الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

منظمة العمل الدولية تدق ناقوس الخطر بشأن الصحة النفسية في أماكن العمل

Author
صبرينة عيلان 08 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

دقت منظمة العمل الدولية ناقوس الخطر بشأن التداعيات النفسية الخطيرة المرتبطة بالعمل، بعدما كشفت في تقرير حديث أن المخاطر النفسية والاجتماعية، وعلى رأسها الإجهاد المهني، وساعات العمل الطويلة، والمضايقات، وانعدام الاستقرار الوظيفي، تتسبب في وفاة نحو 840 ألف شخص سنويا عبر العالم، نتيجة الإصابة بأمراض القلب والاضطرابات النفسية والعقلية.

ويأتي هذا التحذير في سياق عالمي يشهد تصاعدا غير مسبوق في معدلات القلق والاحتراق النفسي والاكتئاب المرتبط ببيئة العمل، ما يعكس تحوّل الضغوط المهنية من مجرد إشكال تنظيمي أو إداري إلى أزمة صحية ونفسية ذات أبعاد إنسانية واقتصادية عميقة.

الضغط النفسي المستمر يقود إلى الاستنزاف المزمن

وفي هذا السياق، أكدت المختصة النفسانية، حسيبة سي العربي، في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، أن الأرقام التي كشفت عنها منظمة العمل الدولية ليست مجرد معطيات إحصائية معزولة، بل مؤشرات خطيرة على تحولات نفسية عميقة يعيشها الإنسان المعاصر داخل فضاءات العمل، موضحة أن الضغوط المهنية المتراكمة أصبحت تؤثر بشكل مباشر على التوازن النفسي والعاطفي وحتى الجسدي للفرد، خاصة عندما تتحول بيئة العمل من فضاء للإنتاج وتحقيق الذات، إلى مصدر دائم للتوتر والاستنزاف والإنهاك الداخلي.

وأضافت المتحدثة أن الإنسان عندما يتعرض بشكل مستمر لضغط نفسي مرتفع، دون فترات راحة أو دعم نفسي أو شعور بالتقدير والاستقرار، يدخل تدريجيا فيما يعرف بـ”الاستنزاف النفسي المزمن”، وهي حالة يصبح فيها العقل والجسد في حالة استنفار دائم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر واضطرابات النوم والانفعال العصبي، قبل أن تتطور في كثير من الحالات إلى اكتئاب حاد أو اضطرابات قلبية ووعائية خطيرة.

وأوضحت حسيبة سي العربي أن الخطورة الحقيقية للمخاطر النفسية المرتبطة بالعمل تكمن في كونها صامتة وتراكمية، إذ لا تظهر آثارها بشكل فجائي، بل تتسلل تدريجيا إلى شخصية الفرد وسلوكه وصحته الجسدية والنفسية، مؤكدة أن الموظف قد يبدو ظاهريا متماسكا ومنتجا، بينما يعيش داخليا حالة إنهاك نفسي عميقة قد تقوده إلى الانهيار المفاجئ أو العزلة أو فقدان الدافعية للحياة والعمل.


وفي تحليلها النفسي لظاهرة الإجهاد المهني، أشارت المختصة النفسانية إلى أن ساعات العمل الطويلة والضغوط المستمرة تخلق لدى الفرد شعورا دائما بفقدان السيطرة على حياته الشخصية، ما يؤدي إلى اختلال التوازن بين الحياة المهنية والعائلية والاجتماعية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية وحتى الإحساس بالأمان الداخلي.

كما شددت على أن غياب التقدير المعنوي، وعدم التوازن بين الجهد المبذول والمكافأة المتحصل عليها، يُعدّان من أبرز العوامل التي تُنتج الإحباط النفسي داخل المؤسسات، لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الراتب، بل يحتاج أيضا إلى الاعتراف بقيمته وشعوره بأن مجهوده مُقدّر ومحترم. وأضافت أن الشعور المستمر بعدم التقدير يولّد، مع الوقت، حالة من العدائية الصامتة والانسحاب النفسي وفقدان الانتماء المهني.
وتطرقت المختصة النفسانية أيضا إلى تأثير المضايقات والتنمّر داخل بيئات العمل، معتبرة أن هذا النوع من السلوكيات يترك ندوبا نفسية عميقة قد تستمر لسنوات، خاصة عندما يشعر الضحية بالعجز أو الخوف من فقدان منصبه. وأوضحت أن التعرّض المستمر للإهانة أو التحقير أو الضغط النفسي داخل العمل، قد يدفع الفرد إلى اضطرابات القلق الحاد وفقدان الثقة بالنفس واضطرابات الهوية المهنية، وقد يصل الأمر أحيانا إلى العزلة الاجتماعية أو الانهيار النفسي الكامل.

وأكدت حسيبة سي العربي أن انعدام الأمن الوظيفي يعد بدوره من أخطر مصادر القلق النفسي في العصر الحديث، لأن الخوف المستمر من فقدان العمل يضع الإنسان في حالة توتر دائم، ويجعله يعيش حالة ترقب نفسي مرهق، تؤثر على تركيزه واستقراره العاطفي وقدرته على التخطيط لمستقبله.

وفي قراءتها للأبعاد الاجتماعية للتقرير، أوضحت المتحدثة أن تدهور الصحة النفسية داخل أماكن العمل لا ينعكس فقط على الفرد، بل يمتد أثره إلى الأسرة والمجتمع ومردودية الاقتصاد ككل، لأن العامل المنهك نفسيًا يصبح أقل إنتاجية وأكثر عرضة للأخطاء والأمراض والانقطاع عن العمل، وهو ما يفسر الكلفة الاقتصادية الضخمة التي تحدثت عنها المنظمة الدولية.

كما دعت المختصة النفسانية إلى ضرورة إعادة النظر في الثقافة المهنية السائدة داخل العديد من المؤسسات، والتي تربط النجاح بالإفراط في العمل والضغط المتواصل، مؤكدة أن بيئة العمل الصحية لا تُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضًا بقدرتها على حماية التوازن النفسي والكرامة الإنسانية للعامل.

وشددت حسيبة سي العربي على أن الصحة النفسية في العمل لم تعد ترفا اجتماعيا أو ملفا ثانويا، بل أصبحت جزءا أساسيا من الأمن الصحي والاجتماعي للدول، داعية إلى تعزيز برامج الدعم النفسي داخل المؤسسات، وتكوين المسؤولين في مجال إدارة الضغوط النفسية، وفتح فضاءات للحوار والإنصات داخل أماكن العمل، بما يسمح ببناء بيئة مهنية أكثر إنسانية وتوازنا واستقرارا.

إدارة العمل دون بعد إنساني تهدد الاستقرار النفسي

من جهتها أكدت الأخصائية الاجتماعية، سعودي نوال، في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، أن بيئة العمل اليوم لم تعد مجرد فضاء مهني محايد، بل أصبحت عاملا حاسما في تشكيل التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، سواء نحو الاستقرار أو نحو الاضطراب والإنهاك، خاصة في ظل تزايد الضغوط المستمرة، وغياب التقدير، وتوتر العلاقات المهنية، وعدم استقرار المسار الوظيفي.

وأوضحت المتحدثة أن هناك فرقا جوهريا بين الضغط المهني العادي، وبين المخاطر النفسية والاجتماعية المزمنة داخل العمل، مشيرة إلى أن الضغط العادي غالبا ما يكون مؤقتا ومحددا بمهام أو فترات زمنية معينة، ويمكن التحكم فيه والتكيّف معه دون أن يترك آثارا طويلة المدى على الصحة النفسية، في حين أن المخاطر النفسية المستمرة تتحول مع الوقت إلى حالة من الإرهاق العميق، قد تتطور إلى اضطرابات مثل الاكتئاب، فقدان الدافعية، أو حتى الانسحاب المهني الكامل.


وأضافت سعودي نوال أن الأخطر في بيئات العمل الحديثة لا يكمن في حجم المهام، بقدر ما يكمن في طبيعة المناخ النفسي والاجتماعي الذي يحيط بالعامل، موضحة أن هناك عاملين أساسيين يشكلان أكبر مصدر للضغط النفسي داخل المجتمعات المعاصرة.
العامل الأول، حسب تصريحها، يتمثل في انعدام الأمن الوظيفي، إذ يعيش الفرد في حالة قلق دائم من المستقبل المهني، دون شعور حقيقي بالاستقرار، ما يجعله في حالة ترقب مستمر وكأنه تحت تهديد غير معلن، وهو وضع نفسي يستهلك طاقة الإنسان الذهنية والعاطفية بشكل كبير، ويؤثر على قدرته على الإبداع والاستقرار.

أما العامل الثاني، فتتمثل خطورته في غياب التوازن بين الجهد المبذول والمكافأة المتحصل عليها، إذ يؤدي هذا الاختلال إلى شعور عميق بعدم العدالة داخل بيئة العمل، ما يولّد الإحباط وفقدان الحافز، ويجعل الفرد يشعر بأن جهده لا يُقابل بالتقدير الكافي، وهو ما اعتبرته المتحدثة أحد أخطر مصادر الانهيار النفسي الصامت داخل المؤسسات.

وأكدت الأخصائية الاجتماعية أن غياب التقدير لا ينعكس فقط على الأداء المهني، بل يمس بشكل مباشر كرامة الإنسان، لأن الإحساس بالظلم – كما تقول – يضرب جوهر الذات الإنسانية قبل أن يرهق الجسد، مشيرة إلى أن الكثير من حالات الانسحاب المهني أو فقدان الشغف لا تكون ناتجة عن ضغط العمل في حد ذاته، بل عن الشعور المستمر بالتهميش وعدم الاعتراف بالقيمة.

وشددت سعودي نوال على أن الإشكال الحقيقي في بيئات العمل المعاصرة لا يتعلق بالعمل نفسه، بل بكيفية تنظيمه وإدارته ودرجة إنسانيته، موضحة أن المؤسسات التي تركز فقط على الإنتاج دون مراعاة البعد الإنساني تخلق بيئات طاردة نفسيا، حتى وإن كانت ناجحة اقتصاديا في المدى القصير.

ودعت الأخصائية الاجتماعية إلى إعادة بناء فلسفة العمل على أساس التوازن والعدالة النفسية، معتبرة أن حماية العامل نفسيا واجتماعيا لم تعد خيارا، بل ضرورة لضمان استمرارية الإنتاج والاستقرار داخل المؤسسات، لأن العامل المستقر نفسيا هو أكثر قدرة على العطاء من العامل المرهق والمستنزف مهما كانت كفاءته.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية