الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

من إخماد النيران إلى استباق الكارثة.. الجزائر أمام اختبار إدارة المخاطر

Author
إيمان عبروس 31 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تضع الحرائق، التي مست عددا من الولايات الجزائرية، مرحلة ما بعد الكارثة أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة الحياة في المناطق المتضررة، وتحويل الاستجابة العاجلة إلى سياسة دائمة لإدارة المخاطر. 

وجاءت توجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال الاجتماع المخصص لمتابعة مخلفات الحرائق، لتحدد ملامح مرحلة ما بعد الكارثة، عبر الإسراع في إحصاء الأضرار وتعويض المتضررين وإعادة إسكان العائلات المتضررة، وتسخير الإمكانات لإصلاح شبكات المياه والغاز والكهرباء والاتصالات، بالتوازي مع مراجعة مقاربات الوقاية والتهيئة في المناطق المعرضة للحرائق.

وتتجاوز أهمية هذه المرحلة حدود إعادة الخدمات الأساسية إلى البحث عن آليات تمنع تكرار الخسائر، من خلال إدماج البعد المناخي والبيئي والعمراني في منظومة الوقاية، وتطوير أدوات الرصد والإنذار المبكر، وتوسيع دور الخبراء في صناعة القرار، بما يسمح للجزائر بالانتقال من إدارة الحريق عند اندلاعه إلى إدارة الخطر قبل تحوله إلى كارثة.

حرائق الغابات أصبحت قضية أمن وطني

وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس النادي الجزائري للمخاطر الكبرى، الأستاذ عبد الكريم شلغوم، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن تسيير المخاطر، خصوصا الوقاية من حرائق الغابات، أصبح مرتبطا بشكل مباشر بمفهوم الأمن الوطني، بالنظر إلى اتساع تأثير المخاطر المناخية وتداخلها مع سلامة السكان والموارد والمنشآت.

وأوضح شلغوم أن الجزائر مطالبة بالتعامل مع الخطر المناخي باعتباره تحديا متصاعدا، مشيرا إلى أن الأدوات التكنولوجية والحلول العلمية متوفرة، فيما يبقى الرهان الأساسي مرتبطا بمدى توظيف هذه الإمكانات ميدانيا وإشراك العلماء والخبراء في إعداد السياسات الوقائية.

وفي هذا السياق، أعاد رئيس النادي الجزائري للمخاطر الكبرى طرح مقترح إنشاء مرصد وطني لتسيير الأزمات، يتشكل من العلماء والخبراء، ويوضع تحت الوصاية المباشرة لرئيس الجمهورية، بما يسمح، حسب تصوره، بإنشاء مستوى مركزي قادر على متابعة المخاطر واتخاذ القرارات وتقييم تنفيذها عبر مختلف مناطق البلاد.

ويرى شلغوم أن المرصد المقترح يمكن أن يؤدي وظيفة أشبه بـ”لوحة قيادة”، وطنية، تجمع المعطيات المتعلقة بالمخاطر وتضعها أمام أعلى مستوى في الدولة، مع ضمان متابعة تنفيذ الإجراءات الوقائية على المستوى المحلي.

وشدد الخبير على أن طبيعة المخاطر الحالية تفرض توسيع النظرة إلى الكوارث، لتشمل حرائق الغابات والجفاف والتصحر والفيضانات وغيرها من المخاطر المناخية التي أصبحت تؤثر بشكل متزايد على مختلف المجالات.

80 بالمئة من إدارة الخطر تبدأ قبل الكارثة

وركز رئيس النادي الجزائري للمخاطر الكبرى على الوقاية باعتبارها الحلقة الأكثر أهمية في منظومة إدارة الكوارث، مقترحا أن تستحوذ إجراءات الاستعداد والوقاية على الجزء الأكبر من الجهد الوطني.

ويشمل ذلك، وفق رؤيته، تعزيز نقاط المراقبة والرصد، وتوسيع أبراج المراقبة، وفتح المسالك الغابية بما يسمح بوصول فرق التدخل في أقصر وقت، إلى جانب دعم الوسائل الجوية المخصصة لمكافحة الحرائق.

كما يقترح زيادة عدد نقاط المياه داخل الكتل الغابية، خصوصا في المناطق التي يصعب الوصول إليها، لتوفير مصادر قريبة يمكن استخدامها في عمليات إخماد النيران ودعم المروحيات المتخصصة.

وفي الجانب المرتبط بالغطاء النباتي، يطرح شلغوم إمكانية إدخال أنواع من الأشجار ذات قدرة أكبر على مقاومة الحرائق، مستشهدا بشجرة “البولونيا”، التي قال إنها مستخدمة في دول مثل أستراليا ونيوزيلندا، ويمكن أن تؤدي دورا كحاجز طبيعي أمام انتشار النيران، فضلا عن قيمتها الاقتصادية كنوع من الأخشاب.

وأشار إلى أنه أجرى تجارب بشأن هذه الشجرة على مستوى جامعة باب الزوار، معتبرا أن البحث في أنواع نباتية أكثر ملاءمة للظروف المناخية الجديدة يمكن أن يشكل جزءا من استراتيجية طويلة المدى لحماية الغابات.

إعادة الخدمات بداية لاستراتيجية أوسع

ومن جهته، أكد الخبير في البيئة والعمران، عداد هشام، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن توجيهات رئيس الجمهورية عقب الحرائق الأخيرة تحمل أهمية كبيرة على مستوى حماية المواطنين والتكفل بالمتضررين والحفاظ على الممتلكات والبيئة.

وأوضح أن الإسراع في تقييم الخسائر وتعويض العائلات المتضررة وترميم السكنات وإعادة شبكات الكهرباء والغاز والمياه والاتصالات يمثل مرحلة أساسية لاستعادة الحياة في المناطق التي مستها الحرائق، بالنظر إلى ارتباط هذه الخدمات مباشرة بالاستقرار الاجتماعي وقدرة السكان على العودة إلى حياتهم اليومية.

ويرى عداد أن هذه الإجراءات تفتح المجال أمام مرحلة أكثر شمولية في إدارة مخاطر الكوارث، خصوصا مع ضرورة الجمع بين الاستجابة العاجلة والإجراءات الوقائية والعلمية والتقنية.

كما أشار إلى أهمية الجانب القانوني المرتبط بمكافحة إضرام الحرائق في الوسط الغابي، معتبرا أن الردع يمثل أحد مكونات الوقاية، إلى جانب التخطيط العمراني وحماية البيئة وتهيئة الإقليم.

العمران يدخل دائرة الوقاية من الحرائق

ويضع الخبير البيئة والعمران وتهيئة الإقليم في قلب أي مقاربة مستقبلية لإدارة مخاطر الحرائق، بالنظر إلى أن توسع المدن واقتراب بعض التجمعات السكانية من المجالات الغابية يرفع الحاجة إلى إدماج الخطر ضمن أدوات التخطيط.

وبحسب الخبير، فإن المختص في البيئة يستطيع تحديد الأنظمة البيئية الأكثر هشاشة، ودراسة آثار الحرائق على الغطاء النباتي والتربة والمياه والتنوع البيولوجي، فيما يساهم المختص في العمران في تحديد كيفية تقليل تعرض السكان والمنشآت للخطر، وتحسين مسالك الوصول والإخلاء ومواقع التجهيزات الحيوية.

أما مختص تهيئة الإقليم، فيمتلك رؤية أوسع تسمح بربط هذه العناصر على المستوى الترابي، وتحديد المناطق عالية الخطورة، وتوجيه التوسع العمراني بما يراعي طبيعة المجال ودرجة تعرضه للمخاطر.

ومن هنا، يبرز مقترح اعتماد خرائط متعددة المخاطر وإدماجها في أدوات التعمير وتهيئة الإقليم، حتى تصبح معرفة مستوى الخطر جزءا من عملية اتخاذ القرار المتعلقة بالسكن والاستثمار والتجهيزات والبنية التحتية.

المناطق الحساسة تحتاج تخطيطا عمرانيا مختلفا

وأكد  المتحدث  أن المناطق القريبة من الغابات والمجالات الطبيعية الحساسة تحتاج إلى معايير تخطيط تأخذ احتمالات اندلاع الحرائق وانتشارها بعين الاعتبار.

وتشمل هذه المقاربة دراسة سهولة وصول مصالح الحماية المدنية والغابات، وتوفير مسالك مناسبة للإخلاء، وضمان استمرارية شبكات المياه والطاقة والاتصالات، إلى جانب تحديد فضاءات آمنة يمكن اللجوء إليها عند الضرورة.

كما تبرز الحاجة إلى دراسة إنشاء مناطق انتقالية أو عازلة بين بعض التجمعات السكنية والغطاء الغابي، وفقا لخصوصية كل منطقة، مع اعتماد حلول عمرانية وبنائية تقلل من قابلية المباني للاشتعال وانتقال النيران.

سرعة التنفيذ تحدد سرعة عودة الحياة

وفي السياق ذاته، أكدت مهندسة البيئة، فاطمة الزهراء بداوي، في تصريح خصت به “الأيام نيوز”، أن نجاح مرحلة ما بعد الحرائق يرتبط بدرجة كبيرة بسرعة تنفيذ الإجراءات المقررة، سواء تعلق الأمر بتعويض السكان المتضررين أو إعادة الخدمات أو تعزيز إجراءات الوقاية.

وترى بداوي أن التعليمات الصادرة عن السلطات تحتاج إلى ترجمة سريعة ومتكاملة على أرض الواقع، من خلال تنسيق أفقي بين الحكومة والمؤسسات والقطاعات المعنية، بما يسمح بتعبئة مختلف الوسائل لإعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق المتضررة في أقصر وقت ممكن.

وتضع المتحدثة مسألة تمويل الكوارث ضمن الملفات التي تحتاج إلى معالجة مسبقة، مقترحة التفكير في إنشاء صندوق وطني خاص بالأزمات والكوارث، يتيح توفير موارد مالية جاهزة للتدخل والتعويض وإعادة التأهيل عند وقوع الكوارث.

وتربط بداوي أهمية هذا الصندوق بتزايد حجم التحديات التي تفرضها الكوارث، معتبرة أن التمويل المسبق يسمح برفع سرعة الاستجابة وتقليص الوقت الفاصل بين وقوع الضرر وبدء عمليات التكفل.

من الإنذار المبكر إلى الاستجابة الذكية

وتدعو مهندسة البيئة إلى تعزيز الوسائل التقنية المخصصة لمواجهة الحرائق، وفي مقدمتها طائرات الإطفاء، إلى جانب إعداد خرائط متكاملة للمخاطر وإنشاء نظام وطني للإنذار المبكر يسمح برصد المؤشرات التي تسبق الكارثة والتدخل في مراحلها الأولى.

وتطرح في هذا السياق فكرة برنامج وطني لما قبل الأزمة، يقوم على الاستعداد المسبق وتحديد السيناريوهات المحتملة وتجهيز الوسائل والموارد قبل وقوع الكارثة، بما يجعل التدخل أكثر سرعة وتنظيما.

كما تشدد على أهمية تقييم أداء المؤسسات والهيئات المكلفة بإدارة الكوارث بعد كل حادث، مع نشر نتائج التقييم بما يعزز الشفافية ويتيح تحديد نقاط القوة والاختلالات والاستفادة منها في تحسين المنظومة مستقبلا.

ما بعد الحريق.. فرصة لإعادة البناء بأمان أكبر

وتتفق مداخلات الخبراء على أن مرحلة ما بعد الحرائق تمثل مساحة مهمة للتعلم وإعادة النظر في آليات الوقاية والتخطيط، خصوصا أن إعادة تأهيل المناطق المتضررة تمنح فرصة لإدخال معايير جديدة في البناء والتهيئة.

فإعادة السكنات والخدمات إلى وضعها الطبيعي يمكن أن تترافق مع دراسة مستوى المخاطر في المواقع المتضررة، وتحسين شروط الوصول والإخلاء، ومراجعة توزيع التجهيزات الحيوية، وتعزيز قدرة البنية التحتية على الصمود أمام الكوارث المستقبلية.

وهنا يصبح مفهوم إعادة البناء بشكل أفضل وأكثر أمانا جزءا من سياسة ما بعد الكارثة، بحيث تتحول عمليات الإصلاح إلى فرصة لتقليص نقاط الضعف التي كشفت عنها الأزمة.

الرهان الحقيقي.. منظومة وطنية لإدارة المخاطر

وتقود مختلف هذه المقترحات إلى خلاصة واحدة؛ الجزائر تحتاج إلى منظومة دائمة ومتعددة التخصصات لإدارة المخاطر، تجمع بين الدولة والقطاعات التقنية والعلماء والخبراء ومراكز البحث.

ويمكن لهذه المنظومة أن تتولى إعداد خرائط المخاطر وتحيينها، وتقييم جاهزية المناطق والتجمعات السكانية، واقتراح إجراءات الوقاية، ومتابعة خطط الحد من المخاطر، وتقييم الأداء بعد كل كارثة، وتحويل نتائج هذه التقييمات إلى قرارات عملية.

فالحرائق كشفت حجم الحاجة إلى إدارة متكاملة تبدأ من قراءة المؤشرات المناخية والبيئية، وتمر بالتخطيط والإنذار والتدخّل، وصولا إلى التعويض وإعادة التأهيل.

ويتفق المصرحون على أن توجيهات رئيس الجمهورية، في أعقاب الحرائق، تحمل رسالة واضحة بشأن أولوية حماية المواطنين، وتسريع التكفل بالمتضررين واستعادة الخدمات الأساسية.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑