الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. رهان التنفيذ يتصدر أجندة الاجتماع الوزاري

Author
ربيعة خطاب 22 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل التحديات الأمنية المتزايدة التي تشهدها القارة الإفريقية، وعلى رأسها تنامي خطر التنظيمات الإرهابية وتوسع أنشطة الجماعات المتطرفة، تتكثف الجهود الإقليمية والدولية لتوحيد الرؤى وتعزيز آليات التنسيق من أجل مواجهة هذه الظاهرة العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، عقد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي اجتماعا وزاريا خصص لبحث سبل مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، ومناقشة خطة العمل الاستراتيجية للفترة (2026-2030)، بمشاركة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، الذي جدد تأكيد التزام الجزائر بدعم الجهود الإفريقية الرامية إلى بناء مقاربة شاملة تجمع بين المعالجة الأمنية والتنموية والمؤسساتية، انسجامًا مع رؤية رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بصفته نصير الاتحاد الإفريقي لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف في القارة.

ويرى إدريس سنوسي، الخبير في شؤون النزاعات والإرهاب، أن الاجتماع الوزاري لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، المخصص لمناقشة مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، ينعقد في ظرف أمني بالغ التعقيد، يجعل من مخرجاته محطة مفصلية في مسار تعزيز الأمن الجماعي بالقارة. ويؤكد أن التحديات التي تواجهها إفريقيا لم تعد تقتصر على نشاط التنظيمات الإرهابية، بل باتت ترتبط أيضًا بتداخل الإرهاب مع الجريمة المنظمة العابرة للحدود، واتساع رقعة عدم الاستقرار السياسي، وتراجع قدرة بعض الدول على بسط سيادتها على كامل أراضيها، خاصة في المناطق الحدودية والهشة.

وأوضح إدريس سنوسي أن الأهمية الحقيقية للاجتماع لا تكمن في توصيف المخاطر أو إعادة التأكيد على خطورتها، وإنما في قدرة الدول الإفريقية على تجاوز أحد أبرز الإشكالات التي رافقت منظومة السلم والأمن الإفريقية خلال السنوات الماضية، والمتمثل في الفجوة الواضحة بين إصدار القرارات وتنفيذها على أرض الواقع. ويشير إلى أن القارة تمتلك رصيدًا كبيرًا من القرارات والمبادرات، غير أن العديد منها بقي حبيس الوثائق الرسمية دون أن يتحول إلى نتائج ملموسة.

وأضاف إدريس سنوسي أن مجلس السلم والأمن الإفريقي عقد منذ تأسيسه أكثر من 1157 اجتماعًا، أفضت الغالبية الساحقة منها إلى قرارات وتوصيات متعددة، إلا أن تنفيذ عدد معتبر من هذه القرارات ظل متعثرًا. واستشهد في هذا السياق بقرار إنشاء لجنة العقوبات الذي تم اعتماده سنة 2009، لكنه لم ير النور إلا بعد سنوات طويلة، فضلًا عن قرار نشر قوة إفريقية قوامها ثلاثة آلاف جندي في منطقة الساحل عام 2020، والذي بقي دون تنفيذ رغم تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة.

وأكد إدريس سنوسي أن الاجتماع الحالي يمثل فرصة حقيقية لإعادة توجيه العمل الإفريقي المشترك نحو مقاربة أكثر عملية، تقوم على الانتقال من إدارة الأزمات عبر البيانات السياسية إلى اعتماد سياسات قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم. ويرى أن انعقاد الاجتماع على المستوى الوزاري يمنحه ثقلاً سياسيًا أكبر، بما يسمح بتوفير الإرادة اللازمة لتحويل الالتزامات إلى برامج تنفيذية مدعومة بالإمكانات السياسية والمؤسساتية والمالية.

وأشار إدريس سنوسي إلى أن الاختبار الحقيقي لنجاح الاجتماع لن يكون في عدد القرارات التي سيصدرها، وإنما في مدى قدرته على تقليص فجوة التنفيذ، من خلال اعتماد آليات واضحة تحدد المسؤوليات، والموارد المالية، والجداول الزمنية، ووسائل المتابعة والمساءلة. فالقارة، بحسب تعبيره، لا تعاني من نقص في المبادرات أو الخطط، وإنما من ضعف تحويل الإرادة السياسية إلى نتائج أمنية ملموسة يشعر بها المواطن الإفريقي.

وفي حديثه عن خطة العمل الاستراتيجية لمكافحة الإرهاب للفترة 2026-2030، أكد إدريس سنوسي أنها تمثل فرصة مهمة لإعادة بناء فعالية الجهود الإفريقية في مواجهة التنظيمات الإرهابية والتطرف العنيف، غير أن نجاحها لن يرتبط بطموح أهدافها فحسب، بل بقدرتها على معالجة نقاط الضعف التي حدّت من فعالية الخطط السابقة.

وأوضح إدريس سنوسي أن الخطوة الأولى لضمان نجاح الخطة تتمثل في الانتقال من الصياغات السياسية العامة إلى قرارات تنفيذية دقيقة، تحدد بوضوح طبيعة الإجراءات المطلوبة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والموارد اللازمة، والآجال الزمنية، إضافة إلى مؤشرات دقيقة لقياس مستوى الإنجاز. ويرى أن غياب هذه العناصر كان سببًا رئيسيًا في تعثر العديد من المبادرات السابقة.

وأضاف إدريس سنوسي أن نجاح الخطة يتطلب أيضًا تعزيز التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والمجموعات الاقتصادية الإقليمية والدول الأعضاء والأجهزة الأمنية المختلفة، مع توسيع الاستفادة من آليات التعاون القاري، وفي مقدمتها جهاز “أفريبول”، بما يعزز تبادل المعلومات والخبرات دون المساس بسيادة الدول الإفريقية أو استقلالية قراراتها الأمنية.

وشدد إدريس سنوسي على أن التمويل يمثل أحد أهم عناصر نجاح أي استراتيجية أمنية، معتبرًا أن القرارات التي لا تستند إلى موارد مالية واضحة تبقى معرضة للتعثر مهما كانت أهميتها. لذلك، يدعو إلى تضمين خطة 2026-2030 آليات تمويل مستدامة تقلل من الاعتماد على الشركاء الخارجيين، وتعزز في المقابل الملكية الإفريقية للأجندة الأمنية، بما يضمن استمرارية تنفيذ البرامج بعيدًا عن التقلبات السياسية والتمويلية الدولية.

كما يرى إدريس سنوسي أن الخطة بحاجة إلى آلية مؤسسية فعالة للمتابعة والتقييم والمساءلة، بحيث لا يقتصر دورها على تسجيل القرارات، وإنما يمتد إلى متابعة تنفيذها ميدانيًا، ورصد نسب الإنجاز، وتحديد أسباب التعثر، ومساءلة الجهات المسؤولة عن ذلك. ويؤكد أن إعادة تنشيط الآليات الوزارية والمؤسساتية المختصة بمكافحة الإرهاب ستمنح القرارات قوة تنفيذية أكبر، وتحد من تكرار الإخفاقات السابقة.

ويلفت إدريس سنوسي إلى أن نجاح الخطة الاستراتيجية سيقاس بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تبدأ بالتخطيط، مرورًا بتوفير التمويل، ثم التنفيذ، وصولًا إلى التقييم والمراجعة. فإذا نجحت في تحقيق هذا التكامل، فإنها قد تتحوّل إلى أداة عملية لتعزيز الأمن الجماعي الإفريقي، أما إذا بقيت مجرد إعلان للمبادئ دون آليات تنفيذ واضحة، فإنها ستواجه المصير ذاته الذي واجه العديد من المبادرات السابقة.

وفي سياق متصل، توقف إدريس سنوسي عند المقاربة التي تدافع عنها الجزائر في مكافحة الإرهاب، مؤكدًا أنها تستند إلى رؤية شاملة تدرك أن الحلول الأمنية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها للقضاء على الإرهاب بصورة نهائية. فالقوة العسكرية ضرورية لمواجهة الجماعات المسلحة وحماية المدنيين، لكنها لا تستطيع معالجة الظروف التي تسمح لهذه التنظيمات بإعادة تنظيم صفوفها واستقطاب عناصر جديدة.

وأوضح إدريس سنوسي أن التجارب الأمنية في منطقة الساحل أثبتت أن ضعف مؤسسات الدولة، واتساع الفراغات الأمنية، واستمرار الفقر والتهميش، وغياب التنمية والخدمات الأساسية، كلها عوامل توفر بيئة خصبة تستغلها التنظيمات الإرهابية لتوسيع نفوذها. ومن ثم، فإن الجمع بين الأمن والتنمية وتعزيز مؤسسات الدولة يمثل المدخل الأساسي لتحويل النجاحات العسكرية المؤقتة إلى استقرار دائم.

وأضاف إدريس سنوسي أن المقاربة الجزائرية تكتسب أهمية خاصة لأنها تدمج بين الأبعاد الأمنية والتنموية والمؤسساتية، مع التركيز على تعزيز قدرات الدول الإفريقية في بسط سيادتها على كامل أراضيها، وتحسين الخدمات العمومية، خاصة في المناطق الحدودية والهشة التي تشكل غالبًا المجال الأكثر استهدافًا من قبل الجماعات الإرهابية.

كما أكد إدريس سنوسي أن تعزيز الشراكة مع الأمم المتحدة يمكن أن يوفر قيمة مضافة للجهود الإفريقية، سواء من خلال الدعم المالي، أو نقل الخبرات الفنية، أو برامج بناء القدرات، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة الإدماج، ودعم المؤسسات الوطنية. لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن تظل القيادة الفعلية لهذه الجهود إفريقية، حتى لا تتحوّل مكافحة الإرهاب إلى ساحة للتنافس الدولي أو إلى بديل عن المسؤولية المباشرة للدول الإفريقية.

وأكد إدريس سنوسي أن جوهر المقاربة الجزائرية يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات الأمنية إلى بناء السلام والاستقرار المستدام، معتبرًا أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على إضعاف التنظيمات المسلحة، بل تشمل أيضًا بناء بيئة سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية تحد من قدرتها على التجنيد والتوسع وإعادة إنتاج نفسها. ولذلك فإن تحقيق استقرار دائم في إفريقيا، وفق تقديره، يظل مرهونًا بإقامة معادلة متوازنة تجمع بين القوة الأمنية، والحكم الرشيد، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والتعاون الإقليمي والدولي، بما يعزز قدرة القارة على مواجهة التحديات الأمنية بصورة مستدامة.