الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من البيروقراطية إلى الرقمنة..كيف تعيد الجزائر رسم خريطة الاستثمار في 2026؟

Author
سارة حمدون 25 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد الحديث عن الاستثمار في الجزائر يقتصر على الامتيازات الجبائية أو الحوافز المالية التي تمنح للمؤسسات الاقتصادية، بل أصبح مرتبطا بشكل متزايد بإعادة هيكلة المنظومة الإدارية المكلفة بمرافقة المشاريع وتوجيهها، فبعد سنوات طويلة من الانتقادات التي طالت البيروقراطية وتعقد الإجراءات الإدارية وتعدد المتدخلين في منح التراخيص والعقار الاقتصادي، تتجه الجزائر نحو نموذج جديد يقوم على توحيد الخدمات والقرارات داخل منظومة استثمارية أكثر انسجاما.

ويأتي هذا التوجه في سياق الإصلاحات التي أطلقتها السلطات العمومية منذ صدور القانون رقم 22-18 المتعلق بالاستثمار في جويلية 2022، والذي شكل الإطار التشريعي الجديد للسياسة الاستثمارية في البلاد، قبل أن تتعزز هذه الإصلاحات خلال سنة 2025 وبداية سنة 2026 بصدور مراسيم تنفيذية جديدة تخص تنظيم الشبابيك الوحيدة للاستثمارات الكبرى والاستثمارات الأجنبية والاستثمارات اللامركزية، إلى جانب إعادة تنظيم تسيير العقار الصناعي ضمن رؤية تهدف إلى تقليص العراقيل وتحسين مناخ الأعمال.

ورغم أن الحديث عن الإصلاح الإداري ليس جديدا في الجزائر، إلا أن المستجد هذه المرة يتمثل في توجه واضح نحو توحيد مراكز القرار الاقتصادي وربط مختلف الخدمات الموجهة للمستثمرين ضمن منظومة متكاملة، بما يجعل الاستثمار أحد المحاور الرئيسية لتنويع الاقتصاد وتقليص التبعية للمحروقات

من الإصلاح القانوني إلى مرحلة التنفيذ

شهدت الجزائر خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، إلا أن سنة 2026 بدت مختلفة من حيث الانتقال إلى التطبيق العملي. ففي العدد الأخير من الجريدة الرسمية الصادر بداية شهر ماي 2026، صدرت ثلاثة مراسيم تنفيذية جديدة تتعلق بتنظيم الشبابيك الوحيدة للاستثمار وتوسيع صلاحياتها، إضافة إلى تسهيل الحصول على العقار الاقتصادي وإعادة تنظيم المجلس الوطني للاستثمار.

وتعكس هذه المراسيم توجها واضحا نحو تقليص عدد المتدخلين في العملية الاستثمارية وتوحيد مراكز اتخاذ القرار، بما يسمح بتقليص العراقيل التي اشتكى منها المستثمرون لسنوات طويلة.

ويعتبر الخبراء أن هذه النصوص الجديدة تشكل استكمالا لمسار الإصلاحات التي أطلقتها الدولة منذ سنة 2022، لكنها تختلف عن الإجراءات السابقة لأنها تستهدف الجوانب التنفيذية التي كانت تمثل الحلقة الأضعف في المنظومة الاستثمارية.

العقار الاقتصادي..الحلقة التي عطلت آلاف المشاريع

ظل العقار الاقتصادي على مدار سنوات أحد أكثر الملفات تعقيدا بالنسبة للمستثمرين، فالحصول على وعاء عقاري مناسب كان يتطلب المرور عبر عدة إدارات وهيئات، ما أدى إلى تأخر إطلاق العديد من المشاريع أو تجميدها لفترات طويلة، كما كشفت تقارير رقابية سابقة عن وجود مساحات واسعة غير مستغلة داخل عدد من المناطق الصناعية ومناطق النشاطات، فضلا عن تسجيل حالات استفادة من العقار دون تجسيد المشاريع المعلن عنها.

وفي محاولة لمعالجة هذه الاختلالات، تم تعزيز دور الوكالة الوطنية للعقار الصناعي وتكليفها بمهام أوسع تتعلق بتسيير وتطوير المناطق الصناعية، في إطار مقاربة جديدة تهدف إلى تحسين الحوكمة العقارية وضمان استغلال أفضل للأوعية الاقتصادية المتاحة.

و في هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي الهواري تيغرسي في تصريح له لـ”الأيام نيوز، أن إصلاح ملف العقار يعد أحد أهم الشروط الضرورية لإنجاح السياسة الاستثمارية الجديدة، لأن المشروع الاقتصادي يبدأ أساسا من الأرض التي سيقام عليها.

مؤكدا أن توحيد تسيير العقار تحت إشراف هيئة متخصصة من شأنه أن يحد من تداخل الصلاحيات ويوفر رؤية أوضح للمستثمرين، كما يساهم في تقليص فرص المضاربة بالعقار الاقتصادي وتحسين مردودية المناطق الصناعية.

الشباك الوحيد.. من استقبال الملفات إلى اتخاذ القرار

إذا كان العقار يمثل الخطوة الأولى في مسار الاستثمار، فإن الإجراءات الإدارية تبقى الاختبار الحقيقي لفعالية أي إصلاح اقتصادي، ولهذا السبب وضعت السلطات العمومية نظام الشباك الوحيد في صلب الإصلاحات الجديدة، فبدل تنقل المستثمر بين عشرات الإدارات للحصول على الموافقات والتراخيص، أصبح الهدف هو جمع مختلف المتدخلين داخل فضاء واحد يسمح بمعالجة الملفات بصورة أكثر سرعة وفعالية.

وخلال اليوم الإعلامي الوطني المنظم يوم 11 ماي 2026 تحت شعار “الشباك الوحيد من الفكرة إلى التجسيد”، أكد الوزير الأول سيفي غريب أن نجاح الاستثمار يمر عبر إدارة أكثر مرونة وقدرة على مرافقة المشاريع الاقتصادية، مشددا على ضرورة تمكين ممثلي الإدارات داخل الشبابيك الوحيدة من الصلاحيات الكافية لاتخاذ القرارات وتسليم الوثائق والتراخيص المطلوبة مباشرة للمستثمرين

ويمثل هذا التوجه تحولا مهما في فلسفة الإدارة الاقتصادية، حيث لم يعد دور الشباك الوحيد يقتصر على استقبال الملفات أو توجيه المستثمرين، بل أصبح جزءا من منظومة اتخاذ القرار ومرافقة المشاريع.

الشباك الوحيد الرقمي..هل تقترب نهاية الملف الورقي؟

ومن بين أبرز المستجدات التي حملتها سنة 2026 إعلان الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار عن التحضير لإطلاق الشباك الوحيد الرقمي بالتنسيق مع المحافظة السامية للرقمنة، وخلال اليوم الإعلامي نفسه، أوضح المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار عمر ركاش أن المشروع يهدف إلى رقمنة المسار الاستثماري بالكامل، بما يسمح للمستثمر بإتمام مختلف الإجراءات عبر منصة موحدة تضمن السرعة والشفافية وتتبع الملفات بشكل آني.

ويمثل هذا المشروع أحد أكبر التحولات التي عرفتها الإدارة الاقتصادية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة، لأنه ينقل مفهوم الشباك الوحيد من فضاء إداري تقليدي إلى منظومة رقمية، فإن نجاح هذه الخطوة يمكن أن يساهم في تقليص آجال معالجة الملفات وتحسين الشفافية وتسهيل الرقابة على الأداء الإداري، كما يسمح بتوفير قاعدة بيانات دقيقة حول المشاريع الاستثمارية ومراحل تقدمها.

غير أن نجاح الرقمنة  حسب مختصين لا يرتبط فقط بتوفير المنصات الإلكترونية، بل يتطلب أيضا تحديث أساليب العمل داخل الإدارات وتكوين الموارد البشرية وضمان الربط البيني بين مختلف الهيئات والمؤسسات المعنية بالاستثمار.

الأرقام تتحدث عن ديناميكية متصاعدة

بعيدا عن النصوص القانونية، تبقى الأرقام المؤشر الأهم لقياس فعالية الإصلاحات الاقتصادية، فقد كشف المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار عمر ركاش خلال ديسمبر 2025 أن عدد المشاريع الاستثمارية المسجلة منذ انطلاق نشاط الوكالة في نوفمبر 2022 تجاوز 19 ألف مشروع، بقيمة إجمالية بلغت 8242 مليار دينار، مع توقعات بخلق أكثر من 470 ألف منصب عمل.

وتعكس هذه الأرقام اهتماما متزايدا بالإطار الاستثماري الجديد، خاصة في ظل التسهيلات التي تم إدخالها على إجراءات تسجيل المشاريع ومرافقتها.

غير أن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بعدد المشاريع المصرح بها، وإنما بمدى انتقالها إلى مرحلة الإنجاز والإنتاج الفعلي، وهو ما سيحدد الأثر الحقيقي لهذه الإصلاحات على الاقتصاد الوطني.

من الدولة الإدارية إلى الدولة الاقتصادية

ويرى الهواري تيغرسي أن ما يحدث حاليا يتجاوز مجرد تبسيط للإجراءات الإدارية،ليصل إلى مستوى إعادة هندسة كاملة لمسار الاستثمار في الجزائر، مشيرا الى أن الانتقال من تعدد المتدخلين إلى توحيد الخدمات والرقمنة وتوضيح المسؤوليات يمثل خطوة مهمة نحو بناء ما يمكن وصفه بالدولة الاقتصادية الحديثة، حيث تصبح مختلف حلقات الاستثمار مترابطة ضمن منظومة واحدة.

ويضيف أن نجاح هذه الإصلاحات سيسمح بتقليص آجال إنجاز المشاريع وتحسين جاذبية الجزائر بالنسبة للمستثمرين المحليين والأجانب، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التحدي الحقيقي يبقى مرتبطا بمدى قدرة الإدارات على تغيير أساليب العمل التقليدية وتبني ثقافة الخدمة الاقتصادية.

كما يعتبر المصدر ذاته، أن نجاح الشباك الوحيد الرقمي وتوحيد تسيير العقار الاقتصادي يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية في علاقة المستثمر بالإدارة، خاصة إذا رافقته سرعة في اتخاذ القرار ووضوح في المسؤوليات وشفافية في معالجة الملفات.

هل دخل الاستثمار مرحلة الحسم؟

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية والمنافسة المتزايدة بين الدول على استقطاب رؤوس الأموال، تبدو الجزائر اليوم أمام فرصة مهمة لتحويل الإصلاحات القانونية والتنظيمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة.

فالقوانين الجديدة أصبحت موجودة والمراسيم التنفيذية دخلت حيز التطبيق والشباك الوحيد يتوسع والعقار الاقتصادي يعاد تنظيمه، فيما تستعد الإدارة لإطلاق مرحلة جديدة من الرقمنة الشاملة عبر مشروع الشباك الوحيد الرقمي، غير أن الحكم النهائي على هذه الإصلاحات لن يكون من خلال عدد النصوص القانونية أو الهيئات المستحدثة، بل من خلال قدرتها على تقليص آجال إنجاز المشاريع ورفع حجم الاستثمارات المنتجة وخلق مناصب الشغل وتحسين مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني.

وبين طموح بناء إدارة اقتصادية عصرية ومتطلبات التطبيق الميداني، تبدو سنة 2026 بمثابة سنة اختبار حقيقية لمسار الإصلاحات الاستثمارية في الجزائر، وقد تكون أيضا بداية الانتقال من دولة تسير الاستثمار عبر المسارات الإدارية المعقدة إلى دولة اقتصادية موحدة تراهن على السرعة والرقمنة والنجاع.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي