الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

مقاربة سوسيولوجية.. ما مفهوم “المنصة الإلكترونية” لدى الفرد الجزائري؟

Author
غزال مراد 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شهدت البيئة الرقمية في الجزائر، مؤخرا، تحولا ملحوظا نحو رقمنة الخدمات الحكومية والمعاملات التجارية، إلّا أن هذا الانتقال التقني كشف عن فجوة واضحة بين تحديث الآليات وبقاء بعض السلوكيات السوسيوثقافية التقليدية، ولعلّ ما شهدناه مؤخراً من تراجع في استكمال إجراءات اقتناء الأضاحي، يمثّل نموذجا حيا لدراسة هذه المفارقة.

​بعد قرار وزارة الفلاحة إعادة فتح المنصة الإلكترونية لاقتناء الكباش، وبعد تراجع الكثير من المسجلين عن الاقتراب من مراكز البيع، وجب تفكيك علاقة تعامل الجزائري مع مفهوم “المنصة” كمفهوم سوسيونفسي عميق، إذ نجد أن نظرة الفرد للتسجيل بالمنصة كفرصة يجب التسجيل فيها – لأن التسجيل من دون مقابل – دون تكملة الإجراءات النهائية للمعاملة التي قدم لها. وبهذا فهو يضيّع فرصة على إنسان جاد في تكملة المعاملة.

​إن هذا السلوك اليومي المتكرر عبر الفضاءات الرقمية الجزائرية (سواء في منصات التوظيف، الدعم الحكومي، التكوين، أو حتى المبادرات الثقافية والتعليمية) ليس مجرد “فعل عابر”، بل هو ظاهرة سوسيولوجية تستدعي التفكيك والتحليل. إنه يعكس أزمة تمثّل ذهني للفضاء الرقمي، والتباساً في فهم العلاقة بين “المجاني” و”المسؤولية الاجتماعية”.

“ثقافة الغنيمة” ولهفة التسجيل المجاني

​فالعتبة الأولى المشاهدة هي ذهنية “التسجيل لمجرد التسجيل”، فهذا المعطى السوسيولوجي لثقافة العقلية الرعوية والفرصة بالذهنية الجزائرية يرتبط بمفهوم “المجانية” تاريخياً المفضي لثقافة “الغنيمة” التي لا يجوز تفويتها (مبدأ ياك باطل). فالمنصة الإلكترونية في المتخيل الجمعي، لا تظهر دائماً كأداة مؤسساتية تنظيمية عادلة، بل تُعامل كفضاء توزيع ريعي يجب حجز مكان فيه فوراً وبأقل جهد ممكن.

​هذا السلوك ينتج عما يمكن تسميته “اللهفة الرقمية” التي لا تترتب عليها التكلفة المادية، ما يدفع الفرد إلى ملء الاستمارات بشكل عشوائي لمجرد أن العتبة الاقتصادية للدخول هي (صفر دينار). فضلا عن أن التسجيل يمنح الفرد شعوراً مؤقتاً بالامتلاك أو الأحقية في الخدمة، حتى لو كان يفتقر للجاهزية الفعلية أو الرغبة الحقيقية في إتمام العملية.

​كما يجد الباحث بهذه الظاهرة أنه أمام نرجسية رقمية وغياب “الضمير الجمعي” كما يصفه دوركايم، فعندما يقوم الفرد بالضغط على زر “إرسال” في منصة محددة المقاعد، وهو يعلم داخلياً أنه لن يُكمل الإجراءات (كعدم دفع حقوق التسجيل اللاحقة، أو عدم الحضور)، فإنه يمارس نوعاً من الأنانية الاجتماعية الرقمية.

​هنا يتجلى بوضوح ضعف “الضمير الجمعي” في الفضاء الافتراضي. لأن الفرد لا يرى “الآخر” الجاد الذي يقف خلف الشاشة؛ يرى فقط شاشة صامتة وفرصة مجانية. هذا الانفصال البصري والجسدي في العالم الرقمي يُضعف الوازع الأخلاقي، إذ أنه حجز مقعدا حقيقيا لشخص حقيقي كان بحاجة ماسة إليه.

فجوة المواطنة الرقمية والبيانات المزيفة

​يقودنا هذا التفكيك للذهنية الجزائرية إلى مفهوم غياب “المواطنة الرقمية” فتظهر هذه الظاهرة خللاً في الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الرقمي (Digital Society). فالمنصة الإلكترونية في نظر الكثير من المستخدمين في الجزائر لم ترقَ بعد إلى مرتبة “المؤسسة الرسمية” التي تستوجب الانضباط والالتزام بالتعاقد؛ بل تُعامل أحياناً كنوع من التسلية أو الفضول لمعرفة “ماذا سيحدث بعد التسجيل؟”.

​إن غياب مفهوم “المواطنة الرقمية” يجعل المستخدم يجهل الكلفة الإدارية والتنظيمية التي تتحملها الجهة القائمة على المنصة، ويجهل القيمة الزمنية والاقتصادية للفرص الضائعة. هذا الزخم من التسجيلات غير الجادة تؤدي إلى إنتاج “بيانات ضخمة مزيفة”، إذ تمتلئ قواعد البيانات بآلاف الملفات الوهمية أو المهملة، ما يربك صنّاع القرار ويصعّب عملية الإحصاء الحقيقي والتخطيط التنموي.

​فرغم كل الجهود لإقحام المواطن بالتحوّل الرقمي، فهناك لوم خفي واتساع فجوة الثقة الرقمية عندما تضطر الجهات المنظمة إلى إلغاء دورات أو تشديد الشروط، فتضعف ثقة المجتمع في نجاعة المنصات الرقمية كبديل للممارسات التقليدية رغم أنه عامل من عوامل فشلها أو تحيينها كل حين.

​إن تحويل “المنصة الإلكترونية” في ذهن الجزائري من فضاء “للتجريب والمجانية”، إلى فضاء للالتزام والمسؤولية، يتطلب أكثر من مجرد تطوير تقني. إنه يحتاج إلى “هندسة اجتماعية ورقمية” ترفع من وعي المستخدمين، وللحد من هذه الظاهرة، قد يتطلب الأمر الانتقال من “المجانية المطلقة وغير المشروطة” في المراحل الأولى للتسجيل، إلى فرض نوع من “الالتزام المعنوي أو التقني”.