السبت، 13 يونيو 2026 — 26 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

من أوراق مُهجَّر.. اختر الإجابة الصّحيحة

Author
حسين إبراهيم 19 نوفمبر 2024
X Facebook TikTok Instagram

كيف تواجه الحرب؟

قفز السّؤال من بين الجدران، من وسادتي المحشوّة بالضّجر، من كلّ ركن في الغرفة الشّبيهة بغرف التّحقيق، منتحلًا صفة المحقِّق. وليس بوسعي إلّا أن أجيب. بل بوسعي ألّا أجيب، فليس هناك من يُجبرني. لكن ماذا سأفعل إن لم أجب؟

كيف تواجه الحرب؟

تبدو الإجابات كثيرة، وفي حوزتي كثير من الوقت. فلأفكّر…

– الحبّ.

إجابة منطقيّة. فهل ثمّة ما يدحر القتل، والموت، والدّمار كالحبّ؟ إنّه يقف أمام الحرب وجهًا لوجه، يرشقها بنظرات مستهينة، ثمّ يرفع لها إصبعه الوسطى. الحبّ امرأة تبحث في الرّكام عن دمية ممزّقة، لترتقها. امرأة تنتظر رجلًا عائدًا من المعركة، لتنزع عنه ثيابه، وتذكّره بأنّ هناك ما هو أهمّ من القتل. امرأة تُسدل شعرها الورديّ كلّ يوم، لتُخمد الحرائق المرئيّة وغير المرئيّة. أجل، الحبّ إجابة صحيحة، لكن ليس لي حبيبة! ما زالت حبيبتي سجينةَ أشعاري وأخْيِلتي، ولم تتحرّر بعد، لنركل الحرب معًا في خصيتَيها المترهّلتَين.

– التّجاهل.

إجابة معقولة. فليس هناك ما يُغيظ الحرب كالتّجاهل، كأن أُدير لها ظهري، وأتابع ما كنت أزاوله قبل حضورها الوحشيّ. ستبدو سخيفة، ضئيلة، حين أقفز إلى الشّارع وأرقص… حين أبحر في لوحة لـ “شاغال”، محاولًا أن أصطاد معانيها الخفيّة… حين أقرأ رواية لـ “ساراماغو”، أو أنصت إلى معزوفة لـ “فيفالدي”… حين أبتاع عصير التّفّاح، وأقنع نفسي بأنّني أحتسي الويسكي… سأحتسي الويسكي، وأدخّن السّجائر مقهقهًا، لكنّ الأصوات المرعبة التي تخلّفها الطّائرات، روائح الدّخان والدّم والبارود، الوجوه الحالكة التي تحوّقني… كيف أتجاهلها؟ سأفشل في ذلك حتمًا.

– الدّعاء.

على الرّغم من كونه وسيلة بدائيّة، فقد يكون ناجعًا. من لنا سوى الله؟ إنّه ملاذنا الأوّل والأخير، فإن جلسنا وذرفنا الدّموع، ثمّ ناجيناه، توسّلنا إليه، فرشنا جراحنا بين يديه، قد يستجيب ويُنهي الحرب. لكنّنا فعلنا ذلك حقًّا! ألم نفعل؟! ربّما يريد مزيدًا. لا… لم يعد في السّماء فسحة إضافيّة، صارت متروسة بالاستغاثات والصّلوات. وربّما ذلك الغيم الأسود الكثيف، ليس غيمًا، بل زفراتنا المتعبة، كلماتنا المستجدية، أنيننا الذي لا يخفت.

– المقاومة.

أي أن أحمل بندقيّة بدلًا من القلم، وأحارب. لمَ لا؟ تبدو الإجابة الأفضل. ماذا بوسع الكلمات أن تفعل؟ وإن قرأ العدوّ كلماتي المشحونة بالغضب والشّتائم، هل سيرتعب؟ بل سيضحك… وقد يُغمى عليه من الضّحك. لا شيء يُرعبه سوى البارود، سوى النّيران. سأحمل بندقيّة وأقاوم، لكن ماذا سأقاوم؟ الصّواريخ؟! الطّائرات؟! أأطلق النّار على طائرة؟! إنّ القذيفة ستمحيني قبل أن أفكّر في الضغط على الزّناد.

تبدو الإجابات أقلّ ممّا كنت أتوقّع! أصعبُ من أن تُقال!

كيف تواجه الحرب؟

قد يكون السّؤال خاطئًا. قد يكون السّؤال الصّحيح: هل عليك أن تواجه الحرب؟