الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
العرب

الحرم الإبراهيمي بلا أذان منذ 100 يوم.. معركة على هوية المقدسات

Author
سارة حميدي 03 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد منع الأذان في الحرم الإبراهيمي بالخليل إجراءً عابرًا في نظر الفلسطينيين، بعدما تواصل لأكثر من مئة يوم، في مشهد يضع واحدًا من أقدس المساجد في فلسطين أمام واقع ديني جديد تحاول سلطات الاحتلال تكريسه تدريجيًا، فحين يُمنع صوت الأذان وتُغلق أجزاء من الحرم وتُفرض قيود على أعداد المصلين وأوقات وجودهم لا يتعلق الأمر فقط بمنع شعيرة دينية، وإنما بصراع على هوية المكان ومن يملك حق تقرير كيفية ممارسة العبادة فيه.

ويطرح استمرار هذه الإجراءات سؤالًا أوسع يتمثل في: هل نحن أمام مسار متدرج يهدف إلى إعادة تشكيل واقع الحرم الإبراهيمي وفرض تقسيمات جديدة عليه، بما ينسجم مع رواية دينية وسياسية تسعى إلى تكريس الوجود الصهيوني في قلب الخليل؟

من منع الأذان إلى تغيير واقع الحرم

يرى المحلل السياسي الفلسطيني صالح الشقباوي في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ما يجري في الحرم الإبراهيمي يأتي في سياق محاولة لفرض وقائع جديدة، من خلال إغلاق أجزاء من الحرم وتقليص أعداد المصلين المسلمين والحد من رفع الأذان، معتبرًا أن هذه الإجراءات تستهدف تغيير الطابع الديني للمكان وفرض شروط جديدة على الوجود الإسلامي فيه.

ويذهب الشقباوي في تصريحاته إلى أن الاحتلال لا يتعامل مع الحرم باعتباره موقعًا دينيًا فحسب، وإنما ينطلق من سردية توراتية يعتبرها أساسًا لفرض السيطرة على المكان، وهو ما يرفضه باعتباره توظيفًا للرواية الدينية في تبرير السيطرة السياسية والميدانية.

وفي هذا السياق، يربط الشقباوي ما يحدث في الخليل بما يصفه بتصاعد نفوذ اليمين الصهيوني المتطرف، معتبرًا أن الصراع لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض، وإنما امتد إلى المقدسات وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي والمسجد الأقصى.

صراع على الرواية أم على المكان؟

لا يفصل الشقباوي بين الإجراءات المفروضة في الحرم الإبراهيمي وبين الصراع الأوسع حول الرواية التاريخية والدينية التي تستند إليها الاحتلال الصهيوني في تبرير وجوده وسيطرته على أجزاء من الأراضي الفلسطينية.

ويطرح في هذا السياق تساؤلات حول الأساس الذي تستند إليه الرواية التوراتية المتعلقة بامتلاك الأرض، مشيرًا إلى أن إبراهيم عليه السلام جاء إلى أرض كنعان مهاجرًا من موطنه الأصلي، وبالتالي فإن تحويل قصة إبراهيم إلى أساس لحق حصري في امتلاك الأرض يظل، في نظره، محل اعتراض تاريخي وديني.

كما يشدد على أن إبراهيم عليه السلام لا يمكن اختزاله في هوية دينية لاحقة، مؤكدًا من المنظور الإسلامي أنه كان موحدًا لله، وأن إرثه الديني لا يمكن احتكاره من قبل جماعة دينية واحدة.

ومن هنا، يرى المتحدث ذاته أن الصراع في الخليل لا يدور فقط حول جدران الحرم وأبوابه ومواعيد الصلاة، وإنما حول الرواية التي ستحدد هوية المكان وموقعه في الذاكرة الدينية والتاريخية.

الخليل في قلب معركة المقدسات

الحرم الإبراهيمي ليس موقعًا دينيًا هامشيًا في الخليل، فهو يرتبط في الموروث الديني بقصة إبراهيم عليه السلام ويحظى بمكانة مركزية لدى المسلمين، ولهذا فإن فرض قيود متواصلة على العبادة الإسلامية داخل الحرم يحمل بالنسبة إلى الفلسطينيين دلالة تتجاوز كل إجراء منفرد، فالتغيير المتدرج في ساعات الصلاة ومساحات الوصول ورفع الأذان وأعداد المصلين، يمكن أن يتحول مع الوقت إلى واقع دائم إذا لم تتم مواجهته سياسيًا وقانونيًا وميدانيًا.

ومن هذه الزاوية، تصبح الأيام المئة التي مُنع فيها الأذان أكثر من مجرد رقم، فهي تعكس في القراءة الفلسطينية، مسارًا متراكمًا من الإجراءات التي يمكن أن تعيد تعريف علاقة المسلمين بمقدسهم في الخليل.

من الخليل إلى الأقصى.. معركة واحدة؟

ويضع المحلل السياسي الفلسطيني ما يجري في الحرم الإبراهيمي ضمن سياق أوسع يشمل المسجد الأقصى، معتبرًا أن اليمين الصهيوني المتطرف يسعى، وفق رؤيته، إلى نقل الصراع من السيطرة على الجغرافيا إلى فرض وقائع جديدة على المقدسات.

ويشير المتحدث ذاته إلى الخطاب المتصاعد حول المسجد الأقصى وما يرتبط بموقع الهيكل في المعتقد اليهودي، معتبرًا أن ذلك يكشف عن انتقال الصراع إلى مستوى ديني أكثر وضوحًا، وهنا تتقاطع الخليل والقدس في سؤال واحد هو إلى أي حد يمكن أن يؤدي فرض الوقائع الميدانية المتراكمة إلى تغيير الوضع القائم في الأماكن المقدسة؟

عندما يصبح الأذان عنوانًا للصراع

بعد أكثر من مئة يوم من منع الأذان، لم يعد السؤال متعلقًا بصوت يرتفع من مئذنة الحرم الإبراهيمي فحسب، بل بما إذا كانت الإجراءات المتراكمة ستؤدي إلى إعادة صياغة واقع العبادة داخل المكان، فالأذان في هذه الحالة يتحول إلى عنوان لصراع أوسع على حرية العبادة وهوية المكان وحق الفلسطينيين في الوصول إلى مقدساتهم وممارسة شعائرهم فيها.

وبينما تستمر الإجراءات الصهيونية على الأرض، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة القانون الدولي والمؤسسات الدولية والعربية والإسلامية على منع تحويل القيود المؤقتة إلى واقع دائم، وحول ما إذا كان الحرم الإبراهيمي سيظل مساحة للعبادة وفق ترتيباتها التاريخية، أم أن الوقائع التي تُفرض يومًا بعد آخر ستعيد رسم المشهد داخله.

↑