الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
نوستالجيا

من أوراق ملتقى الفكر الإسلامي التاسع في الجزائر.. الفنون والآداب قد تغتال مستقبل الأمم أحيانا! (الجزء الأول)

X Facebook TikTok Instagram

“دور الآداب والفنون عموما، والشعر والموسيقى خصُوصًا، في تعزيز أخلاق أمة أو انحلالها، وفي شحذ عزائمها أو قتل روحها” كان عنوان الموضوع الرابع في ملتقى الفكر الإسلامي التاسع الذي احتضنته مدينة “تلمسان” في الجزائر عام 1975، وهو من أخطر الموضوعات التي يجب إعادة مناقشتها على ضوء الأحداث الراهنة التي تكاد تعصف بـ “الأمّة العربية”. فقد كانت الآداب والفنون مدخلاً للتغلغل في كيان الأمة، وضرب عناصر حصانتها، ونشر فيروسات الانحلال والتفسّخ في خلاياها الروحيّة والأخلاقية.. ما أدّى إلى ضعفها وتفكّكها وتحويل قِبلة بعض أوطانها إلى الغرب! لذلك تعيد جريدة “الأيام نيوز” نشره رغم مرور نصف قرنٍ منذ نشرته مجلة “الأصالة” الجزائرية، لأنّه يُعتبر “وثيقة” نادرةٍ لكاتبه، وأيضًا لأنه يكشف عن المساحة الشاسعة للحريّة الفكرية التي كانت تمنحها الجزائر للمفكرين والباحثين الذين كانت تستضيفهم من مختلف أنحاء العالم، ليناقشوا قضايا الأمة العربية ومختلف قضايا الإنسانية في ملتقى الفكر الإسلامي الذي كانت تنظّمه كل عام (1968 – 1990).

كثيرون ناقشوا هذا الموضوع ولكن من منطلق تاريخي، كما رأينا في دراسة سابقة نشرتها جريدة “الأيام نيوز” حول دور الشِّعر في سقوط الأندلس، أو كما قال الدكتور “عمر فروخ”: “غير أن الذين كتبوا في هذا الموضوع قد أوغلوا كثيرا في التاريخ حتى ردّ بعضهم بدء التأخّر الذي نشهده اليوم إلى صدر الإسلام الأول ومقتل عمر بن الخطاب. أما أنا فأحب أن أجمع كلامي من العصر الذي نحن فيه لأرى – من خلال ذلك – صورة المستقبل المُطلّ علينا”.

وقد صدق “فرّوخ”، فالذين يتناولون أمراض الأمة بالدراسة والنقاش يعودون إلى التاريخ، وغالبا ما يركّزون على توصيف أعراض الأمراض ومظاهرها وهذا الأمر يُمكن لأيّ إنسان بسيطٍ يُجالس فنجان قهوته في مقهى أن يستفيض فيه.. لأن المطلوب هو تقديم الأدوية الناجعة للعلاج وليس تسليط مزيدٍ من الضوء على ما هو مُضاء منذ عقود أو ربما قرون!

قد لا نتّفق مع بعض آراء وأفكار الدكتور اللبناني “عمر فروخ” (1906 – 1987)، وهو باحثٌ ومؤرخ وأديب ومُحقِّق ومترجم، أثرى المكتبة العربية بعشرات الكُتب، وكان من أشدّ المدافعين عن اللغة العربية الفصحى وضرورة التّمكين لها في مختلف المجالات الحيوية: العلمية والإعلامية والثقافية.. ولكنها تبقى آراء وأفكار رجلٍ قال: “أنا عمر فروخ، أنظر إلى الثقافة من جانبها الإنساني، وأدرك أن قومي المسلمين قد أدّوا في تاريخ الحضارة قسطا عظيما، دينا ولغة وعلما وفلسفة وسياسة. وأنا مؤمنٌ أن المجد الذي بلغ إليه العرب بالإسلام هو مجد أسلافي”.

انطلق “فروخ” في دراسته من إيمانه بأنّ “الأسباب الفاعلة في تقدّم الأمم وتأخّرها كثيرة جدا، منها حال الآداب والفنون عندها. ويحسن التأكيد هنا على الشعر في نطاق الآداب، وعلى الموسيقى في نطاق الفنون”. وقدّم نماذج من عُمق الواقع العربي الذي كان يعيشه خلال فترة سبعينيات القرن الماضي، من ذلك قوله: “ولكي ندرك أثر المعنى المُتخيّل في اللفظ العادي واللحن المألوف أقول إن فريد الأطرش يردّد في إحدى أغنياته: بحبك بحبك (أحبك أحبك) نحو عشرين مرّة، ثم جماعات من الناس يَمُوجون مع ترداده هذا موجًا عنيفا! كل هذا يدلّ على أثر الغناء خاصة في مجموع الناس من الناحية العاطفية”. والحقّ لو أن “فروخ” استشهد بنماذج من فنّ هذه الأيام لَقال ما قاله القطّ بسبس للقط مشمش: مات والسّلام (القصة من التراث العربي، وقد يجدها القارئ بعنوان: الثرثار ومحب الاختصار). ولن نثرثر أكثر، ونترك القارئ مع موضوع الدكتور “عمر فروخ”..

أسباب تطوّر الأمم أو تخلّفها

يكون تطوّر الأمة ورُقيّها بتعزيز الجانب الخُلقي فيها وبشحذ عزيمتها للنهوض أو للاستمرار في الرقي، ويكون تأخرها ثم انحلالها بقتل روحها، أي بسلبها مقومات الحياة. والأسباب الفاعلة في تقدّم الأمم وتأخرها كثيرة جدا، منها حال الآداب والفنون عندها. ويحسن التأكيد هنا على الشعر في نطاق الآداب، وعلى الموسيقى في نطاق الفنون.

ولكن يحسن قبل البدء بتحليل الموضوع المطروح أن أشير إلى عدد من العوامل التي ليست أقلَّ أثرا ولا خطرا، فيما نشكو منه، من أثر الآداب والفنون، وإن كنت أنا هنا سأقيّد نفسي بالعوامل المطلوبة في الموضوع المطروح، فمن هذه العوامل كلها مسرودة على غير نسق: الصحافة الجديدة. النظريات الأدبية المُستحدَثة، والشعر الجديد، والقصص. النظريات التربوية والكتب المدرسية وكتب المطالعة للاطفال خاصة، والمناهج المدرسية في جميع المراحل. الأدب المكشوف. الفنون غير الفصحى في الرسم والموسيقى والغناء والشعر. التمثيليات الخفيفة في الإذاعات خاصة. الأزياء. المُسكرات وحياة الليل. الأحزاب ذات الاتجاهات المتضاربة وما تدعو إليه تلك الأحزاب من مظاهر الحرية والإباحة والشخصية الفردية. وسائل الإعلام الخاصة والعامة كالسينما والمناشير والكتابات على الجدران. إتلاف العنصر الروحي. التّرف الظاهر بإقامة المدنِيّة المستهلكة لأسباب المعاش مكان الحضارة المنتجة لأسباب المعاش. اندفاع الكثرة من الأمة إلى حب القيام بالخدمة براتب مضمون بدلا من العمل الصناعي المنتج مع شيء من المغامرة. الرغبة في العلم النظري بدل العلم العملي. إثقال جهاز الدولة بالموظفين مع وجود جماعات منهم في غير المحل اللائق أو النافع..

الآداب والفنون أكثر تأثيرا على النفس البشرية

لا شك في أن الآداب عامّةً، والشعر خاصة، ثم الفنون عموما والغناء على الأخصّ، أشدّ أثرًا في مجموع الناس من سائر وجوه الآداب وسائر وجوه الفنون. والشعر أشد تأثيرا في النفس من النثر، والغناء أشد فعلا في النفوس من الشعر نفسه. ذلك لأن المستمعين إلى الغناء والمتأثّرين به هم في العادة أكثر عددا من الذين يقرؤون الشعر ويفهمونه. ثم إن الذين يقرؤون الشعر يقرؤون في معظم الأحيان ما يختارون ثم يقرؤون القدر الذي يريدونه.

أما الموسيقى والغناء، فإن الامر فيهما مختلفٌ جدا. إن الإذاعات المسموعة والمرئية تفرض على الناس ما تشاء هي، ولأن الكثرة من الناس تعتقد أن الغناء والموسيقى للترفيه لا للتثقيف، ولقد اتّفق لي مِرارًا كثيرة أن كنت في مجتمع عام أو مجتمع خاص أو في سيارة عامة، وكان البث من الإذاعة المسموعة مستمرا، فإذا اتّفق أن انتقلَ البثّ إلى حديث أو أخبار أو تعليق على الأخبار رأيتُ أيدي الناس تسرع إلى مفتاح الإذاعة لتبحث عن محطّة تبثّ غناءً أو موسيقى.

أما أثر الشعر بين فروع الأدب فقريبٌ من أثر الغناء والموسيقى بين فروع الفنون. إن الشعر أقصر وحداتٍ من النثر فهو من أجل ذلك أقرب إلى العلوق بالذهن ثم هو، بما فيه من الموسيقى في الوزن والقافية، أقرب إلى العاطفة الثائرة منه إلى العقل الهادي وأحفل بالصور الخيالية التي تجمل في مخيلة جمهور الناس، وأكثر موضوعات الشعر – بخلاف موضوعات النثر عامة – وجدانية عاطفية خفيفة تفعل في أنفس القرّاء العاديين فعلا شديدا، وخصوصا إذا علمنا أن جمهور الناس يفهم من الشعر والنثر ومن الغناء والموسيقى ما يتهيّأ له فهمه، أي ما يقدر هو على فهمه أو ما يريد هو فهمه، أكثر مما يدرك من المعاني الحقيقية في الشعر والنثر ومن الاهتزاز الصحيح في الغناء والموسيقى.

الموسيقار “محمد عبد الوهاب” والشاعر “مهيار الدَّيلمي”

وسأضرب هنا عددا من الأمثلة تجمع بين الشعر والغناء وتبيّن أن معظم الناس لا يفرّق بين المعنى والمعنى، ولكنه يُؤخذ باللفظ الذي يظن أنه يفهم معناه وبالنّغم الذي يظن أنه يدرك سلوكه في النفس. حتى لو أن سائلا سأل سامعا عن كلمات تُغنّى لما استطاع ذلك السامع في أحوال كثيرة أن يعرفها أو أن يدرك معانيها إذا هو فهمها أو ظن أنه فهمها. من ذلك مثلا أن “محمد عبد الوهاب” يغنّي في شعر “أحمد شوقي”:

وتأودت أعطاف بانك في يدي — واحمَرَّ من خفريهما خدّاك!

فيقول: … واحمرّ من خضريهما خدّاك

من غير أن يفطن كثيرون إلى أن كلمة “خضريهما” غير مؤتلفة وجاراتها، ومع ذلك فإن هؤلاء السامعين يَظهر الطرب عليهم لبيتٍ لم يبق له معنى!

وكذلك يغنّي “محمد عبد الوهاب” في شعر “مهيار الديلمي”:

أُعْجِبَتْ بي بين نادي قَومِها — أُمُّ سعدٍ فمضَتْ تسألُ بي

فيقول: أُعْجِبَتْ بي ذاتُ حُسن…

والرجل العادي لا يفطن للمعنى المُراد، إذا كان الذي غنّاه لم يفطن له أو لم يشأ أن يفطن له أو فطن له ثم بدّله بعدما عرفه!

إن هذا التبديل هنا قد أفقد أبيات “مهيار الديلمي” معناها المقصود. كان “مهيار” فارسيَّ النّسب، مسلم الإيمان، فقال أنّ “أمّ سعد”، و”أمّ سعد” كناية عن العرب، أعجبها أدبه (سلوكه في الحياة وخُلقه) مع أنه فارسي. ولذلك قال “مهيار” عن “أمّ سعد” العربية:

سَرَّها ما عَلِمتْ من خُلُقي — فأرادتْ عِلما ما حَسَبي

ويقصد “مهيار” بالحسب هنا: العمل الحميد الذي هو من توابع الأصل الشريف، فأجابها:

لا تخالي نَسَبًا يُخفِضُني — أنا مَن يُرضيكِ عند النّسبِ

وبعد أن يذكر “مهيار” فضائل قومه الفُرس، يختم مقطوعته الجميلة بقوله:

وجمعتُ الفخرَ من أطرافِهِ — سُؤددَ الفرسِ ودينَ العرب

فانظر الآن قوله “ذات حسن” في البيت الأول مكان “أم سعد” كيف أفسد معنى الأبيات كلها، وكيف أتلف اللفتة البارعة عند الشاعر:

وجمعتُ الفخرَ من أطرافِهِ — سُؤددَ الفرسِ ودينَ العرب

ليس على المُطرب أن يُعرب

فإذا كان هذا الذي مرّ بنا يحدث في غناء الموسيقار “محمد عبد الوهاب” في شعر “شوقى” أمير الشعراء في العصر الحديث وفي شعر “مهيار” أحد أمراء الشعر الوجداني في الأدب العربي، فما بالك بالذي يحدث في غناء القاصرين في المعرفة الفنية في الغناء أو الشعر أو في الغناء والشعر معا؟

ولمّا غنّت “أسمهان” الأبيات:

لَيتَ للبَرّاقِ عَينا فَتَرى — ما أُقاسي مِن بَلاءٍ وَعَنا

غنّت في بيتٍ تال:

… عذّبوني، ضربوا — جسمي النّاحل منّي بالعصا!

مكان قول الشاعر:

… ضربوا — موضع العفّة منّي بالعصا

لقد أفسد الغناءُ بيت الشاعر، وأتلف فيه الكناية “ضربوا موضع العفّة”، وهي عقدة الأبيات كلها ومدار القصة التي أوجبت نَظم هذه الأبيات.

هذه الشواهد لم يُؤت بها هنا لانتقاد المغنّين، فإن المثل القائل: ليس على المُطرب أن يُعرب، مثلٌ مشهور، ولكن جيء بها هنا لتدلّ على أن السامعين للغناء في العادة، ومن جمهور الناس، لا يلقون بالًا إلى معاني الشعر المُغنّى بقدر ما يندفعون مع عواطفهم وخيالهم بما يُخيّل إليهم من مرامي الغناء في أنفسهم هم.

ولكي ندرك أثر المعنى المُتخيّل في اللفظ العادي واللحن المألوف أقول إن “فريد الأطرش” يردّد في إحدى أغنياته: بحبك بحبك (أحبك أحبك) نحو عشرين مرّة، ثم جماعات من الناس يَمُوجون مع ترداده هذا موجًا عنيفا! كل هذا يدل على أثر الغناء خاصة في مجموع الناس من الناحية العاطفية. وهذا بطبيعة الحال يؤدّي إلى أثر بالغ في الخلق الشخصي ثم في السلوك الاجتماعي الذي يتّصل صلة وثيقة بحال الأمّة وفي سيرها في الحياة صعدا أو في انحدارها إلى التخلف.