السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

من أوراق مُهجَّر.. أمَا من طائرة تجيء؟!

Author
حسين إبراهيم 17 أكتوبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

كلّ ساعة أو ساعتين، ألمح طائرة تغادر هذا البلد المنكوب. لم ألمح يومًا طائرة تجيء، لم ألمح طوال هذه المدّة أحدًا يجيء. السّفراء يغادرون، والأطبّاء يغادرون، والدّبلوماسيّون يغادرون، والله… ماذا عن الله؟

سأعتنق السّياسة، فقد سئمت الشّعر والشّعراء، وما عادت الكتابة تُجدي… متى كانت تُجدي؟ ماذا بوسع هذه الأوراق أن تغيّر؟ إنّها سريعة الاشتعال، سريعة الاختفاء. والنّيران كثيرة حولي! النّيران لا تهدأ… تطوّقنا، تُقوقِعنا، تنسف ما كان لنا، وما سيكون. إنّها تنسف الأمس والغد معًا، تقذفنا في زورق لا مجاديف له، ولا موانئ.

سأعتنق السّياسة… وهل للسّياسة ميناء؟! سأكسر قلمي، وأرتدي بذلة، ولن أنسى ربطة العنق. سأعتزل الأدب، وأترشّح في السّنة القادمة للانتخابات النّيابيّة. وحين أفوز، سأضع مسدّسًا في جيبي، لا لأحمي نفسي، أو باقي النوّاب، بل لأقتلهم جميعًا!

هذه طائرة أخرى تغادر، تحمل في جوفها آمالًا شحيحة، وكثيرًا من الأحزان. أمَا من طائرة تجيء؟! أمَا من طائرة تحمل إلينا وزيرًا، أو دبلوماسيًّا، أو إلهًا؟ … كم نشتاق إلى الله! لكنّنا نريده أن يأتي إلينا، لا أن نرحل نحن إليه.

سأعتنق السّياسة… لكنّني أحتاج أوّلًا، ككلّ من اعتنقها، إلى شرفة باريسيّة، تلفّها الطّمأنينة والسّكينة، وإلى مزاج ممتاز، لا تعكّره أصوات الغارات البعيدة أو القريبة. أجل، سأعتنق السّياسة… لكنّ الأشلاء البشريّة المبعثرة هنا وهناك تمنعني. صرخات الأطفال ودموع الأمّهات تمنعني. أحاول أن أنقد، أحلّل، أنظّر، أتنبّأ، لكنّ رائحة الدّم والموت تمنعني. يُخيّل إليّ أنّني سأكون أكثر جدوى إذا ما اعتنقت السّياسة، ناسيًا، أو متناسيًا أنّ السّياسة مربِض اللّاجدوى.

ما هذا القادم من بعيد نحونا؟ هل هي قذيفة؟ لا… إنّها طائرة! إنّها تهبط في المطار! هل هي فارغة؟ هل جاءت لتحمل المهاجرين إلى الغربة؟ لا أرجو أن يكون على متنها سوى راكب واحد: الله…