مملكة “أمير المؤمنين”.. ملكٌ غائبٌ و”القادمون من المجهول” يعبثون بالمغرب

في وقت متأخّر من يوم الإثنين الماضي، قامت السلطات المغربية باعتقال وسجن وزير “حقوق الإنسان” السابق “محمد زيان” الذي أثار ضجّة كبيرة، في أكتوبر الماضي، عندما دعا الملك “محمد السادس” إلى التنازل عن العرش. وقال: “إن مستقبل المغرب ليس في أيد أمينة” لأن من يحكم فعليا هم “أصدقاء الملك”، في إشارة إلى “الإخوة زعيتر” الذين بلغ بهم الاستهتار، في مملكة أمير المؤمنين، إلى رسم آية من القرآن العظيم على الصنادل البلاستيكية وقُفّازات الرياضات القتالية.

القرآن العظيم على الصنادل البلاستيكية

تداولت مواقعُ مغربية عديدة، منذ شهر ماي من هذا العام، مقالاً “مُوحّدًا” لا يُعرفُ مصدره، وبالعنوان نفسه: (آل زعيتر.. حكاية إخوة جعلوا من عاهل البلاد ندًا لهم تحت شعار “تقادو الكتاف”). أخطر ما جاء في المقال هو ما يتعلّق بالشأن الإسلامي، حيثُ كُتبَ “هل يتَصوّرُ عاقلُ أن تبلغ النذالة بأحدهم غاية اعتماد شعار العرش الملكي المتضمن للآية: 7 من سورة “محمد”: “إن تنصروا الله ينصركم”. كرسم على الصنادل البلاستيكية أو القفازات القتالية؟”. ورغم انتشار هذا الأمر على نطاق واسع، وخلال مدة شهور، فإن هيئةً مثل “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” لم تتحرّك. كما لم يتحرّك علماءٌ المغرب خاصة، وكأن الأمر بسيطٌ هيّنٌ. ولو أنه حدث في بلاد أوروبية مثلاً لاشتعلت، على الأقل، مواقع التواصل الاجتماعي بموجات التنديد والإدانة.. ربما للأمر ما يُبرّره في سياق “المواقف” التي أنتجها “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” أو ما يُعادله من هيئات تزعم “ترشيد” التعامل مع الإسلام. ولن نقول الدّفاع عنه، لأن العلماء هم الذين يحتاجون إلى الإسلام للدفاع عن أنفسهم، وليس العكس.

أشخاص جاءوا من العدم

جاء في المقال “المُوحّد” أن “الإخوة زعيتر” هم “أشخاص جاءوا من العدم، وبين عشية وضحاها نالوا حظوة التعرُّف على الملك عن قرب. لكن دقة الملاحظة التي ابتلينا بها تجعلنا غير قادرين على القفز على مجموعة من التصرفات والتحركات التي يقوم بها هؤلاء وقد يكون لها عظيم التأثير على صورة الملكية بالبلاد وعلى المقدسات”. ومن أمثلة تلك التصرفات، يقول المقال أن الأشخاص الذين جاؤوا من العدم، وصلت بهم الجرأة “حَدَّ العبث بشعار العرش الملكي الذي ينطوي على دلالات تاريخية قوية، تختزل مجد المغرب” من قبيل “وضع التاج بما له من حمولة ملكية على رأس حلويات الدونات بمطاعم الوجبات السريعة الخاصة بهم بـ (مارينا سلا)”. ويواصل المقال كلامه عن “الإخوة زعيتر” لأنهم “انتقلوا إلى ما هو أكبر وأعمق وأصبحوا يُشهرون أسلحتهم على منصات التواصل الاجتماعي. في تسويق فظ لثقافة العنف وما يرافقها من رسائل مشفرة تفيد: أننا فوق الكل وما من قوة قد توقفنا لأن لنا وزننا ويحسب لنا ألف حساب”.

من يقف خلفَ المقال “المُوحّد”؟

يُستفاد من المقال أن ثلاثة إخوة جاؤوا من العدم وأحكموا سيطرتهم على المملكة المغربية إلى درجة الاستهتار بالمقدّسات الإسلامية. إضافة إلى العبث بتقاليد المملكة ورموزها، وهو أمرٌ يؤكّد بأن الجهة التي تقف خلف المقال. وسعت إلى نشره وانتشاره دون أن تتعرّض المواقع التي تداولته إلى أيّ مضايقة. هي جهة أو جهات رسميةٌ نافذةٌ تُحاول استباق الأمور والحدّ من تسلّط “الإخوة زعيتر” قبل أن يبلغ التذمّر الشعبي مداه.

علاقةٌ مشبوهةٌ بين الملك والإخوة

يُذكر أن الصحيفة الإسبانية “البايس” تحدّثت، منذ مطلع هذا العام، عن العلاقة المشبوهة بين العاهل المغربي “محمد السادس” و”الإخوة زعيتر” ومدى الامتيازات التي يتمتعون بها في المغرب. وأوضحت الصحيفة بأن أولئك الإخوة هم ثلاثة أشقاء ألمان من أصل مغربي: (أبو بكر، وعثمان، وعمر)، يُمارسون فنون القتال المُختلطة والدفاع عن النفس. وقد بدأت صداقتهم رسميا مع “محمد السادس” في 20 أفريل 2018، عندما استقبلهم الملك في قصره بالرباط. وقد نشرت وكالة المغرب العربي للأنباء صورةً عن الحدث، جاء في تسميتها التوضيحية: “هكذا استقبل الملك أبوبكر زعيتر. أول مغربي يوقع على بطولة القتال النهائي (أُ أف سي)، أهم بطولة عالمية في هذه الرياضة القتالية. عثمان زعيتر الفائز ببطولة العالم لاتحاد القتال الشجاع، وكذلك عمر زعيتر وكيله وعضو فريقه الفني”. وقد أشارت “البايس” إلى ما تداولته بعض الوسائل الإعلامية المغربية المقرّبة من الجهات النافذة، حول السجّل الإجرامي لأبي بكر وهو أكثر الإخوة قربا من الملك، “الاحتيال الحاسوبي، والقيادة بدون رخصة. والاعتداء على السلامة الجسدية مما يتسبب في إعاقة دائمة، والاتجار بالمخدرات، والسرقة، والتزوير، ومقاومة قوة النظام”.

من هو مصدرُ الخطر: محمد أم الألماني؟

هل هناك جريمة أفظع من الاستهتار بالدين الإسلامي، والعبث بتقاليد ورموز الدولة؟ وإذاً لماذا يستمرّ “الإخوة زعيتر” في تغوّلهم وتغلغلهم في دوائر النفوذ السلطوي. وتبقى الأصوات “الرسمية” المناهضة لهم خافةً خجولةً، رغم المخاطر التي قد تؤول إليها الأمور من فرط الاحتقان الشعبي؟. وفي المقابل لماذا يُسجنُ وزيرٌ له تاريخه في النضال السياسي أوصله إلى أن يضطلع بوزارة “حقوق الإنسان”؟. هل الخطر الذي يُمثّله “محمد زيان” أكبر من الأخطار التي يُمكن أن يجلبها “الإخوة زعيتر” على المملكة المغربية؟

هاراكيري سياسي

قبل حوالي عشرة أيام من اعتقاله، صرّح المحامي ومؤسس الحزب الليبرالي المغربي “محمد زيان”: “أؤكد أنهم منعوني بشكل تعسفي من مغادرة التراب الوطني”. وأوضحت صحيفة “الإندبندنت” الإسبانية بأن السياسي عَلمَ بإجراء منعه من السفر عندما كان يستعد لمغادرة بلاده، حيث أبلغته الشرطة بوجود أمر قضائي بهذا الشأن. وأوضح “زيان” قائلا: “كل هذا ضغط. إنهم يسعون لتخويفي. وأكدوا أن هناك عملية جديدة أخرى مفتوحة ضدي، لكنني لا أعرف المزيد”. وأضاف أن “السبب بالتأكيد مرتبط بأفكاري، وهي الأفكار التي أكدتُها في المقابلة مع هذه الصحيفة (الإندبندنت)”. وأكّد بالقول: “لن أغير آرائي لأن ذلك سيكون هاراكيرياً سياسياً”. (هاراكيري: تعبير ياباني عن قطع الأحشاء عند الساموراي).

وزير حقوق الإنسان خلف القضبان

ذكرت “الإندبندنت” أن عشرين شرطيا، في ثياب مدنية، اقتحموا مكتب “محمد زيان”، وقاموا باعتقال صاحبه ونقلوه على إلى سجن العرجات (بالقرب من العاصمة الرباط). وذلك تنفيذا لأمر محكمة الاستئناف “بإلقاء القبض على المعني بالأمر، وإيداعه السجن بناء على ملتمس تقدمت به النيابة العامة”. حيث حُكم عليه بالسجن لثلاث سنوات. ويُذكر بأن النيابة العامة وجّهت إلى “زيان” 11 تهمة منها: “إهانة رجال القضاء وهيئات منظمة”، و”بث وقائع وادعاءات كاذبة”، و”الخيانة الزوجية”، و”التحرش الجنسي”. بالإضافة إلى شكوى الوزارة الداخلية التي استندت على اتهامه لجهاز المخابرات الداخلية بـ “فبركة” فيديو مُخلّ نشره موقع إخباري محلي.

كيف تحكم مملكةً بتطبيق زووم؟

أشارت “الإندبندنت” بأن وزير حقوق الإنسان السابق تعرّض إلى حملة تشهير وتشويه وإهانات، حيث تم وَسمُه بأوصاف مشينة منها: الزنديق والمجنون والإرهابي والخائن. وذلك على خلفية المقابلة التي أجرتها معه هذه الصحيفة يوم التاسع أكتوبر من هذه السنة. وكان عنوانها “محمد السادس خارج المغرب أمرٌ غير طبيعي إطلاقا.. ولا يُمكنك إدارة البلاد بواسطة زووم”.

أجوبة أثقل من قدرة التّحمّل المغربي

مقابلة “محمد زيان” مع الصحيفة الإسبانية كانت حافلةً بأجوبة من الصعب أن يتحمّلها نظام المخزن. وفي هذا السياق نقدّم بعض ما جاء في تلك المقابلة.

سؤال: كيف تبدو المغرب من الرباط؟

الجواب: هناك قلق عام. يتساءل الجميع عمّا يحدث في البلاد ومن يدير البلاد. وهذا أمر شديد الخطورة. عندما يكون رد المسؤولين هو أن الملك يستطيع أن يدير دولة من الخارج، أقول لهم: يمكن للملك أن يدير دولة من الخارج عندما يكون ملكًا لا يتمتع بسلطات تنفيذية. ومع ذلك، عندما تكون لديك السلطات التي يتمتع بها الملك محمد السادس. فمن الصعب أن تفهم أن الشخص المسؤول يمكنه تحمل إخبارك: يمكنني توجيه 40 مليون مغربي من الخارج باستخدام “زووم”، كما نفعل الآن (المقابلة كانت عبر زووم)، أو “واتساب”، أجد النكتة قوية جدا.. يتساءل المرء عن مكان وجود الملك، ولماذا هو خارج المغرب، وأيضاً لماذا يريد كبار المسؤولين إقناعنا بأن هذا أمر طبيعي، في حين أنه غير طبيعي تمامًا.

سؤال: هل يوجد فراغ في السلطة بالمغرب؟

الجواب: هناك فراغ في الإرادة لممارسة السلطة، أكثر من مجرد فراغ في السلطة. وهو أسوأ.

سؤال: من يحكم البلاد بشكل فعال؟

الجواب: بالتأكيد أصدقاء الملك. هناك شخص مسؤول عن الحياة الاقتصادية، بالتعاون مع رئيس الحكومة، يكون مسؤولاً عن كونه صديقًا للملك. إنهما شخصان سيقرران، لا أعرف ما إذا كانا خاضعين لسيطرة الملك أو رئاسته الفعلية، أو وفقًا لمصالحهما الخاصة. على الصعيد السياسي، هناك شخص آخر يَدّعي أنه صديق للملك ويثير مشاكل مع الأحزاب السياسية ويرافقه بالتأكيد قائد الشرطة ورئيس المخابرات المضادة فيما يتعلق بالأمن الداخلي للدولة.

سؤال: أفهم أنك تؤيد انتقالاً فورياً …

الجواب: على أي حال، لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو، لأن هناك اليوم مخاوف لا تبعث على الطمأنينة والثقة.. أقصد ثقة الناس الذين يشعرون أن لديهم بعض المؤسسات أو أن لديهم ملكًا يتحمل المسؤولية. من المسؤول في المغرب؟ عندما يشعر الناس بمثل هذا القلق، أعتقد أن المخاطرة كبيرة.

سؤال: ماذا يُعرَف في المغرب عن نشاط محمد السادس اليومي؟

جواب: في المغرب لا نعرف شيئاً. لا نعرف ما إذا كان مريضًا، أو في المستشفى، أو إذا كان يبحث عن والدته، أو في الخارج يتنزّه في الشوارع، أو إذا كان ذاهبًا للتسوق، أو إذا التقى بشخص ما… لا نعرف شيئًا. مثل البوهيميين، ننتظر وصول يوم الجمعة القادم لمعرفة حالته، وما إذا كان سيأتي إلى المغرب أو إذا كان سيلقي خطابه أمام البرلمان عبر الإنترنت. الجهل هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث للإنسان. ويحدث مع شخص يدّعي أنه هو الناس، وأن الناس يعيشون عاطفياً معه. الوضع ليس جيدا.

سؤال: لا أعرف ما إذا كنت ستقرأ أن المغرب، هو اليوم، بلدٌ يريد جزءٌ من سكانه الفرارَ منه، بما في ذلك الملك …

الجواب: إن غالبية الناس يريدون الهجرة، هذا من أجل التأكيد. يمكنك أن ترى ما فعله أعضاء مجلس بلدية مهمة للغاية مثل بلدية بركان، الذين ذهبوا إلى اجتماع في هولندا وقالوا هناك: وداعًا، لن أعود إلى المغرب لأنه ليس لدينا ما نفعله فيه.

سؤال: يبدو أن الملك أيضاً يريد الفرار..

جواب: الأمر الأكثر خطورة هو أن الملك لا يفكر في العودة إلى المغرب. وإذا لم يفعل، فنحن نريد أن نعرف السبب، حتى إذا كان يريد الهرب أيضًا. إذا كنت لا تريد أن تكون ملكًا، فهذه مشكلتك. إذا لم تستطع تحمّل الأمر بعد الآن أو لم تكن مهتمًا، فأنت لا تريد ذلك أو لا ترى نفسك قادرا على الاستمرار كملك تحت هذا الضغط لأسباب صحية أو لأسباب خيالية أو رومانسية، فهذه هي مشكلتك. إذا كنت لا تريد أن تكون ملكًا، فلا تكن كذلك. لا أحد يستطيع أن يجبر شخصًا آخر على فعل ما لا يريده. نحن نتفق تمامًا على ذلك، لكن يجب توضيح الأمر، ويجب أن يقتنع الناس بأن الشخص المناسب قد تم اختياره ليكون ملكا ويتحمّل أعباء المغرب في العقد القادم من عمر العالم.