الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من التجميع إلى التصنيع.. كيف تراهن الجزائر على المناولة لبناء صناعة سيارات متكاملة؟

Author
صبرينة عيلان 11 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

بعد سنوات من الجدل الذي رافق ملف صناعة السيارات في الجزائر، وما شهده من تعثرات واختلالات مرتبطة بنموذج التجميع البسيط الذي استنزف الموارد المالية دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية، تبدو البلاد اليوم أمام مرحلة جديدة تراهن فيها على بناء صناعة ميكانيكية متكاملة ترتكز على إنتاج قطع الغيار وتطوير المناولة الصناعية ورفع نسب الإدماج المحلي.

فمع اعتماد إطار قانوني أكثر صرامة، واستقطاب علامات عالمية، وفرض شروط تتعلق بنقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات الوطنية، تسعى الجزائر إلى تجاوز منطق التركيب نحو تأسيس قاعدة صناعية قادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل وتعزيز السيادة الاقتصادية. غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بمدى نجاح الاستثمارات الجديدة في بناء شبكة فعالة للمناولة الصناعية، وتوطين الصناعات المغذية، والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

السيارات في الجزائر.. نهاية الأوهام وبداية الصناعة

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الاقتصاد، الدكتور حاكمي بوحفص، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن القطاع الصناعي في الجزائر بصفة عامة، وصناعة السيارات بصفة خاصة، مر خلال السنوات الماضية بمراحل معقدة تميزت بالتقلبات وعدم الاستقرار، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تطلعات المواطنين الذين كانوا ينتظرون الحصول على سيارة منتجة محليا وفق معايير صناعية حقيقية.

وأوضح المتحدث أن هذه التغيرات المتسارعة أدت إلى حالة من الإحباط لدى فئات واسعة من المواطنين، حيث لم تتحقق الوعود المتعلقة بإنتاج سيارة جزائرية بمواصفات تنافسية، كما لم تتوفر في الوقت نفسه تسهيلات كافية للحصول على السيارات المستوردة عبر رخص الاستيراد، ما أدى إلى اختلالات كبيرة في السوق الوطنية وارتفاع الطلب مقابل محدودية العرض.

وأضاف بوحفص أن هذه الوضعية فرضت ضغوطا كبيرة على السوق وعلى السلطات العمومية، كما ساهمت في زيادة الطلب على العملة الصعبة نتيجة استمرار الاعتماد على الواردات، وهو ما جعل ملف السيارات يتحول إلى أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي واجهتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.

وعن أسباب الأزمة، يرى الخبير في الشأن الاقتصادي أن الفترة الممتدة بين سنتي 2013 و2020 شكلت واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ صناعة السيارات بالجزائر، حيث ارتبطت بتجارب وصفها بـ”المريرة”، قامت أساسا على وعود قدمها مستثمرون استفادوا من مناخ اقتصادي سمح بانتشار ما يعرف باقتصاد الريع والمضاربة.

وأشار إلى أن العديد من المشاريع التي تم تقديمها آنذاك على أنها مصانع للسيارات لم تكن في الحقيقة سوى عمليات تجميع بسيطة وعشوائية، اقتصرت في كثير من الأحيان على تركيب أجزاء مستوردة بالكامل دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو خلق نسيج صناعي محلي قادر على إنتاج المكونات الأساسية للمركبات.

وأكد بوحفص أن تلك المشاريع حققت أرباحا كبيرة لفائدة أصحابها، لكنها تمت على حساب الخزينة العمومية والاقتصاد الوطني، حيث تم استنزاف مبالغ ضخمة من العملة الصعبة، في الوقت الذي لم تتحقق فيه الأهداف المعلنة المتعلقة بتوطين الصناعة أو خلق قيمة مضافة حقيقية.

وأضاف أن جزءا مهما من العائدات المالية المتأتية من هذه العمليات تم تحويله إلى الخارج، في حين لم تستفد الجزائر بالشكل المطلوب من التكنولوجيا أو الخبرة الصناعية، الأمر الذي خلف آثارا سلبية ما تزال تداعياتها محسوسة إلى اليوم.

وأوضح أن نتائج تلك المرحلة لم تقتصر فقط على الخسائر المالية، بل امتدت إلى التأثير على صورة المشروع الصناعي برمته، وأدت إلى تراجع ثقة المواطنين في الوعود المتعلقة بصناعة السيارات، كما ساهمت في تعقيد مهمة السلطات العمومية الرامية إلى إعادة بعث القطاع على أسس سليمة.

المرسوم التنفيذي 22-384 نقطة التحوّل الحقيقية

وبشأن المرحلة الجديدة، أكد بوحفص أن السلطات العمومية استخلصت الدروس من إخفاقات الماضي، واتجهت نحو وضع رؤية أكثر واقعية وصرامة لإعادة بناء القطاع، مشيرا إلى أن صدور المرسوم التنفيذي رقم 22-384 شكل نقطة تحول محورية في مسار صناعة السيارات بالجزائر.

وأوضح أن هذا الإطار القانوني الجديد وضع أسسا مختلفة تماما عن التجارب السابقة، حيث ركز على الانتقال من مجرد نشاط تجميع المركبات إلى بناء صناعة ميكانيكية متكاملة تقوم على إنتاج قطع الغيار وتطوير المناولة الصناعية ورفع نسب الإدماج المحلي بشكل تدريجي.

وأضاف أن المرسوم حدد شروطا قانونية صارمة تهدف إلى منع تكرار أخطاء الماضي، من خلال فرض مسار واضح لرفع نسبة الإدماج الوطني بداية من 10 بالمائة وصولا إلى مستويات أعلى قد تبلغ 50 بالمائة مع تقدم المشاريع الصناعية وتوسع شبكة الموردين المحليين.

ويرى المتحدث أن هذه المقاربة الجديدة تعكس إرادة حقيقية لبناء قاعدة صناعية مستدامة، بعيدا عن الحلول السريعة التي أثبتت فشلها في السابق.

منع استيراد الهياكل الكاملة وتوطين التكنولوجي

ا
وأشار الخبير في الاقتصاد إلى أن من أبرز الإجراءات التي اعتمدتها السلطات العمومية في المرحلة الجديدة منع استيراد الهياكل الكاملة للمركبات، وهو القرار الذي يهدف إلى القضاء نهائيا على ممارسات “النفخ” التي ميزت التجارب السابقة.

وأوضح أن الرؤية الجديدة تقوم على الانتقال التدريجي نحو تصنيع أجزاء من الهياكل محليا، بما يسمح بخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني ويعزز مساهمة المؤسسات الجزائرية في سلسلة الإنتاج.

كما أكد أن السلطات اشترطت على الشركاء الأجانب المساهمة في تكوين اليد العاملة الجزائرية ونقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية الحديثة، بما يضمن تطوير الكفاءات الوطنية ورفع مستوى التأهيل التقني والهندسي داخل البلاد.

وأضاف أن الجزائر لم تصل بعد إلى مرحلة التوطين الكامل للتكنولوجيا أو تحقيق منظومة مناولة متكاملة وفعالة، غير أنها تمكنت من تجاوز مرحلة “بيع الأوهام” والتجميع الشكلي التي طبعت السنوات الماضية.

وشدد بوحفص على أن نجاح صناعة السيارات في الجزائر مرتبط بشكل مباشر بتطوير قطاع المناولة الصناعية وإنتاج قطع الغيار، معتبرا أن هذا الجانب يمثل الركيزة الأساسية لأي صناعة ميكانيكية حقيقية.

وأوضح أن الاعتماد على إنتاج المكونات محليا هو الوسيلة الواقعية الوحيدة لرفع نسب الإدماج الوطني، لأن غياب شبكة قوية من الموردين المحليين يجعل المصانع مجرد ورشات لتركيب الأجزاء المستوردة، كما حدث في التجارب السابقة التي اعتمدت كليا على استيراد مجموعات SKD المفككة من الخارج.

وأكد أن هذا النموذج أثبت فشله اقتصاديا، لأنه لم يكن سوى شكل من أشكال الاستيراد المقنع الذي استنزف الموارد المالية للبلاد دون أن يخلق صناعة حقيقية أو يساهم في تنويع الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن الأموال الضخمة التي تم إنفاقها خلال تلك المرحلة لم تنعكس على تطوير القدرات الإنتاجية المحلية، بل أدت إلى استنزاف الاحتياطيات المالية من العملة الصعبة دون تحقيق نتائج ملموسة على مستوى التشغيل أو نقل التكنولوجيا.

وحول آفاق تطوير القطاع، أوضح بوحفص أن الوصول إلى نسب إدماج مرتفعة يتطلب المرور إلى مرحلة أكثر تقدما تتمثل في إنتاج الأجزاء المعقدة للمركبات محليا، وهو ما يستوجب استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والبحث والتطوير والتكوين الهندسي.

وأشار إلى أن تصنيع المكونات ذات القيمة التقنية العالية لا يمكن تحقيقه إلا من خلال توطين المعرفة الصناعية ونقل التكنولوجيا الحديثة إلى المؤسسات الجزائرية، وهو ما يتطلب شراكات استراتيجية طويلة المدى مع المصنعين العالميين.

وأضاف أن نجاح هذا المسار من شأنه أن يساهم في بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على المنافسة، ويمنح الاقتصاد الوطني فرصة حقيقية للاندماج في سلاسل القيمة العالمية الخاصة بالصناعات الميكانيكية.

وأكد الخبير في الشأن الاقتصادي أن تطوير نسيج صناعي متخصص في إنتاج قطع الغيار والمناولة سيؤدي إلى خلق آلاف مناصب العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء داخل المصانع الكبرى أو ضمن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بها.

وأوضح أن توسع شبكة الموردين المحليين سيقلص من تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، كما سيزيد من المنافسة بين المنتجين المحليين، الأمر الذي سينعكس إيجابا على تكاليف الإنتاج وأسعار السيارات مستقبلا.

وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة تمثل شروطا أساسية لإنجاح مشروع صناعة السيارات وتحويله إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والتنويع الصناعي.

من سوق استهلاكية إلى دولة مصدرة

وأكد الدكتور حاكمي بوحفص أن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تلبية الطلب المحلي على السيارات، وإنما في بناء صناعة قادرة على المنافسة والتصدير مستقبلا.

وأشار إلى أن الجزائر تمتلك المؤهلات البشرية والاقتصادية التي تسمح لها بالتحوّل من مجرد سوق استهلاكية للمركبات إلى بلد منتج ومصدر للصناعات الميكانيكية ضمن سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

وختم قائلا إن الطريق لا يزال يتطلب الكثير من العمل والاستثمارات ونقل التكنولوجيا، غير أن المقاربة الحالية تبدو أكثر واقعية واستدامة مقارنة بالتجارب السابقة، لأنها تقوم على بناء قاعدة صناعية حقيقية ترتكز على الإدماج المحلي والمناولة الصناعية وتكوين الكفاءات الوطنية، وهو ما من شأنه أن يضع الجزائر على مسار صناعة سيارات فعالة وقادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل وتعزيز السيادة الاقتصادية للبلاد.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية