الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

مفاوضات تحت النار بين لبنان و”إسرائيل”.. هل يتكرر سيناريو غزة؟

Author
انعام اديب برقوق 14 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

يمثِّل الصراع بين لبنان و”إسرائيل” أحد أكثر الصراعات تعقيدًا واستمرارية في المنطقة، إذ لم يستقر يومًا على مسار واضح، بل ظلّ يتحرك ضمن دائرة طويلة من التوترات المتقطعة والتهدئة الهشة. وفي سياق هذا الامتداد التاريخي، شكّل اجتياح لبنان 1982 محطة مفصلية أعادت رسم البنية السياسية والأمنية للصراع بشكل جذري، ودفعت به نحو نمط أكثر تعقيدًا يقوم على تداخل الداخل اللبناني مع الاعتبارات الإقليمية، وعلى تحويل الحدود الجنوبية إلى ساحة دائمة لإدارة الردع والاحتكاك المحسوب.

وفي ظل هذا التصعيد المتصاعد اليوم، لا يبدو المشهد بعيدًا عن نموذج “المفاوضات تحت النار” الذي طبع تجارب إقليمية سابقة، وعلى رأسها ما شهدته غزة، حيث ترافقت العمليات العسكرية مع محاولات لفرض مسارات تفاوضية جديدة. فالتوتر القائم بين لبنان و”إسرائيل”، رغم حدّته، يعيد طرح السؤال ذاته: هل يتحول التصعيد إلى أداة لفرض قواعد اشتباك جديدة تمهّد لمسار تفاوضي، أم ينزلق إلى مواجهة أوسع؟ من هنا، يكتسب الحديث عن مبادرة لبنانية لضبط التوتر بعدًا إضافيًا، بوصفه محاولة للخروج من منطق إدارة الصراع عسكريًا، نحو “مفاوضات تحت النار” قد تعيد رسم حدود الاشتباك وتؤسس لمرحلة أكثر استقرارًا.

أوجه الشبه بين حالة لبنان وغزة

في تجربة غزة، لم يكن التصعيد العسكري هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة ضغط لفرض شروط تفاوضية غير مباشرة، غالباً عبر وسطاء إقليميين ودوليين. جولات القتال كانت تنتهي عادة بتفاهمات غير معلنة: تهدئة مقابل تسهيلات، أو وقف إطلاق نار مقابل مكاسب محدودة. هذا النموذج رسّخ معادلة “التفاوض تحت النار”، حيث تُستخدم القوة لتحسين شروط الجلوس إلى الطاولة، دون الوصول إلى تسوية نهائية.

لكن عند إسقاط هذا النموذج على لبنان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فوجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية ذات امتداد إقليمي، يغيّر قواعد اللعبة بشكل جذري. الحزب لا يتحرك فقط ضمن الحسابات اللبنانية الداخلية، بل ضمن شبكة توازنات أوسع ترتبط بمحاور إقليمية، ما يجعل أي تصعيد على الحدود يتجاوز كونه مواجهة محلية. في المقابل، تنظر “إسرائيل” إلى الجبهة الشمالية باعتبارها تهديداً استراتيجياً مختلفاً تماماً عن غزة، سواء من حيث القدرات العسكرية أو احتمالات توسع الصراع.

ورغم هذا الاختلاف، لا يمكن تجاهل أوجه التشابه. في الحالتين، يُستخدم التصعيد كأداة ضغط، وتلعب الوساطات الدولية دوراً محورياً في احتواء الانفجار. كما أن جميع الأطراف تدرك كلفة الحرب الشاملة، ما يدفعها إلى إبقاء المواجهة ضمن حدود محسوبة. هنا تتقاطع التجربتان: إدارة الصراع بدل حله، وتفضيل التسويات المؤقتة على المواجهات المفتوحة.

السيناريوهات المحتملة للمفاوضات تحت النار بين لبنان و”إسرائيل”

أولاً: سيناريو تكثيف الضربات كأداة تفاوض

في هذا السيناريو، يتحول التصعيد العسكري إلى جزء أساسي من إدارة التفاوض، حيث تتكثف الضربات المتبادلة بين “إسرائيل” وحزب الله بهدف تحسين شروط التفاوض وليس الذهاب إلى حرب شاملة. يتم استخدام القوة لفرض إيقاع سياسي جديد، بحيث تُفتح قنوات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين تحت ضغط ميداني مرتفع. النتيجة تكون عادة تفاهمات مؤقتة أو تهدئة مشروطة، تبقى قابلة للانهيار مع أي تغيير في ميزان الردع، ما يجعل “النار” جزءاً من طاولة التفاوض نفسها.

ثانياً: سيناريو المماطلة السياسية وإدارة الصورة الدولية

يرتكز هذا السيناريو على إطالة أمد التوتر دون حسم، ضمن مسار دبلوماسي متدرج يسمح لكل طرف بتثبيت روايته أمام المجتمع الدولي. في هذا الإطار، تسعى “إسرائيل” إلى الظهور كطرف منفتح على التهدئة والحلول السياسية، عبر تصريحات ومبادرات سياسية متكررة، بينما يستمر على الأرض واقع أمني متوتر لا يعكس تقدماً حقيقياً نحو تسوية. هذه المماطلة تتيح كسب الوقت، وامتصاص الضغوط الدولية، وإعادة ترتيب الأولويات العسكرية والسياسية، من دون تقديم تنازلات جوهرية، ما يجعل المسار التفاوضي أقرب إلى إدارة أزمة منه إلى حلها.

ثالثاً: سيناريو “الضغط على البنى التحتية للدولة اللبنانية”

في هذا السيناريو، لا يقتصر التصعيد على المواجهة المباشرة مع حزب الله، بل يمتد ليشمل البنية التحتية التابعة للدولة اللبنانية، بهدف زيادة الضغط السياسي والاقتصادي الداخلي. يتم ذلك عبر استهداف أو تعطيل مرافق حيوية أو نقاط ارتكاز اقتصادية وأمنية، بما ينعكس على استقرار الدولة ككل. ويكون الهدف من هذا النهج هو خلق بيئة داخلية ضاغطة تدفع الأطراف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية إلى إعادة حساباتها، ما قد يفتح الباب أمام تفاهمات بشروط أكثر تشدداً.

أخيراً، لا يبدو أن مسار الصراع بين لبنان و”إسرائيل” يتجه نحو نموذج واحد واضح أو حسم نهائي، بل نحو إدارة معقدة للتوتر تتداخل فيها الأدوات العسكرية بالدبلوماسية. فبين “المفاوضات تحت النار”، ومحاولات المماطلة السياسية، أو حتى الضغط على البنى التحتية لإعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي، تبقى السمة الأبرز هي غياب الاستقرار النهائي لصالح حلول مؤقتة تُدار تحت سقف التصعيد. ومع ذلك، فإن هذا التوازن الهشّ يحمل في داخله قابلية دائمة للانفجار، ما يجعل مستقبل الجبهة الجنوبية مفتوحاً على جميع الاحتمالات، ويجعل أي خطأ في الحسابات قادراً على نقل المشهد من إدارة الأزمة إلى انفجار واسع يصعب احتواؤه.

Author انعام اديب برقوق
دكتورة في القانون الجنائي الدولي - لبنان