارئ الدار الفرنكفوني بالأساس، الذي يحتل مكانة هامة وكبيرة ضمن خطط النشر، مقارنة بالكاتب والقارئ المعرّب. وهذا النقص يدركه جيدا ويلاحظه سفيان، وهو وضع وسؤال وحالة ظلت تؤرقه، وهو القادم من بيئة، كما قلنا، متجذرة في ثقافة عربية إسلامية.

غير أن سعيه المحموم دائما كان في البحث والتنقيب والحفر من أجل أن يكون للكتاب باللغة العربية رف واسع في ريبرتوار الدار، وهو ما تجلى في بعض الكتاب الذين نشرت لهم أعمال باللغة العربية وراهن عليهم، ولكنهم، في الحقيقة، لا زالوا بعيدين عن المأمول والنجاحات الكبيرة التي يحققها الكتاب باللغة الفرنسية. ومع ذلك، اهتدى سفيان إلى فكرة قد تعوض هذا الخلل، وهي ترجمة بعض الروايات المكتوبة باللغة العربية إلى الفرنسية.

يكفي سفيان وسلمى اليوم بعد 25 سنة من الحضور في مشهدية النشر، أن يتذوقا هذا الشغف لمواصلة مغامرة “البرزخ”. هذه بحق “معجزة غريبة” صمدت في الوقت الذي أُغلقت فيه العديد من دور النشر في الجزائر أبوابها، واختفت المكتبات بشكل تراجيدي، وتقلص دور الكتاب، وانعدمت رائحته في الحياة الراهنة للفرد أمام وسائل التواصل الأخرى السريعة والنافذة، وحتى كما يُردد أمام شظف العيش والحاجة. ومع ذلك يظل الناشران في مكتب الدار كراهبين يلتقيان بالأطياف الجميلة للكتاب والكاتبات اللواتي يجبن الزوايا والأركان والفضاء، يستمدان منها روح القوة والعزيمة للعبور والاستمرار في لجة البرزخ، ذلك الخضم الهائل للحياة.