الإثنين، 20 يوليو 2026 — 3 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

من أوراق الدكتور المصري “عمر الدسوقي”.. صدى الثورة الجزائرية في الشعر العربي الحديث (الجزء الأول)

Author
محمد ياسين رحمة 08 يوليو 2025
X Facebook TikTok Instagram

تميّزت ثورة التحرير الجزائرية بأنها ثورةٌ متعدّدة الأبعاد، فلم تكتف بالبُعد الوطني فحسب بل تعدّت إلى البُعدين: العالمي والإنساني، لذلك صارت كلمات: الحرية، البطولة، الكرامة، العزّة، الصمود.. من المرادفات الأصيلة لكلمة “الجزائر”. ولا عجب، فهذه الكلمات فقدت معانيها في أيّامنا هذه ولم تعد تعني شيئا بمُفردها، لذلك يجب إدراك معانيها وهي مقترنة بالجزائر وفلسطين.. ومن الإنصاف أن نعترف بفضل الجزائر وفلسطين في الحفاظ على معاني الكلمات “النبيلة” المُهدَّدة بـ “الفصام اللغوي”، وأيضًا بفضل غزّة في الحفاظ على قاموس البطولة والصمود.. وكثيرٍ من الكلمات التي تتعرّض معانيها للإبادة تمامًا مثلما يتعرّض الشعب الفلسطيني للإبادة في غزّة.

وعن معنى الجزائر، يقول شاعر الثورة “مفدي زكرياء” في إلياذته:

جَزائرُ أنتِ عَروسُ الدُّنا — ومنكِ استمَدَّ الصَّباحُ السَّنا

وأنتِ الجِنان الذي وعَدوا — وإن شغلونا بطيب المُنى!

وأنتِ الحنان، وأنتِ السَّما — حُ وأنتِ الطِّماح، وأنت الهنَا

وأنتِ السُّمو، وأنت الضميـ — ر الصَّـريحُ الذي لم يخُنْ عهدنا

ومنك استمد البُناةُ البقـ — اءَ فكان الخلود أساسَ البنا

وألهمتِ إنسانَ هَذا الزَّمانِ — فكان بأخلاقنا مُومنا

وعلّمتِ آدمَ حبَّ أخيهِ — عساه يسير على هَدينا!

وقد تغنّى معظم الشعراء العرب بثورة التحرير الجزائرية خلال خمسينيات القرن الماضي، ومنهم من خصّها بديوان كامل في أعماله الشعرية. غير أن معظم الأشعار تميّزت بالانفعالية والعاطفة الملتهبة ولم تنصرف إلى شخصية الثوريّ والثورة في حدّ ذاتها، وربما يعود هذا إلى طبيعة التعبير باللغة الشِّعرية التي تنحاز إلى الخيال والانفعال على حساب الواقع والحقيقة. ومن الذين تنبّهوا إلى هذه النقطة، الشاعر الأردني “عيسى الناعوري” عندما كتب عن المجاهدة “جميلة بوحيرد”، ورأى بأن السرّ في قوّتها وصلابتها وبطولتها هو انتماؤها إلى الجزائر، فتلك العناصر هي من خصائص الإنسان الجزائري الأصيل.

أما عن الانفعالية في الشعر، فقد عبّرت عنها الشاعرة العراقية “نازك الملائكة” عندما رأت بأن ” كل ما قيل من شِعرٍ في جميلة (بوحيرد) لا يتكافأً أبدا مع ما لاقته من عذاب، بل (نازك) تخجل من هذا الشعر”. وخاطبت “الملائكةُ” المجاهدةَ البطلة “جميلة” ساخرةً من كل الشعر العربي الذي قيل فيها آنذاك، قالت: “لا تبكِ، ألسنا نغنّي لك ونُشيد ببطولتك، وحين تتحرّق شفتاك ظمأً نسكب نحنُ الألحانَ والأغنيات، ألا يكفي هذا؟ وماذا فعلنا لإنقاذها؟ لا لا شيء سوى الهتاف بحياتها، لقد رحنا نتغنّى بجمالها الذي أكلته القيود، وأثرينا شعرنا بالمعاني المُستمدّة من مأساتها. فيا للعار، إذا كان الفرنسيون قد جرحوها بأنيابهم فقد جرحناها بأشعارنا التي تتضاءل حزنًا أمام مأساتها”. ومن المُجدي الإشارة إلى أن هذا ما يحدث الآن مع غزّة.. بل هذا ما حدث ويحدث منذ أكثر من سبيعين عامًا مع فلسطين!

ولعل “جميلة بوحيرد” هي المرأة الأولى في العالم التي نزفَت من أجلها أقلام الأحرار بكل اللغات في مختلف أنحاء العالم، إضافة ما لم يُحص بعد من القصائد للشعراء العرب، وأعمال فنيّة أخرى مثل فيلم “جميلة” عام 1958، من إخراج “يوسف شاهين”، وسيناريو وحوار: “نجيب محفوظ” و”عبد الرحمن الشرقاوي”.. إضافة إلى “أوبريت جميلة” للشاعر المصري “كامل الشناوي”، التي لم تر النور على ركح المسرح، ولم تصدر بشكل منفردٍ في كتاب بل صدرت متأخّرةً ضمن كتاب (الذين أَحَبُّوا “ميّ” و”أوبريت جميلة”)..

وفي سياق الحديث عن “أوبريت جميلة”، تدعو جريدة “الأيام نيوز” إلى تعاون المبدعين العرب: شعراء، كُتّاب، ملحّنين، موسيقيين، مطربين، ممثلين، منتجين.. إلى إنجاز أوبرات عالمية عن غزّة بلغات عالمية متعدّدة، فربّما مثل هذا العمل يكون أكثر جدوى وفعالية لخدمة الشعب الفلسطيني في غزّة.

دراسات كثيرة تناولت الثورة الجزائرية في الشعر العربي، ومن بينها هذه الدراسة التي كتبها الدكتور المصري “عمر الدسوقي”، عندما كان أستاذا في جامعة قسنطينة، وألقاها محاضرةً في قاعة المحاضرات الجامعية في الجزائر عام 1968. ثم قام المؤرّخ الجزائري الدكتور “أبو القاسم سعد الله” بنشرها في مجلة “الثقافة” الجزائرية في شهر أوت 1982، وقدّم لها بمقالٍ حول علاقته بالدكتور “الدسوقي”، وكيف حصل على المحاضرة مرقونةً بالآلة الكاتبة.. وفيما يلي، نترك القارئ يستكشف “صدى الثورة الجزائرية في الشعر العربي الحديث”..

مدخل إلى الأدب والثورة

إن حديثي عن صدى الثورة الجزائرية في الشعر العربي الحديث، لا يُسوّغ لي أن أتحدث بينكم عن الثورة الجزائرية لمَ قامت؟ وكيف شبّت؟ وماذا أنجزت؟ فأنتم أبطالها وصانعوها، والحرّاس على منجزاتها، والعاملون المخلصون على أن يجني هذا الشعب الحر الكريم ثمار الجهاد الطويل المرير، والتضحيات والفداء والدم الغالي الذي روى ثرى هذه الأرض الطيبة رغدًا من العيش، وأمنًا وطمأنينة، ولحاقًا بركب الأمم القوية المتقدمة في حضارتها.

لم تكن ثورة نوفمبر 1954 أُولى ثورات هذا الشعب الأبيّ، فقد شبّت من قبلها ثورات وثورات منذ قام الأمير عبد القادر بثورته الخالدة، ولكن الغاصب الأثيم استطاع أن يقضي على هاتيك الثورات، وإن بقيت جذواتها في الصدور، وقد ظنّ يوما من الأيام أن جذوة الحرية قد انطفأت، وأنه بطش بهذا الشعب بطشة عاتية فهو لن يفيق أبدا، وإن أحكم قيوده، وشدّ عليه المنافذ والأبواب، وضرب دونه (أسوارا) صفيقة لا تُقتحم، وعمل ما وسعه جهده على أن يحيل نفسه العربية المسلمة إلى نفس فرنسية بثقافته الدخيلة، ومغريات حضارته، وبلبلة لسانه وبيانه، ولكن أخطأ الظن والتقدير، فالشعوب الأصيلة القوية لا تفقد أملها في الحرية والخلاص من العسف مهما طال أمد الظلم، وأشتدّ بطش الغاصبين.

وقد برهن شعب الجزائر على أنه من أقوى الشعوب إيمانا بدينه وثباتا على يقينه وأحرصهم على حريته و(إبهار) العالم بثورته العظيمة، ولعل أول من ارتاع لها وعشى بصره من لألائها هو المستعمر الغاصب، إذ خاب ظنه، وضاع جهده طوال مائة وثلاثين سنة هباءً، ولعل هذا هو السّر في ضراوة مقاومته لهذه الثورة لأنها بدّدت أمله، وأطارت أحلامه، وقوّضت ما شاده في ذلك المدى الطويل.

لا بدّ للقيد أن ينكسر..

ولقد شبّت ثورةٌ عملاقة قوية تجتثّ الظلم من قواعده وجذوره، وتجتاح كالأعاصير كل معاقل الاستبداد والبطش، ولا تبالي بما ينزل في سبيل الحرية من دم ومال وأرواح طاهرة زكية، حشد المستعمر لها كل طاقته وسخّر أسلحة حلفائه مع أسلحته للقضاء عليها ولكن:

إِذا الشَّعْبُ يومًا أرادَ الحياةَ — فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ

ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي — ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ

وكُنّا في المشرق العربي أول من فرح بها وطرب لها وتغنّى بأمجادها وبأبطالها، وتقدّم لمؤازرتها، لأنها ثورة عربية تُثار لكرامة العرب، وتغسل عنهم وَضَر الاستعمار والاستخذاء وتستردّ لهم مكانتهم المسلوبة وعزتهم المغلوبة. لقد كنا نُعدّها ثورتنا بحق، نتابع أنباءها بشغف وحرص وتمتلئ صدورنا فخرا بانتصاراتها وألمًا وحزنا لما يلاقيه أبناؤها من بطش وعسف ولا عجب:

إنّ الأواصر بيننا عربيةٌ — الدينُ يحكم أمرها ويوثّق

ستظل ما بقي الزمان رشيدة — تنمو على مَرّ الدهور وتسمق

ولقد ظهرت في هذه الثورة، ومن بين أبناء هذا الشعب الجزائري العظيم، بطولات صكّت مَسمعَي الزمان، ووقف العالم أمامها مشدوها.

ولعل من أبعدها صيتًا وأروعها مثلا، وأعمقها أثرًا في النفوس شخصية “جميلة بوحيرد” لأنها شابة عزلاء، ثبتت للمحن والأرزاء بعزيمة وتحمّل لكل ما أفتنّ فيه السجّانون من وحشية وقسوة، وهي بعد في ربيع العمر ونضارة الزَّهر، فأذّلت (المستعمرَ) بثباتها، وقوة يقينها وحبها لوطنها.. وكانت رمزا للفتاة العربية المسلمة في جَلَدها وإيمانها وتضحياتها حتى سار ذِكرُها على كل لسان مثلا (عظيمًا) في البطولة والفداء.

الثورة التي ألهمَت الشعر العربي

إن بين يديَّ فيضًا من الشِّعر الذي ألهمته ثورتكم المجيدة من كل قُطرٍ عربي وهو جدير بأن يُدرس دراسة متأنّية حيث يمثل ذلك الشعور المشترك بين الشعوب العربية في أفراحها وآلامها وأحزانها وآمالها، ويدلّ على أن العرب أمّة واحدة وإن توزَّعت أقطارًا وشعوبا، وأن مصيرنا واحد، وجهادنا واحد، مهما غالط المغالطون وتخرَّص المُتخرّصون. وإذا كانت أحداث الثورة الجزائرية قد هزّت العالم العربي هزّة عنيفة، فإنّ أحداث المشرق العربي من قبل قد هزّت الجزائر وشعراءها، فما من حادثة عظيمة وقعت ثمّة إلّا كان لها صدى في شعر شعرائكم وأولها قضية فلسطين، وثورة مصر واستقلالها، واستقلال السودان وغيرها من الأحداث الوطنية..

يقول شاعركم الكبير “محمد العيد” عندما وقف الاستعمار يؤيّد الصهيونية سنة 1948 ويخاطب “أبناء صهيون”، قال:

قُلْ لابن صهيون اغتررت فلا تَجرْ — إن ابن يعرب ناهض للثار!

أعرضت عن خطط السلام مولّيًا — فوقعت منها في خطوط النار

لا تحسبن بأن صُبحك طالعٌ — فالبدر ويحك خادع للسار

سترى أمانيك التي شيّدتها — منهارة مع ركنك المنهار

القدس لابن القدس لا لمُشرَّد — مُتصهينٍ ومهاجرٍ غدّار

(إشارة: المقطع الشعري من قصيدة “هيّجت وجدي” نُشرت في العدد (20) من جريدة البصائر سنة 1948، وكانت جوابا عن رسالة شعرية وجّهها الشاعر الجزائري الشيخ “أحمد سحنون” إلى الشاعر “محمد العيد آل خليفة”).

والشاعر “عبد الكريم العقون” (1918 – 1959) يفرح بمعاهدة الجلاء عن مصر سنة 1954، فيقول مُعبِّرا عن تلك الفرحة قائلا:

انجلى الظلم عن الوادي الخصيب — كانجلاء الليل عن فجر حبيب

ويناشد المصريين المؤازرةَ والعون على الاستعمار الجاثم على صدر الجزائر، قال:

فاذكرونا مثل ذِكرنا لكم — أيها الأبطال إنّا في كروب

من دخيلٍ لجَّ في طغيانه — سدَّ في أوجهنا كل الدروب

نحن في الخطب سواء هل لنا — منكم عون على دفع الخطوب؟

صدى الثورة في الشعر المصري

ولا أريد أن استطرد في ذِكر ذلك الشعر الجزائري العظيم الذي يدل على قوة العاطفة نحو أقطار العروبة وما يصيبها من سرّاء وضرّاء فذلك يُخرجني عن نطاق بحثي هذا، وما لي أذهب إلى الشعر وهناك الآن دليل أنصع بيانا وأبلغ لسانا من كل دليل، وهو وجود أبناء الجزائر الأشاوس أمام خط النار على ضفة القناة (قناة السويس) يجودون بالدم الغالي في سبيل القضية الواحدة والمعركة المصيرية.

الشاعر “عبده بدوي”

ولنستمع الآن إلى بعض هذا الشعر العربي الذي ألهب حماسة الجماهير العربية في كل صقعٍ مؤازرةً لثورة الجزائر العظيمة. يقول “عبده بدوي”، من مصر، على لسان فدائي مصري يغنّي لثورة الجزائر، ويريد الانتقام من هؤلاء الذين يقفون في سبيلها، ويريقون على ثراها الطّهور دماء الضحايا المطالبين بالحرية، وهي دماء أهله وقومه، والمشاركة في المعركة واجب مُقدّس عليه أداوه. يقول:

ضغطت جهنم في خنجري – فدمدم في جانبي الشَّرر

وملت على النار في خشعة — ففيها الخلاص لشعب أصر

سأذبحهم ظالما ظالما — وأبني بهم فوق أرضي هرم

نذرتُ دمي لقتال الطغاة — على كل أفق على حل يم

فسر خلف أيامي (المشروعات) — لنرفع للموت هذا العلم

فأرض الجزائر فيها دمي — يُراق وقد آن أن أنتقم

الشاعر “حسن كامل الصيرفي”

ويقول الشاعر “حسن كامل الصيرفي” متعجّبًا من أبناء فرنسا الذين ثاروا يوما على سجن “الباستيل” رمز الظلم والجبروت فحطّموه، والذين نادوا يوما بالحرية والإخاء والمساواة كيف يهدرون الدم الزكي البريء، ويستنكرون على الشعب الجزائري أن يطالب بحريته، أين إذًا مبادئ ثورتهم، وما لاقوا في سبيلها من مِحن؟ وكيف نسوا أنهم كانوا يومًا مقهورين مُحتلّين يكافحون في سبيل حريتهم؟ قال الشاعر:

يا ناقمين على الباستيل سيرته — الظـلم عــادله في الأرض أعقاب

حرية الناس غابت عن شعاركم — يا من سقاكم كؤوس الذلّ غلّاب

شُرّدتم في بقاع الأرض آونة — وشفَّكم من جراح النفي أوصاب

حتى إذا محت الأيام شدّتكم — وعولجت من جنون الحرب أعصاب

وقفتم في سبيل الحق يدفعكم — إلى المجازر هتّاكٌ وقصّاب

نسيتُم ما ادّعيتم منذ ثورتكم — وهَدَّ (موليه) ما قد شاد (میرابو)

في كل قُطرٍ لكم في الأرض مذبحة — يمشي اليتامى بها يبكون من غابوا