الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من التخطيط إلى الحقل.. هل دخلت المكننة الفلاحية مرحلة الحسم؟

Author
صبرينة عيلان 06 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد نجاح المواسم الفلاحية يقاس فقط بحجم المحاصيل التي تخرج من الحقول، بل أصبح يرتبط بشكل متزايد بمدى قدرة المنظومات اللوجستية والتقنية على مواكبة هذا النجاح وتحويله إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.

فحين ترتفع المؤشرات المتعلقة بالإنتاج الزراعي، لا تنتقل الأسئلة نحو كمية المحصول فقط، وإنما تتجه مباشرة نحو جاهزية وسائل الحصاد والنقل والتخزين والعتاد الفلاحي، باعتبارها الحلقة الفاصلة بين إنتاج وفير يمكن أن يتحوّل إلى قيمة اقتصادية مضافة، وإنتاج قد يواجه تحديات ميدانية تقلص من مردوديته وفعاليتها ،وفي الجزائر، تبدو المؤشرات الأولية للموسم الفلاحي الحالي واعدة، لتفتح نقاشًا أوسع حول مدى جاهزية منظومة المكننة الفلاحية لمرافقة هذا التحول.

فالمؤشرات الأولية المسجلة تعكس وفرة معتبرة في الإنتاج، وهو معطى يحمل في طياته فرصة مهمة لتعزيز الأمن الغذائي الوطني، لكنه في الوقت نفسه يضع مختلف الفاعلين أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرة المنظومة الحالية على استيعاب هذا التطور وتحويله إلى مكسب دائم.

المكننة الفلاحية انتقلت من خيار تقني إلى ركيزة للأمن الغذائي

وفي هذا السياق، أكد الخبير حسن كريم، رئيس المنظمة الوطنية للأمن الغذائي والخبير في الفلاحة والموارد المائية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن المؤشرات الأولية الإيجابية جدا المسجلة خلال حملة الحصاد والدرس الحالية لا تعكس فقط موسما فلاحيا ناجحا، بل تكشف عن بداية تحول هيكلي في المنظومة الفلاحية الوطنية، خاصة فيما يتعلق بمسار عصرنة المكننة الفلاحية وتطوير وسائل الإنتاج.

وأوضح كريم أن النتائج الأولية المتعلقة بوفرة إنتاج الحبوب تحمل دلالات أعمق من مجرد ارتفاع في الأرقام، لأنها تعني أن الجزائر بدأت تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها التحدي الأساسي ليس فقط إنتاج الحبوب، وإنما كيفية التحكم في مراحل ما بعد الإنتاج من جمع ونقل وتخزين وتحويل.
وأضاف عندما ترتفع كميات الإنتاج بهذه الوتيرة، فإن المنظومة الفلاحية تنتقل إلى مستوى آخر من المتطلبات. ففي السابق كان التحدي هو تحقيق مردودية أكبر، أما اليوم فالتحدي يتمثل في ضمان استغلال هذه الوفرة دون تسجيل خسائر ميدانية أو اختناقات لوجستية.
ويرى المتحدث أن انعقاد الدورة الثالثة للمجلس الوطني للمكننة الفلاحية في هذا التوقيت يحمل دلالات مهمة، لأنه يتزامن مع ظرف ميداني يفرض استجابة عملية وسريعة لمتطلبات الموسم الفلاحي.
وأشار إلى أن المكننة لم تعد مجرد وسائل ميكانيكية لمساعدة الفلاح على أداء العمل، بل أصبحت عنصرا حاسما في تحديد مستوى الإنتاجية والقدرة على تحقيق الأمن الغذائي.
وقال حسن كريم إن في الزراعة الحديثة لا يمكن الحديث عن إنتاج واسع للحبوب دون منظومة متكاملة للمكننة. فالحصادات، وآلات الدرس، ومعدات النقل والتخزين، كلها حلقات مترابطة، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات قد يؤدي إلى خسائر معتبرة.

وأضاف أن حجم المحاصيل المسجلة هذا الموسم يفرض تعبئة استثنائية للوسائل التقنية واللوجستية، لأن التأخر في جمع الحبوب أو نقلها قد يؤثر مباشرة على جودة المنتج ونسب الفاقد، وبشأن التوجيهات المتعلقة بتوزيع آلات الحصاد والدرس وفق معايير تقنية ومخططات ولائية، اعتبر كريم أن هذا القرار يمثل تحولا من منطق التوزيع الإداري التقليدي إلى منطق التخطيط العلمي.

وأوضح قائلا: “ليست كل الولايات لها نفس الخصائص الزراعية، ولا نفس المساحات المزروعة، ولا نفس توقيت نضج المحاصيل، وبالتالي فإن توزيع العتاد يجب أن يبنى على معطيات دقيقة تشمل حجم الإنتاج المتوقع، الكثافة الزراعية، طبيعة المناطق، وسرعة التدخل المطلوبة.”

وأضاف أن الإدارة العلمية للعتاد الفلاحي تسمح بتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، وتجنب فترات الانتظار الطويلة التي قد تؤثر على مردودية موسم الحصاد.
وشدد الخبير على أن اقتناء الحصادات والجرارات والمعدات الحديثة لا يكفي وحده لتحقيق الأهداف المرجوة، بل يجب أن يرافقه نظام متكامل للصيانة والمتابعة التقنية.
وأكد أن العديد من التجارب أثبتت أن جزءا مهما من الأعطاب المسجلة في العتاد الفلاحي يرتبط بضعف خدمات الصيانة أو غياب مرافقة تقنية مستمرة.

وأضاف المتحدث أن الآلة الفلاحية الحديثة ليست مجرد معدات يتم تشغيلها ثم تركها، بل تحتاج إلى متابعة دورية وقطع غيار ويد عاملة مؤهلة، ولذلك فإن توفير خدمات الصيانة خلال موسم الحصاد يعد مسألة استراتيجية وليس إجراء تقنيا ثانويا.

التصنيع المحلي مفتاح تقليص التبعية الخارجية
وبخصوص التوجه نحو تعزيز قدرات المؤسسات الوطنية في تصنيع العتاد الفلاحي وإقامة شراكات دولية، اعتبر كريم أن هذا الخيار يمثل أحد أهم الرهانات المستقبلية للقطاع، وأوضح أن الجزائر مطالبة بالانتقال تدريجيا من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التصنيع والإدماج المحلي، خاصة وأن الطلب على المعدات الفلاحية مرشح للارتفاع خلال السنوات المقبلة.

وقال: “إذا كانت الجزائر تريد بناء منظومة غذائية مستقرة ومستدامة، فلا بد أن تمتلك قاعدة صناعية وطنية لإنتاج العتاد الفلاحي، لأن الاعتماد الكلي على الأسواق الخارجية يجعل القطاع عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات الدولية.”، وأضاف أن الشراكات الدولية يجب أن تتجاوز منطق الاستيراد المباشر نحو نقل التكنولوجيا والخبرة والتكوين ورفع نسب الإدماج الوطني.

وأشار إلى أن المؤشرات الحالية تبعث على التفاؤل، لكنها في الوقت نفسه تضع القطاع أمام مسؤوليات أكبر، قائلا: “ما تحقق هذا الموسم يؤكد أن الجزائر تسير في الاتجاه الصحيح، غير أن المحافظة على هذا المسار تتطلب مواصلة الاستثمار في المكننة والعصرنة والتخطيط العلمي، لأن الأمن الغذائي أصبح اليوم قضية سيادية بامتياز.”

وفرة الحبوب كشفت أن معركة الأمن الغذائي انتقلت من الإنتاج إلى إدارة الإنتاج

من جهته، اعتبر الخبير في الشؤون الفلاحية، لعلى بوخالفة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن ما تشهده تعاونيات الحبوب والبقول الجافة خلال هذه المرحلة لا يمكن قراءته على أنه مجرد عملية موسمية مرتبطة بجمع المحصول، بل يمثل مؤشرا واضحا على انتقال سياسة الحبوب في الجزائر من منطق التسيير الظرفي للمواسم، إلى منطق بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتخزين والتحضير الاستباقي للمواسم المقبلة.

ويؤكد بوخالفة أن أهمية الحركية المسجلة حاليا تكمن في أنها تتزامن مع عاملين أساسيين، الأول يتعلق بالحجم المرتقب للإنتاج الذي يبدو استثنائيا مقارنة بمواسم سابقة، والثاني يرتبط بقدرة المنظومة اللوجستية على استيعاب هذا الإنتاج دون تسجيل اختناقات ميدانية قد تؤثر على جودة المحصول أو تضيع جزءا منه.

من الحصاد إلى التخزين المعركة الحقيقية تبدأ بعد الإنتاج

ويشير المتحدث إلى أن نجاح أي موسم للحبوب لا يقاس فقط بحجم الإنتاج المحقق داخل الحقول، لأن التجارب السابقة أظهرت أن جزءا مهما من التحديات يبدأ بعد انتهاء عملية الحصاد، خاصة ما يتعلق بسرعة جمع المحصول ونقله وتخزينه في ظروف ملائمة، وأضاف أن رفع الإنتاج لوحده لا يكفي إذا لم ترافقه منظومة تخزين واستقبال قادرة على استيعاب الكميات المحققة، لأن أي تأخر في نقل الحبوب أو بقاء المحاصيل لفترات طويلة داخل الحقول خلال هذه المرحلة الصيفية، قد يرفع من مخاطر التلف والحرائق والخسائر التقنية.

ويرى بوخالفة أن اعتماد نظام المداومة والعمل حتى خلال العطل الأسبوعية يعكس إدراكا مسبقا لحساسية المرحلة الحالية، لأن عامل الوقت في حملات الحصاد يعتبر عنصرا حاسما لا يقل أهمية عن وفرة الإنتاج نفسها، ويبرز بوخالفة أن إنشاء مراكز تخزين جوارية يمثل أحد أهم التحولات التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة، لأنها خففت الضغط على مراكز التجميع الكبرى وقلصت المسافات التي يقطعها الفلاحون لتسليم المحاصيل.

وأضاف المتحدث أنه في السابق كان الفلاح يواجه أحيانا صعوبات مرتبطة بالنقل وطول المسافات والانتظار، وهو ما كان ينعكس على سرعة تسليم المحصول، أما اليوم فالمراكز الجوارية أصبحت تلعب دور الحلقة الوسيطة التي تسمح بتجميع المحصول بشكل أسرع وأكثر تنظيما، ويرى أن هذا التوجه ستكون له آثار إيجابية ليس فقط على إنجاح الموسم الحالي، وإنما أيضا على تقليص الفاقد الزراعي وتحسين كفاءة إدارة مخزون الحبوب مستقبلا.

وبشأن شروع التعاونيات في معالجة البذور بالتوازي مع استمرار الحصاد، يعتبر بوخالفة أن هذه الخطوة تعكس تحولا مهما في طريقة إدارة المواسم الفلاحية.
وأضاف أن هناك فرقا بين العمل بمنطق موسمي والعمل بمنطق السلسلة الإنتاجية المتواصلة. عندما يتم التفكير في البذور المقبلة قبل نهاية الحصاد الحالي فهذا يعني وجود رؤية استباقية تقوم على ضمان الاستمرارية وعدم ترك فترات فراغ بين موسم وآخر.

ويؤكد أن التحكم في ملف البذور يعد أحد مفاتيح تقليص التبعية الخارجية، خاصة أن الجزائر تعمل منذ سنوات على رفع إنتاج البذور المحلية ذات المردودية العالية والمتكيفة مع الخصائص المناخية والتربة الوطنية.

كما يرى المتحدث أن تسخير إمكانات مجمع “أغروديف” واستقدام الحاصدات الإضافية، إلى جانب إطلاق منصة “حصاد” الرقمية، يعكس توجها جديدا نحو تحديث أدوات التسيير الفلاحي، مشيرا إلى أن الفلاحة الحديثة لم تعد تقوم فقط على توسيع المساحات المزروعة، بل أصبحت مرتبطة بسرعة التدخل، والقدرة على تسيير البيانات، واستغلال التكنولوجيا لتقليص الوقت والتكاليف وتحسين المردودية.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية