الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

من أول سيجارة إلى الإدمان..من يحمي الأطفال من التدخين؟

Author
سارة حمدون 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشكل التدخين في أوساط الأطفال والمراهقين، اليوم، أحد أبرز التحديات الصحية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات، سواء في الجزائر، أو على المستوى العالمي، في ظل التحولات التي عرفتها أنماط استهلاك التبغ وظهور منتجات جديدة تستهدف فئة الشباب بشكل مباشر، مثل السجائر الإلكترونية وأجهزة التبغ المسخن. وبينما تتواصل الحملات التحسيسية في المؤسسات الصحية والتربوية، يظل السؤال مطروحا حول مدى قدرة هذه الجهود على الحد من انتشار الظاهرة، وحول الدور الحقيقي الذي تلعبه الأسرة في الوقاية من الإدمان قبل حدوثه.

على الصعيد العالمي، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التبغ يتسبب في وفاة أكثر من سبعة ملايين شخص سنويا، من بينهم حوالي 1,6 مليون شخص نتيجة التعرض للتدخين السلبي، وهو ما يعكس حجم الخطر الذي يشكله هذا السلوك على الصحة العامة، كما تشير المعطيات الطبية إلى أن التبغ يحتوي على آلاف المواد الكيميائية، منها مئات المواد السامة والمسرطنة، وهو ما يفسر ارتباطه المباشر بالعديد من الأمراض الخطيرة.

وفي الجزائر، تكشف بيانات “أطلس التبغ” أن عدد الوفيات المرتبطة بالتدخين يقدر بحوالي 28 ألف وفاة سنويا، إلى جانب ما يقارب 4,8 ملايين مدخن، ما يجعل الظاهرة ليست مجرد سلوك فردي، بل قضية صحة عمومية بامتياز ذات كلفة بشرية واقتصادية كبيرة.

عندما يبدأ التدخين مبكرا.. البوابة الأولى نحو الإدمان

يرى المختصون أن أخطر ما يميز ظاهرة التدخين اليوم هو بداية الاستهلاك في سن مبكرة جدا، وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور قاضي أحمد، المختص في الأمراض الصدرية والحساسية بمستشفى بني مسوس بالعاصمة، ومنسق الجمعية الجزائرية للأمراض التنفسية، أن التدخين لم يعد مرتبطا بالبالغين فقط، بل أصبح يسجل لدى فئات عمرية صغيرة، قد تبدأ من سن العاشرة، حيث تكون أول سيجارة هي البوابة الأولى نحو الإدمان.

ويضيف أن التدخين في سن مبكرة يرفع من احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة في سن الشباب، مثل أمراض القلب والشرايين والانسداد الرئوي المزمن وحتى السرطانات، مشيرا إلى أن دخان السجائر يحتوي على أكثر من 4000 مادة كيميائية، منها حوالي 200 مادة مسرطنة بشكل مباشر، وهو ما يفسر الارتفاع المقلق في معدلات الأمراض المرتبطة بالتدخين.

ولا يتوقف الخطر عند هذا الحد، بل يمتد إلى المراحل المبكرة جدا من الحياة، إذ يحذر من التدخين أثناء الحمل، موضحا أن تعرض الجنين لدخان السجائر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، قد يؤدي إلى انخفاض وزن المولود واضطرابات في نمو الجهاز التنفسي وتشوهات خلقية، إضافة إلى ارتفاع خطر الولادة المبكرة.

وفي هذا الإطار، تؤكد الدكتورة أمينة صاري، طبيبة مساعدة في طب الأطفال، أن تدخين الأطفال يرتبط أساسا بنوعين رئيسيين من التعرض للتبغ، يتمثل الأول في التدخين السلبي الذي تتعرض له الأم خلال فترة الحمل، والثاني في التدخين السلبي الذي يتعرض له الطفل داخل محيطه الأسري بعد الولادة.

وتوضح أن تعرض المرأة الحامل لدخان السجائر يؤثر بشكل مباشر على الجنين، إذ قد يؤدي إلى تشوهات خلقية واضطرابات في نمو الجهاز التنفسي إضافة إلى ارتفاع خطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود عند الولادة.

كما تضيف أن التدخين السلبي داخل المنزل يشكل خطرا كبيرا على صحة الرضيع والطفل، إذ يرتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وعلى رأسها الربو، إضافة إلى مضاعفات خطيرة قد تصل إلى ما يعرف بالموت المفاجئ للرضع.

وتشير أيضا إلى أن الفئة العمرية بين 13 و15 سنة، تعد من أكثر الفئات عرضة لبدء تجربة التدخين غالبا تحت تأثير المحيط العائلي أو الأصدقاء، إذ يؤدي الفضول والتقليد إلى التجربة الأولى التي قد تتحول تدريجيا إلى إدمان على النيكوتين، وتؤكد أن هذا الانتقال يرفع بشكل كبير من مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة، على غرار التهاب الشعب الهوائية المزمن والربو، إضافة إلى زيادة احتمالات الإصابة بسرطان الرئة والشعب الهوائية.

كما تؤكد الطبيبة صاري على أن الوقاية تبدأ منذ مرحلة الطفولة، من خلال حماية الطفل من التدخين السلبي داخل المنزل وخارجه، باعتبار ذلك خطوة أساسية للحد من انتشار الإدمان في سن مبكرة.

المراهقون بين الفضول وتأثير المحيط

تشير نتائج المسح العالمي حول التبغ لدى الشباب في الجزائر (GYTS)، إلى أن حوالي 20,4 بالمئة من التلاميذ الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة جربوا التدخين مرة واحدة على الأقل، بينما يستعمل جزء منهم منتجات التبغ بنسبة تقارب 7,4 بالمئة.

ويرى المختصون أن هذه الظاهرة لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية، في مقدمتها تأثير الأصدقاء والرغبة في إثبات الذات والفضول، إضافة إلى دور المحيط العائلي، حيث يكون المراهق في مرحلة بحث عن الهوية تجعله أكثر قابلية لتقليد السلوكيات المحيطة به.

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة إيمان تواري، طبيبة مختصة في الأمراض الصدرية والتنفسية، أن التدخين في هذه المرحلة لا يبدأ دائما بدافع الإدمان، بل عبر تجارب بسيطة تتحول تدريجيا إلى اعتماد نفسي وجسدي على النيكوتين، مشيرة إلى أن جميع أشكال استهلاك النيكوتين، سواء التقليدية أو الإلكترونية، تحمل خطرا حقيقيا على الصحة، خصوصا لدى المراهقين.

كما تضيف أن بعض السجائر الإلكترونية وأجهزة التبغ المسخن، رغم تسويقها كبدائل أقل ضررا، إلا أنها تحتوي على مواد كيميائية وجرعات مركزة من النيكوتين، ما يزيد من احتمالات الإدمان وقد يدفع نحو التدخين التقليدي لاحقا.

السجائر الإلكترونية والتبغ المسخن.. خطر جديد بواجهة حديثة

في السنوات الأخيرة، انتشرت السجائر الإلكترونية بشكل واسع بين الشباب مدفوعة بتصميمها العصري ونكهاتها المتنوعة، إلى جانب الاعتقاد السائد بأنها أقل ضررا من السجائر التقليدية، غير أن المختصين يحذرون من هذا التصور، معتبرين أن هذه المنتجات قد تشكل بوابة جديدة للإدمان.

وتوضح الدكتورة تواري أن السجائر الإلكترونية تعتمد على تسخين سوائل تحتوي على النيكوتين، ما ينتج بخارا محمّلا بمواد كيميائية قد تكون ضارة بالصحة، مؤكدة أن غياب الاحتراق لا يعني غياب الخطر، كما تشير إلى أن هذه الوسائل ترفع من نسبة استهلاك النيكوتين لدى الشباب، وتزيد من احتمال الانتقال إلى التدخين التقليدي.

وفي السياق ذاته، يوضح البروفيسور قاضي أحمد أن الإقلاع عن التدخين ليس قرارا بسيطا كما يعتقد، بل يتطلب دعما طبيا ونفسيا، لأن النيكوتين مادة تسبب اعتمادا قويا يجعل التوقف عنها مصحوبا بأعراض انسحاب قد تؤدي إلى الانتكاس في حال غياب المتابعة الطبية والنفسية المناسبة.

التوعية والوقاية.. مسؤولية جماعية لا تقتصر على جهة واحدة

رغم الجهود المبذولة من قبل وزارة الصحة والجمعيات المختصة في تنظيم حملات تحسيسية حول مخاطر التدخين، إلا أن المختصين يجمعون على أن هذه الجهود رغم أهميتها، لا يمكن أن تحقق نتائج فعالة دون إشراك الأسرة والمدرسة والمجتمع ككل.

وفي هذا الصدد، يشير البروفيسور قاضي أحمد إلى أن وجود مدخن داخل الأسرة يجعل الطفل أكثر عرضة لتبني هذا السلوك مستقبلا، مؤكدا أن القدوة العائلية تلعب دورا حاسما، إذ يصعب إقناع الطفل بخطورة التدخين إذا كان يشاهده يوميا داخل بيئته المنزلية، فالحملات التوعوية تبقى محدودة التأثير إذا لم تترافق مع بيئة داعمة تمنع الطفل من الوصول إلى أول تجربة تدخين.

ويؤكد الخبراء أن الوقاية الحقيقية تبدأ من الطفولة المبكرة عبر التربية الصحية والحوار داخل الأسرة، إلى جانب دور المدرسة في تعزيز الوعي الصحي لدى التلاميذ، مع اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين التوعية والرقابة والعلاج من أجل حماية الأجيال القادمة من أخطار قد تبدأ بسيجارة واحدة وتنتهي بإدمان مزمن.ض

إن المعركة ضد التدخين في أوساط الأطفال والمراهقينش معركة طويلة الأمد، تتجاوز حدود الحملات الظرفية، لتصبح مسؤولية جماعية تتطلب تغييرا حقيقيا في السلوك داخل الأسرة والمجتمع، لأن حماية الجيلض الجديد تبدأ قبل إشعال أول سيجارة، لا بعدها.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي