الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

منطق أشرار “أورويل” في مضيق “هرمز”.. واشنطن تفتح بالغلق

Author
الأيام نيوز 16 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

استحضر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف أجواء رواية “1984”، للكاتب البريطاني جورج أورويل، في تعليق ساخر، على قرار الولايات المتحدة فرض حظر على مضيق هرمز وموانئ إيران، وكتب مدفيديف عبر منصة “إكس” باللغة الإنكليزية: “في الوقت الذي ترغب فيه العديد من الدول في فتح مضيق هرمز، قرّر البيت الأبيض حظره.. هل الحظر يعني الفتح؟ وأضاف: أشرار أورويل يعودون بقوة مضاعفة”.

 وسأل لاحقا: “ما التالي؟ بالطبع، ‘الحرب هي السلام'”. وتعد هذه العبارة إشارة مباشرة إلى المقولة الشهيرة الواردة في رواية “1984”، والتي تقول: “الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة”، وهي عبارات ترمز في سياق الرواية إلى استخدام اللغة السياسية بطريقة متناقضة لخدمة أهداف السلطة.

يأتي هذا التعليق الروسي في سياق سياسي وأمني متوتر، إذ شهدت الأيام الأخيرة تطورات متسارعة في ملف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. فقد بدأت طهران وواشنطن مفاوضات في إسلام آباد يوم 11 أأريل، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليلة 8 أفريل، التوصل إلى اتفاق مبدئي مع إيران لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، في خطوة بدت وكأنها تمهّد لتهدئة محتملة. غير أن هذه الآمال لم تدم طويلا، إذ أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي كان يرأس الوفد الأمريكي، صباح 12 أفريل، أن المفاوضات لم تسفر عن اتفاق، ما أعاد التوتر إلى الواجهة.

وفي أعقاب ذلك، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ حصارا لجميع السفن التي تحاول الدخول إلى مضيق هرمز أو الخروج منه، وكلف البحرية الأمريكية بتتبع واعتراض جميع السفن التي تدفع لإيران مقابل المرور عبر المضيق، وهو قرار أثار جدلا قانونيا وسياسيا واسعا بشأن مشروعيته وتداعياته على حرية الملاحة الدولية. وفي اليوم الأول من إعلان الحصار، أفادت وسائل إعلام إيرانية بدخول 3 ناقلات نفط مرتبطة بإيران إلى الخليج عبر مضيق هرمز، في مؤشر على أن القرار الأمريكي قد يواجه تحديات عملية على أرض الواقع، كما يعكس استمرار طهران في تحدّي القرار الأمريكي.

ماذا عن اتفاقية قانون البحار؟

وفي خضم هذه التطورات، برز الجدل القانوني حول مدى مشروعية فرض الحصار، ومدى خضوع الولايات المتحدة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور حمزة بن علاق، الخبير في القانون الدولي المعتمد لدى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ت في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن مسألة التزام إيران باتفاقية قانون البحار تتطلب فهما دقيقا للقواعد القانونية الدولية، خاصة اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.

ويشير بن علاق إلى أن الدولة التي توقع على اتفاقية دولية دون أن تصادق عليها لا تعتبر طرفا كاملا في المعاهدة، لكنها تبقى ملزمة بعدم اتخاذ أي إجراء يحبط موضوع المعاهدة أو غرضها، وذلك وفق المادة 18 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. وبناء على ذلك، فإن إيران، رغم توقيعها على اتفاقية قانون البحار دون التصديق عليها، لا تخضع لكامل أحكامها، لكنها لا تكون أيضا خارج أي التزام قانوني.

ويضيف أن العديد من قواعد اتفاقية قانون البحار أصبحت جزءا من القانون الدولي العرفي، خاصة تلك المتعلقة بحرية الملاحة وتنظيم المرور في المضائق الدولية. وهذا يعني أن إيران تظل ملزمة بهذه القواعد، ليس باعتبارها طرفا في الاتفاقية، بل باعتبارها قواعد عرفية ملزمة لجميع الدول. وبذلك، فإن وضع إيران القانوني يقوم على التزام مزدوج، يتمثل في التزام سلبي بعدم الإضرار بهدف المعاهدة، والتزام إيجابي بالقواعد العرفية التي تعكسها الاتفاقية.

وفي سياق متصل، يشير بن علاق إلى الدول التي لم توقع ولم تصادق على اتفاقية قانون البحار، مثل تركيا والكيان الصهيوني، موضحا أن المادة 34 من اتفاقية فيينا تنص على أن المعاهدة لا تنشئ حقوقا أو التزامات لدولة ثالثة دون رضاها. وبالتالي، فإن هذه الدول لا تعتبر أطرافا في الاتفاقية ولا تلزم بأحكامها التعاقدية.

غير أن هذا لا يعني أنها خارج الإطار القانوني الدولي، إذ إن العديد من قواعد قانون البحار أصبحت عرفا دوليا ملزما، مثل حرية الملاحة ونظام المرور في المضائق الدولية. ولذلك، فإن هذه الدول تظل ملزمة بهذه القواعد، حتى في غياب التوقيع أو التصديق على الاتفاقية.

ويضيف بن علاق أن النقاش حول مضيق هرمز لا يمكن اختزاله في مسألة التوقيع والتصديق فقط، بل يجب النظر إليه ضمن منظومة أوسع من قواعد القانون الدولي. فمضيق هرمز يعد مضيقا دوليا يخضع لنظام المرور العابر الذي يضمن استمرار الملاحة، رغم أن جزءا من الممر الملاحي يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران. وهذا يمنح إيران حق التنظيم والإدارة دون الإخلال بحرية المرور العابر.

ويؤكد أن مطالبة الولايات المتحدة بحرية الملاحة في مضيق هرمز تستند إلى اعتبار هذه القواعد جزءا من القانون الدولي العرفي، وليس إلى التزام تعاقدي مباشر بالاتفاقية. غير أن هذا الموقف يثير إشكالية تتعلق بما يعرف بالانتقائية القانونية، حيث تتمسك الولايات المتحدة بالقواعد التي تخدم مصالحها، مثل حرية الملاحة، بينما تتحفظ على أجزاء أخرى من الاتفاقية، خاصة المتعلقة باستغلال أعماق البحار.

ويضيف بن علاق أن الولايات المتحدة وقعت على اتفاقية قانون البحار لكنها لم تصادق عليها، ما يمنحها مرونة قانونية تسمح لها بالمطالبة بحرية الملاحة دون الالتزام بكامل أحكام الاتفاقية. ويرى أن هذه المقاربة تعكس توظيفا سياسيا للقانون الدولي، حيث يتم التمسك بالقواعد التي تعزز المصالح الاستراتيجية وتجنب الالتزامات الأخرى. ويشير بن علاق إلى أن التطبيق العملي للقانون الدولي في هذه القضايا يبقى مرتبطا بتوازنات القوة والاعتبارات السياسية، ما يجعل القانون الدولي في بعض الأحيان أداة تستخدم في الصراع السياسي بقدر ما هو إطار قانوني منظم للعلاقات الدولية.

من جهة أخرى، يطرح ميخائيل ماهر، الخبير في القانون الدولي بواشنطن، قراءة مختلفة، حيث يرى أن الحديث عن انتهاك القانون الدولي في مضيق هرمز غالبا ما يتسم بقدر كبير من التضليل السياسي. ويؤكد أن التوقيع على الاتفاقية دون التصديق لا يخلق التزاما كاملا، بل يقتصر على الالتزام بعدم الإضرار بموضوع المعاهدة.

ويضيف ماهر – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن الدول التي لم توقع ولم تصادق على الاتفاقية لا تكون ملزمة بها تعاقديا، إلا في حدود القواعد التي تحولت إلى عرف دولي ملزم. ويرى أن التناقض يظهر في الموقف الأمريكي، حيث وقعت الولايات المتحدة على الاتفاقية دون التصديق عليها، لكنها تطالب الآخرين بالامتثال لها، وهو ما يثير إشكالية قانونية واضحة.

ويؤكد ماهر أن القانون الدولي يقوم على مبدأ الرضا الطوعي، ولا يمكن فرضه بشكل انتقائي على بعض الدول دون غيرها، إلا في حدود ما استقر عليه العرف الدولي. ويرى أن الحديث عن انتهاك إيران للقانون الدولي استنادا إلى اتفاقية لم تصادق عليها يظل طرحا سياسيا أكثر منه قانونيا. ويختم ماهر بأن القانون الدولي في ملف مضيق هرمز يستخدم في كثير من الأحيان كأداة خطابية في الصراع السياسي، وليس كمرجعية قانونية خالصة، وهو ما يعكس الطبيعة المعقدة للعلاقات الدولية، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية مع الحسابات الاستراتيجية.

حصار هرمز.. النفط نحو 150 دولارا

وفي سياق متصل، تزداد المخاوف من التداعيات الاقتصادية المحتملة للتوتر في مضيق هرمز، إذ توقع رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديميترييف أن ترتفع أسعار النفط قريبا لتتجاوز 150 دولارا للبرميل، في حال استمرار التوترات وتعطل حركة الملاحة في المضيق. وكتب ديميترييف على منصة “إكس” أن أسعار النفط “ستتجاوز قريبا 150 دولارا”، في إشارة إلى احتمال حدوث صدمة في أسواق الطاقة العالمية.

وكانت تقارير إعلامية قد أشارت إلى أن أسعار النفط سجلت بالفعل مستويات مرتفعة خلال الأيام الماضية، في ظل المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية، خاصة أن مضيق هرمز يعد من أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم. ويعبر هذا التطور عن حجم التأثير الذي يمكن أن يترتب على أي توتر في هذا المضيق الحيوي.

وفي الموقف الأوروبي، أقرت رئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس بأن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى رؤية واضحة بشأن طبيعة التحركات الأمريكية في مضيق هرمز. وأكدت في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية أن الإجراءات الأمريكية لا تزال غير واضحة بالكامل، مشددة على أن المبدأ الأساسي يجب أن يقوم على رفض فرض أي رسوم أو قيود على الملاحة في الممرات البحرية الدولية.

وأضافت كالاس أن عرقلة مرور السفن، خاصة تلك التي تحمل إمدادات الطاقة والمواد الأساسية، قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أن أوروبا مستعدة للعمل مع شركائها الدوليين لضمان أمن الملاحة، لكنها ربطت هذا التحرك بانتهاء العمليات القتالية أولا.

وفي ظل هذه التطورات، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية بدء حصار بحري لمضيق هرمز، تنفيذا لأوامر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بعد فشل المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران. في المقابل، رفضت إيران هذه الخطوة، واعتبرتها غير مجدية، محذرة من أن أي محاولة لفرض حصار ستواجه بتداعيات خطيرة، في وقت حذر فيه خبراء من احتمال حدوث اضطرابات كبيرة في الاقتصاد العالمي نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز.