الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

من إدراج المادة إلى ترسيخها.. كيف تستعيد الرياضة المدرسية مكانتها؟


تحضيرا لانطلاق الموسم الدراسي الجديد، تتجه وزارة التربية الوطنية إلى تنفيذ حزمة من الإصلاحات البيداغوجية الرامية إلى تطوير المنظومة التربوية، والتي لم تقتصر على مراجعة تنظيم اللغات الأجنبية وإعادة هيكلة بعض المسارات التعليمية، إنما شملت أيضا مواصلة تنفيذ برنامج بعث وترقية الرياضة المدرسية.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى منح النشاط الرياضي مكانة أكبر داخل المؤسسات التعليمية، بالنظر إلى دوره في تنمية شخصية التلميذ واكتشاف المواهب وتعزيز الصحة البدنية والنفسية.

وفي هذا السياق، يتجدد النقاش حول مدى قدرة الإجراءات الجديدة على الانتقال بالرياضة المدرسية من مجرد مادة مبرمجة إلى ركيزة أساسية في المشروع التربوي.

فمن جانبه، أبرز سليمان لاوسين، أستاذ في الإعلام الرياضي، أن الإجراءات البيداغوجية الجديدة التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية، والمتعلقة بإعادة تنظيم اللغات الأجنبية، وإلغاء نظام الجذع المشترك في السنة الأولى ثانوي، وإعادة هيكلة المناهج الدراسية، تعكس توجها نحو إصلاح المنظومة التربوية وتطويرها بما يتماشى مع المتغيرات الراهنة.

نجاح الرياضة المدرسية مرهون بإصلاحات ميدانية شاملة

بالمقابل، لفت لاوسين إلى أن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، لم تقدم رؤية واضحة بشأن واقع ومستقبل تدريس مادة التربية البدنية والرياضية، خاصة في مرحلة التعليم الابتدائي، التي شهدت إدراج هذه المادة منذ سنة 2023 بقرار من رئيس الجمهورية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مكانة الرياضة المدرسية ضمن أولويات الإصلاح البيداغوجي الجديد.

وأوضح المتحدث أن الرياضة المدرسية لم تعد مجرد نشاط مواز للعملية التعليمية، إنما أصبحت مكوّنا أساسيا في بناء شخصية التلميذ وتنمية قدراته البدنية والنفسية والاجتماعية، فضلا عن دورها في غرس قيم الانضباط والعمل الجماعي والمنافسة الشريفة.

وأضاف أن مختلف التجارب التربوية الناجحة عبر العالم أثبتت أن الاستثمار في الرياضة داخل المدرسة ينعكس إيجابا على التحصيل الدراسي، ويسهم في تحسين الصحة الجسدية والنفسية للتلاميذ، ويعزز قدرتهم على الاندماج داخل الوسط المدرسي.

وأشار الأستاذ في الإعلام الرياضي إلى أن إعادة الاعتبار للنشاط الرياضي داخل المؤسسات التعليمية تستوجب الانتقال من مرحلة إدراج المادة إلى مرحلة تثبيت مكانتها ضمن المنظومة التربوية، وذلك من خلال وضع رؤية شاملة تضمن استمرارية تطوير الرياضة المدرسية، باعتبارها رافدا أساسيا لاكتشاف المواهب وصناعة أبطال المستقبل، إلى جانب مساهمتها في ترسيخ ثقافة الممارسة الرياضية منذ الصغر.

وأكد أن إنجاح برنامج بعث وترقية الرياضة المدرسية لا يمكن أن يتحقق دون توفير التأطير البيداغوجي المتخصص، معتبرا أن إسناد تدريس مادة التربية البدنية والرياضية في الطور الابتدائي إلى أساتذة مختصين يمثل أحد أهم شروط نجاح هذا المشروع.

وأوضح أن خصوصية هذه المرحلة العمرية تتطلب كفاءات تمتلك تكوينا أكاديميا في علوم وتقنيات النشاط البدني والرياضي، بما يسمح بتقديم دروس تراعي الجوانب التربوية والصحية والنفسية للأطفال، بعيدا عن الارتجال أو إسناد المادة لغير المختصين.

وأضاف أن الحفاظ على سياسة توظيف خريجي معاهد التربية البدنية والرياضية يكتسي أهمية كبيرة، ليس فقط لضمان جودة التأطير، وإنما أيضا لترسيخ مكانة التربية البدنية كمادة تعليمية قائمة بذاتها، شأنها شأن باقي المواد، بما ينعكس إيجابا على مردود التلاميذ وعلى تحقيق الأهداف التربوية المرجوة من إدراجها في الطور الابتدائي.

كما أبرز محدثنا أن مراجعة الحجم الساعي المخصص للمادة تعد من بين الأولويات التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار خلال تنفيذ الإصلاحات الجديدة، موضحا أن تخصيص 60 دقيقة أسبوعيا لا يسمح بتحقيق الأهداف المرجوة من التربية البدنية، سواء من حيث تنمية القدرات الحركية أو ترسيخ ثقافة النشاط الرياضي لدى التلاميذ.

ويرى أن رفع الحجم الساعي تدريجيا إلى 90 دقيقة، أو حتى إلى 120 دقيقة أسوة ببقية الأطوار التعليمية، من شأنه أن يوفر للتلاميذ فرصا أكبر للممارسة المنتظمة، ويعزز فعالية البرامج المسطرة.

في السياق ذاته، اعتبر لاوسين أن استحداث المديرية العامة للرياضة المدرسية والأنشطة الثقافية على مستوى وزارة التربية الوطنية يمثل خطوة تنظيمية مهمة، يمكن أن تسهم في إضفاء مزيد من الفعالية على تسيير هذا القطاع، من خلال وضع استراتيجيات وطنية وجهوية لمتابعة الرياضة المدرسية، واكتشاف المواهب، ومرافقتها، وتنظيم المنافسات المدرسية وفق رؤية متكاملة تربط بين المدرسة والحركة الرياضية الوطنية.

وأشار إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى رهينا بتوفير الإمكانات المادية والبشرية اللازمة، وفي مقدمتها تحسين البنية التحتية الرياضية داخل المؤسسات التربوية، موضحا أن عددا كبيرا من المدارس الابتدائية لا يزال يفتقر إلى فضاءات رياضية ملائمة، الأمر الذي يحد من إمكانية تطبيق البرامج المقررة بالشكل المطلوب.

وأضاف أن معالجة هذا الإشكال تستوجب إطلاق برنامج وطني لتأهيل المؤسسات التعليمية التي تعاني نقصا في الهياكل الرياضية، مع التفكير في استغلال المنشآت الجوارية والقاعات متعددة الرياضات بالتنسيق مع الجماعات المحلية والهيئات المعنية، بما يسمح للتلاميذ بالاستفادة من فضاءات مؤهلة لممارسة الأنشطة البدنية في ظروف مناسبة.

كما شدد على أهمية إعادة بعث الجمعيات الرياضية المدرسية وتجديدها داخل المؤسسات التعليمية، باعتبارها فضاءات قانونية وتنظيمية تتيح للتلاميذ المشاركة في المنافسات الرياضية وصقل مواهبهم، فضلا عن مساهمتها في نشر الثقافة الرياضية داخل الوسط المدرسي وتعزيز روح المبادرة والعمل الجماعي.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد لاوسين أن نجاح الإجراءات الجديدة التي أعلنت عنها وزارة التربية الوطنية في إعادة الاعتبار للرياضة المدرسية لن يكون مرتبطا فقط بإدراجها ضمن البرامج الرسمية، بل بمدى تجسيدها ميدانيا من خلال توفير التأطير المتخصص، ورفع الحجم الساعي، وتحسين الهياكل الرياضية، وتفعيل مختلف الآليات التنظيمية، بما يجعل الرياضة المدرسية ركيزة أساسية في تكوين التلميذ، ورافدا حقيقيا لاكتشاف المواهب الرياضية الوطنية، والإسهام في بناء جيل يتمتع بالصحة والانضباط والقيم الإيجابية.

يُذكر أن وزير التربية الوطنية، محمد صغير سعداوي، أعلن مؤخرا، خلال الندوة الوطنية لتحضير الدخول المدرسي 2026-2027، عن جملة من الإصلاحات، في مقدمتها اعتماد اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة ابتدائي، وتأجيل تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة، مع تعزيز تعليم الإنجليزية وتحديث المناهج، بالإضافة إلى ترقية الرياضة المدرسية، فضلا عن إصلاحات مرتقبة في التعليم الثانوي ابتداء من الموسم الدراسي 2027-2028، تشمل اعتماد نظام الشعب واستحداث شعبة “معلوماتية”.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑