الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

من أكرا.. إفريقيا تداوي هشاشتها الصحية بخارطة طريق حتى 2030

Author
راضية زبانة 22 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

انطلقت، أمس الثلاثاء، بالعاصمة الغانية أكرا، أشغال القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي حول الصحة، بمشاركة رؤساء دول وحكومات ووزراء وخبراء وممثلين عن منظمات إقليمية ودولية، لبحث سبل تعزيز النظم الصحية في القارة، وتسريع الجهود الرامية إلى القضاء على الإيدز والسل، وخفض وفيات الأمهات والأطفال، إلى جانب توسيع التغطية الصحية الشاملة. ويضع الاتحاد الإفريقي هذه القمة ضمن أولوياته القارية، انطلاقا من قناعته بأن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة الدول على بناء أنظمة صحية قوية وقادرة على الاستجابة للأزمات.

 وتستمر القمة يومين تحت شعار “تعزيز العدالة والإنصاف والتغطية الصحية الشاملة: القضاء على الإيدز والسل، وتحسين صحة الأمهات، ومواجهة الأمراض غير السارية والأمراض المدارية المهملة، وتعزيز النظم الصحية في إفريقيا”. ويهدف الاتحاد الإفريقي إلى اعتماد خارطة طريق تمتد إلى غاية عام 2030، ترتكز على تطوير الخدمات الصحية، وتعزيز التمويل، ورفع جاهزية الدول لمواجهة الطوارئ الصحية، إلى جانب دعم التصنيع المحلي للأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية، وهي محاور تحظى بدعم المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC)، الذي يدعو منذ سنوات إلى بناء منظومة صحية إفريقية أكثر اعتمادا على القدرات الذاتية.

واستهل المشاركون أشغال القمة باجتماعات جمعت خبراء ووزراء الصحة والمالية والخارجية والتخطيط، لمناقشة مشروع خارطة الطريق وآليات تمويل القطاع الصحي، قبل عرض التوصيات على قمة رؤساء الدول والحكومات لاعتمادها. وتركز المناقشات على رفع جاهزية الأنظمة الصحية، وتحسين فرص الحصول على خدمات الرعاية الأساسية، وتعزيز التعاون العلمي والبحثي، فضلا عن توسيع الاستثمار في الصناعات الدوائية، بما يحد من تأثر الدول الإفريقية بالأزمات الدولية التي تؤثر في سلاسل الإمداد.

ويحظى هذا اللقاء بأهمية خاصة، لأن القارة الإفريقية ما تزال تواجه أعباء صحية كبيرة. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن إفريقيا تتحمل نسبة مرتفعة من العبء العالمي للأمراض المعدية، في وقت تعاني فيه عدة دول من محدودية الإنفاق الصحي ونقص الكوادر الطبية والتجهيزات، وهو ما يجعل إصلاح المنظومات الصحية أولوية تتقدم على كثير من الملفات التنموية الأخرى. وتؤكد تقارير الاتحاد الإفريقي أيضا أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030 يتطلب استثمارات أكبر في البنية الصحية، إلى جانب توسيع برامج الوقاية والكشف المبكر والعلاج.

السيادة الصحية تتصدر أولويات القمة

وفي قراءته لأهمية هذه القمة، يوضح الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن انعقادها يأتي في توقيت بالغ الأهمية، بعد سلسلة من الأزمات الصحية التي كشفت نقاط الضعف داخل المنظومات الصحية الإفريقية. ويبين أن جائحة كوفيد-19 أظهرت بوضوح حجم اعتماد القارة على الأسواق الخارجية في توفير اللقاحات والأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي دفع العديد من الحكومات إلى إعادة ترتيب أولوياتها الصحية، ووضع قضية السيادة الصحية ضمن صدارة السياسات العمومية.

الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة

ويعتقد عنان أن القمة تمثل فرصة لتوحيد الرؤية الإفريقية بشأن مستقبل القطاع الصحي، والانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط طويل المدى. ويشير إلى أن الدول الإفريقية تمتلك إمكانات بشرية وعلمية تؤهلها لبناء منظومة صحية أكثر استقلالية، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقا أوثق بين الحكومات، وتطوير التشريعات، وتوفير موارد مالية مستقرة، إلى جانب دعم المؤسسات القارية، وفي مقدمتها المركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، الذي اضطلع خلال السنوات الأخيرة بدور محوري في تنسيق الاستجابة الصحية بين الدول الأعضاء.

ويواصل أستاذ اقتصاديات الصحة توضيح رؤيته بالإشارة إلى أن نجاح القمة يرتبط بقدرة القادة الأفارقة على تحويل الالتزامات السياسية إلى برامج تنفيذية واضحة، تشمل جداول زمنية محددة وآليات متابعة وتقييم، حتى تتمكن الدول من قياس مستوى التقدم في تنفيذ الأهداف المعلنة. ويرى أن التجارب السابقة أظهرت أهمية الانتقال من مرحلة إصدار التوصيات إلى مرحلة تنفيذ المشاريع، خاصة في مجالات تطوير البنية التحتية الصحية، وتكوين الموارد البشرية، وتحسين سلاسل الإمداد الدوائي، وتوسيع استخدام التقنيات الرقمية في إدارة الخدمات الصحية.

ويضيف عنان أن أجندة القمة لا تركز على مكافحة الأمراض المعدية وحدها، بل تشمل أيضا الأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان، التي تشهد تزايدا ملحوظا داخل القارة. ويبين أن هذه الأمراض تفرض ضغوطا إضافية على الأنظمة الصحية، الأمر الذي يقتضي تعزيز برامج الوقاية، وتطوير خدمات الرعاية الأولية، ورفع مستوى الوعي الصحي، حتى تتمكن الدول الإفريقية من التعامل مع مختلف التحديات الصحية ضمن رؤية متكاملة تقوم على الوقاية والعلاج والاستعداد المبكر للأزمات.

ويتناول جدول أعمال القمة أيضا الهدف الذي حدده الاتحاد الإفريقي بالقضاء على الإيدز والسل بحلول عام 2030، وهو هدف ينسجم مع الالتزامات القارية والدولية الرامية إلى الحد من الأمراض المعدية وتحسين مؤشرات الصحة العامة. وتؤكد تقارير برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية (UNAIDS) ومنظمة الصحة العالمية أن إفريقيا حققت تقدما خلال السنوات الأخيرة في توسيع فرص العلاج والوقاية، غير أن القارة ما تزال تستحوذ على النسبة الأكبر من الإصابات بفيروس نقص المناعة البشرية، في حين يواصل السل تسجيل معدلات مرتفعة في عدد من الدول، الأمر الذي يفرض تسريع وتيرة العمل خلال السنوات المقبلة.

القضاء على الإيدز والسل بحلول 2030

وفي هذا الإطار، يرى الدكتور إسلام عنان أن الوصول إلى هذا الهدف يظل ممكنا إذا كثفت الحكومات الإفريقية استثماراتها في القطاع الصحي، ووسعت برامج الوقاية والكشف المبكر، وضمنت استمرارية العلاج للفئات الأكثر عرضة للإصابة. ويشير إلى أن عددا من الدول لا يزال يواجه تحديات ترتبط بمحدودية الموارد المالية، وضعف البنية التحتية الصحية، ونقص الكوادر الطبية، إضافة إلى التفاوت في فرص الحصول على خدمات التشخيص والعلاج بين المدن والمناطق الريفية والنائية.

ويتابع المتحدث أن اعتماد عدد من الدول الإفريقية على التمويل الخارجي في تنفيذ برامج مكافحة الإيدز والسل يفرض تحديات إضافية، لأن أي تغيير في أولويات الجهات المانحة قد يؤثر في استمرارية هذه البرامج. ويرى أن هذا الواقع يدفع الحكومات إلى تنويع مصادر التمويل، ورفع كفاءة الإنفاق الصحي، وتعزيز مساهمة الميزانيات الوطنية، إلى جانب الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير أنظمة الترصد الوبائي، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة في التشخيص والمتابعة، بما يسمح بالتدخل السريع عند ظهور أي بؤر وبائية.

ويحتل ملف تصنيع الأدوية واللقاحات داخل القارة موقعا متقدما على جدول أعمال القمة، انسجاما مع الاستراتيجية التي يتبناها الاتحاد الإفريقي والمركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها لرفع نسبة الإنتاج المحلي من اللقاحات والأدوية الأساسية. وتؤكد تقارير Africa CDC أن القارة تستورد النسبة الأكبر من احتياجاتها الدوائية، وهو وضع كشف عن مخاطره خلال جائحة كوفيد-19، عندما واجهت دول عديدة صعوبات في الحصول على اللقاحات والمستلزمات الطبية بسبب اضطرابات التجارة العالمية وارتفاع الطلب.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يعتبر عنان أن تطوير الصناعة الدوائية الإفريقية يمثل أحد أهم مرتكزات الأمن الصحي، لأنه يحد من الاعتماد على الأسواق الخارجية، ويضمن استمرارية توفير الأدوية واللقاحات الأساسية، خاصة خلال الأزمات الدولية. ويردف أن هذا المسار يدعم نقل التكنولوجيا، ويحفز الابتكار والبحث العلمي، ويوفر فرص عمل للكفاءات الإفريقية، إلى جانب مساهمته في تنويع الاقتصادات الوطنية ورفع القيمة المضافة للصناعات الصحية.

ويستدرك أستاذ اقتصاديات الصحة بأن بلوغ هذا الهدف يتطلب معالجة مجموعة من التحديات، في مقدمتها ضعف الاستثمارات، ومحدودية القدرات الصناعية، ونقص التكنولوجيا المتقدمة، وصعوبة الحصول على التمويل طويل الأجل. ويضيف أن الدول الإفريقية تحتاج أيضا إلى توحيد الأطر التنظيمية والرقابية، وتأهيل الموارد البشرية، وتوسيع التعاون مع الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، حتى تتمكن من إنتاج أدوية ولقاحات تستجيب للمعايير الدولية وتلبي احتياجات سكان القارة.

ويشير عنان إلى أن التحول الرقمي يمثل بدوره أحد العناصر الأساسية في تطوير المنظومات الصحية الإفريقية، إذ تسهم التقنيات الحديثة في تحسين إدارة البيانات الصحية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع خدمات الطب عن بعد، خاصة في المناطق البعيدة التي تعاني نقصا في الأطباء والتجهيزات. ويرى أن الاستثمار في البنية الرقمية سيمنح الحكومات أدوات أكثر فاعلية لاتخاذ القرار، ومتابعة انتشار الأمراض، وتحسين جودة الخدمات الصحية.

وتنسجم هذه الرؤية مع توجهات الاتحاد الإفريقي، الذي يضع بناء أنظمة صحية قادرة على الصمود ضمن أولوياته خلال السنوات المقبلة، انطلاقا من قناعة مفادها أن الأمن الصحي يرتبط بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، وأن الاستثمار في الصحة ينعكس مباشرة على النمو والإنتاجية والاستقرار. ولهذا السبب، تحرص الدول الأعضاء على توسيع مجالات التعاون القاري، وتبادل الخبرات، والاستفادة من التجارب الناجحة في التصنيع الدوائي، والتكوين، والبحث العلمي.

ويختتم الدكتور إسلام عنان حديثه بالتأكيد على أن نجاح القمة يرتبط بمدى التزام الدول الإفريقية بتنفيذ القرارات التي تعتمدها، وتحويلها إلى برامج ومشاريع قابلة للقياس والمتابعة وفق جداول زمنية واضحة. ويرى أن القارة تمتلك اليوم فرصة لتعزيز قدراتها الذاتية، وبناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستقلالية، إذا نجحت الحكومات في توظيف الإرادة السياسية، وتعبئة الموارد، وتعزيز التعاون الإفريقي المشترك. ويخلص إلى أن تحقيق السيادة الصحية يمثل ركيزة أساسية لضمان أمن المجتمعات الإفريقية، ورفع جاهزية الأنظمة الصحية لمواجهة التحديات التي قد تفرضها الأوبئة والأزمات خلال السنوات المقبلة.