الأحد : 02-10-2022

مفاوضات تيغراي.. الكُلفة والشروط؟!

عرضت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي،هدنة مشروطة لوقف الحرب في شمال إثيوبيا، وفق ما أعلن ناطق باسم الجبهة، (الجمعة) في وقت أدى تجدد القتال إلى خسائر كبيرة في الأرواح، فضلا عن وقف إيصال المساعدات إلى الإقليم الشمالي

وطالب زعيم جبهة تحرير شعب تيغراي ديبريتسيون جبريمايكل، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بـ ” وقف مشروط للأعمال العدائية في ظل تصاعد القتال على عدّة جبهات”.

وبناء على الرسالة التي أكّد صحّتها الناطق باسم الجبهة غيتاتشيو ريدا، أوضح ديبريتسيون أن مبادرته تهدف إلى الوصول إلى “هدنة مشروطة تتضمن عدة نقاط أهمها: “وقف فوري للعدائيات”، يتزامن مع “وصول المساعدات الإنسانية بدون قيود” وإعادة الخدمات الأساسية إلى تيغراي”، بالإضافة إلى “انسحاب غير مشروط للقوات الإريترية من الإقليم تحت مراقبة دولية “.

مبادرة إنقاذ ما يمكن إنقاذه 

وتأتي مبادرة حكومة تيغراي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما تعرّضت قواتها إلى خسائر كبيرة، من قبل الجيش النظامي، والمتحالفين معه، الذي كان قد أعلن عن هدنة في آذار/مارس من العام الجاري.

وقد تجددت المواجهات الشهر الماضي، بعد أن حاولت جبهة تحرير التيغراي، فك العزلة المضروبة عليها، منذ أكثر من عام، وذلك بالتقدم نحو الجبهة الغربية، في محاولة لفتح منفذ دولي على الحدود السودانية، لا سيّما وأن الهدنة المعلنة كانت قد عزلت الجبهة عن محيطها الدولي، كما ساهمت في تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة في إثيوبيا، سيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

وكان الاتحاد الإفريقي قد تقدّم بمبادرة للتوسّط بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير التيغراي، بقيادة الرئيس النيجيري السابق أبا سانجو، وهي المبادرة التي لم تقبل بها الجبهة، متّهمة إياها “بالتحيّز لصالح الحكومة المركزية في أديس أبابا”، فيما لم تقبل الأخيرة بمبادرات أخرى، عدا مبادرة الاتحاد الإفريقي.

وتمثّل الدعوة الأخيرة التي تقدّم بها زعيم الإقليم، بعد أسابيع من تجدّد القتال، بمثابة إعلان عن قبول الجبهة بالاعتراف بالحكومة المركزية والتفاوض معها، بعد أكثر من عام من رفضها الاعتراف بحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد علي.

حرب تيغراي وأزمة توازن الضعف 

يرى الدكتور إدريس جميل المحلل المختص بشؤون القرن الإفريقي، “أن الحرب في تيغراي قد كشفت عن توازن الضعف بين الحكومة المركزية، وجبهة تحرير التيغراي، حيث لم يتمكّن أي طرف من حسم المعركة لصالحه”، مؤكداً “إنه توازن، قد يدفع الطرفين نحو العودة إلى خيار المفاوضات”.

وفي ردّه على سؤال “الأيام نيوز ” عن الأسباب الحقيقية التي دفعت قوّات تحرير تيغراي إلى المطالبة بالهدنة يقول جميل ” الدعوة لن تخرج عن إحدى الاحتمالات التالية؛ إما أنها

نابعة عن قناعة حقيقية أن لا حلاً عسكرياً يمكن أن يحسم الأزمة في تيغراي، وهذه يفترض أنها قناعة مترتّبة عن تجربة الحرب، وإما أنها محاولة جديدة لكسب الرأي العام الذي أصبح ينتقد الجبهة لعدم تحقيقها انتصارات على الأرض وفشلها في إيجاد حلول للأزمة التي طال أمدها، وإما أنها محاولة لكسب المجتمع الدولي الذي أدان بعض التصرفات التي قامت بها الجبهة، لا سيما سيطرتها على المواد الإغاثية لصالح التجهيز العسكري، فضلا عن أن الاتهامات التي تلاحقها باعتبارها من خرَق الهدنة وجدّد القتال، بالإضافة إلى تراجع التعاطف الدولي مع تيغراي نتيجة  بروز قضايا وأزمات دولية أخرى”.

وحول الدعم الدولي لهذه الخطوة يرى جميل “أن المجتمع الدولي بالتأكيد سيدعم أي خيار يقود إلى التفاوض ” موضحاً ” إن القوى الدولية الكبرى لا تدعم أي توجّه لحسم المشكلة عسكرياً، بل تريد حلاً سياسيا يأتي من الداخل، حتى لو أدى ذلك إلى انفصال الإقليم، عبر الاستفتاء الشعبي كما حدث في جنوب السودان، وليس حلاً يأتي بانتصار طرف على الآخر”.

وحول دواعي لجوء الجبهة إلى المواجهة العسكرية عوض الحفاظ على الهدنة التي وقعت منذ آذار/مارس الماضي، يتوقع جميل أن يكون ذلك “يعود إلى حسابات خاطئة، أو لأسباب تتعلّق بالرغبة في تشتيت قوة الحكومة المركزية وتحقيق مكاسب ميدانية وبالتالي العودة إلى المفاوضات من موقع قوة”.

شروط المنتصر ستفرض نفسها 

من جهته يرى المحلل السياسي ومدير دار أدال، ابراهيم إدريس، أن الطرفين الحكومي وجبهة التيغراي ظلا يطبقان مقولة المبعوث الأمريكي للمنطقة جفري فيلتمان، الذي قال في نهاية مهامّه متحدثا عن الوضع في تيغراي، “إن من يحقق مكاسب على الأرض هو الذي سيفرض شروطه” وبالتالي سعى الطرفان إلى تحقيق مكاسب على الأرض لفترة ليست بقصيرة.

ويضيف إدريس في حديثه مع “الأيام نيوز ” إن المطالبة بـ “وقف إطلاق النار بالتأكيد هو نتاج تغيير في واقع المعارك وموازين القوة في الميدان”.

ويعتقد إدريس “إن حكومة التيغراي قد فوّتت الفرص مرارا للوصول إلى اتفاقات بالتعاون مع المجتمع الدولي، لا سيما مبعوثو الولايات المتحدة ومندوبة الاتحاد الأوربي وغيرهم”، “وأن الوقائع الجديدة على الأرض قد تكون الدافع الآن لطرح المبادرات، في سبيل استعادة الاهتمام الدولي، فضلا عما تشكّله الحرب من خسائر وعبء “.

ميدانيا يقرأ إدريس الخارطة، بالقول “إن الوضع الميداني قد اختلف الآن، سيما بعد الأسبوع الأول من الحرب، حيث تحوّل التغراويون من مرحلة الهجوم إلى الدفاع، وبالعكس أضحى الجيش النظامي الآن صاحب اليد العليا، وهو من يبادر نحو الهجوم بعد أسبوعين من تجدّد المواجهات”.

ويتوقع إدريس، “أن تؤدي التطورات الأخيرة بما فيها الدعوة لوقف إطلاق النار إلى تداعيات مهمة في المنطقة والإقليم”.

مشيرا إلى أن “هناك دعوة لاجتماع مجلس الأمن، الاثنين، حول الوضع في تيغراي”، كما أن هناك عودة للمندوبين من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، بدعم من الأمم المتحدة.

كل هذه التحركات بجانب الوقائع المستجدة على الأرض ستسهم لا محالة في محاولة إيجاد حلول للأزمة.

وكانت الحكومة المركزية في أديس أبابا، قد حرّكت مُعدات عسكرية ثقيلة، كما استخدمت القصف الجوي لصد هجوم قوات تحرير تيغراي، كما تتهم عدة جهات دولية، سياسية وقانونية أديس أبابا بممارسة جرائم حرب في إقليم تيغراي، فيما تعتبر الحكومة المركزية حربها ضد قوات تحرير تيغراي بمثابة “عملية لإنفاذ القانون” ولا تستهدف المدنيين.