الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
إفريقيا

من التدخل الظرفي إلى الإدارة الذكية.. هل تعيد الرقمنة توازن السوق الجزائرية؟

Author
إيمان عبروس 29 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تسير الجزائر نحو مرحلة متقدمة من إعادة هيكلة منظومة تسيير السوق الوطنية، في ظل توجه متزايد لاعتماد الرقمنة كأداة استراتيجية لتعزيز فعالية ضبط التموين، وتطوير أساليب التدخل العمومي.

ويأتي هذا التحول استجابة لجملة من التحديات الاقتصادية والتنظيمية التي فرضتها التحولات العميقة في أنماط الاستهلاك، وتعقيد سلاسل التوزيع، إلى جانب تصاعد الإشكالات المرتبطة بالمضاربة وندرة بعض المواد الأساسية.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع النظام المعلوماتي لمتابعة تموين السوق كإحدى أهم الأوراش الإصلاحية التي تعوّل عليها السلطات العمومية لإعادة صياغة طريقة إدارة المعطيات الاقتصادية. وينتظر أن يشكل هذا النظام، الذي يتم تطويره بتنسيق بين عدة قطاعات وهيئات، انتقالا نوعيا من مقاربات المعالجة الظرفية للاختلالات إلى منظومة رقمية متكاملة، تقوم على جمع البيانات وتحليلها بشكل آني ودقيق، بما يسمح بدعم القرار الاقتصادي على أسس أكثر استباقية وفعالية.

كما يُنظر إلى هذا المشروع باعتباره خطوة تأسيسية نحو بناء حوكمة رقمية متكاملة للسوق الوطنية، من شأنها تعزيز الشفافية في مسارات توزيع السلع، وتحسين آليات المراقبة، والحد من الممارسات غير النظامية التي تؤثر على توازن العرض والطلب، بما يساهم في إرساء استقرار أكبر داخل المنظومة الاقتصادية.

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، اعتبر الخبير بوشيخي بوحوص، أن الرقمنة لا تندرج ضمن إطار التحديث الإداري فقط، بل تمثل إعادة صياغة لطريقة فهم السوق وإدارته، بما يسمح بالانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى منطق الحوكمة الاستباقية المبنية على المعلومة الدقيقة.

الرقمنة كتحوّل في فلسفة التسيير الاقتصادي

يرى الخبير بوحوص شيخي أن مشروع النظام المعلوماتي لمتابعة تموين السوق يعكس تحولا أعمق في فلسفة التسيير الاقتصادي، وليس مجرد تطوير للأدوات التقنية. فحسب تحليله، لم يعد من الممكن إدارة سوق تتسم بالتعقيد والتشابك بالاعتماد على معطيات تقليدية أو تدخلات جزئية، بل بات من الضروري تبني نظام معلوماتي شامل يسمح بمتابعة تدفق السلع لحظة بلحظة.

ويؤكد أن هذا التحول، إذا ما تم تجسيده ميدانيا، من شأنه أن يحدث نقلة نوعية في صناعة القرار الاقتصادي، من خلال توفير معطيات دقيقة حول الإنتاج، الاستيراد، التخزين، والتوزيع، بما يمكّن السلطات من التدخل في الوقت المناسب لتصحيح الاختلالات قبل تفاقمها.

غير أن بوشيخي يشدد، في المقابل، على أن نجاح هذا المسار لا يرتبط بالجانب التقني وحده، بل يتطلب جاهزية مؤسساتية قادرة على العمل بمنطق جديد يقوم على الشفافية وتبادل البيانات في الزمن الحقيقي.

اختلالات السوق وضغط المضاربة

في تحليله لواقع السوق الوطنية، يلفت الخبير إلى أن الاختلالات الحالية لا يمكن اختزالها في نقص بعض المواد، بل تعود إلى عوامل بنيوية مرتبطة بطريقة تنظيم السوق وسلاسل التوزيع.

ويعتبر أن المضاربة أصبحت أحد أبرز العوامل المؤثرة في استقرار الأسعار، إذ تستغل بعض الفئات ثغرات التوزيع لتحقيق أرباح غير مشروعة، ما يؤدي إلى خلق ندرة مصطنعة في بعض المواد الأساسية رغم توفرها النسبي.

كما يشير إلى أن بعض حلقات الاستيراد والتوزيع تعاني من مظاهر احتكار غير مباشر، الأمر الذي يجعل الأسعار في أحيان كثيرة غير مرتبطة بالعرض الحقيقي، بل بتوازنات داخلية في مسار السلع.

إعادة تنظيم السوق عبر البنية المحلية للتوزيع

ضمن مقاربته الإصلاحية، يدعو بوحوص إلى إعادة بعث شبكات أسواق الفلاح والأسواق الجوارية عبر مختلف ولايات الوطن، باعتبارها آلية فعالة لإعادة التوازن إلى السوق الوطنية.

ويشرح أن هذه الأسواق يمكن أن تشكل قناة مباشرة بين المنتج والمستهلك، بما يسمح بتقليص عدد الوسطاء، وخفض التكاليف، وتعزيز شفافية التسعير.

كما يرى أن هذا النموذج قادر على خلق ديناميكية اقتصادية محلية، خصوصا إذا تم تأطيره ضمن منظومة مؤسساتية حديثة.

ويقترح في هذا السياق تحويل هذه الشبكات إلى كيانات اقتصادية منظمة وفق نموذج الشركات المساهمة، مع اعتماد قواعد صارمة للشفافية والإفصاح والرقابة المالية، بما يضمن استدامتها ونجاعتها.

كما يؤكد على أهمية إدماج الشباب وخريجي الجامعات في تسيير هذه الهياكل، باعتبارهم عنصرا أساسيا في إدخال الابتكار وتحديث أساليب الإدارة.

البطاقة التموينية الذكية وإعادة هندسة الدعم

تناول الخبير أيضا ملف الدعم الاجتماعي، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد الوطني، نظرا لاتساع قاعدة المستفيدين وتعقيد آليات توزيعه.

ويقترح في هذا الإطار اعتماد “البطاقة التموينية الذكية المرقمنة” كأداة لإعادة تنظيم توزيع المواد الأساسية، مثل الزيت والسكر والحليب والسميد والمواد الطاقوية.

وتقوم هذه الآلية على تخصيص حصص شهرية محددة لكل أسرة، اعتمادا على قاعدة بيانات وطنية محدثة، بما يسمح بتوجيه الدعم بدقة أكبر، والحد من التسرب نحو السوق الموازية، وتقليص الهدر.

كما يرى أن هذا النموذج يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على الميزانية العمومية، عبر الانتقال من دعم شامل وغير موجه إلى دعم انتقائي يستهدف الفئات الأكثر احتياجا.

جدلية الدعم بين العدالة والاستدامة

يشير بوشيخي إلى أن النقاش حول إصلاح منظومة الدعم يطرح إشكالية توازن دقيقة، بين متطلبات العدالة الاجتماعية وضرورات الاستدامة المالية.

فمن جهة، يمثل الدعم عنصرا أساسيا في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، ومن جهة أخرى، يشكل عبئا متزايدا على المالية العمومية في حال عدم توجيهه بدقة.

ويؤكد أن أي إصلاح في هذا المجال يجب أن يكون تدريجيا ومدروسا، مع الاعتماد على أدوات رقمية دقيقة تسمح بتحديد المستفيدين الفعليين، وتفادي سوء التوزيع أو الاستغلال غير العادل للموارد.

الاستيراد والإنتاج ومعادلة الاستقرار الاقتصادي

في قراءة أوسع، يربط الخبير بين استقرار السوق الوطنية وطبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد، خاصة فيما يتعلق بالاعتماد على الاستيراد.

ويشير إلى أن ارتباط الأسعار المحلية بالأسواق العالمية يجعل الاقتصاد الوطني عرضة للتقلبات الخارجية، سواء المرتبطة بأسعار المواد الأولية أو اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية.

في المقابل، يدعو إلى تعزيز الإنتاج المحلي، خصوصا في القطاعات الاستراتيجية، باعتباره مدخلا أساسيا لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في التموين، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

كما يشدد على أهمية تنويع الشركاء التجاريين وتطوير الدبلوماسية الاقتصادية، بما يتيح تأمين مصادر متعددة للتموين.

التحديات أمام النظام المعلوماتي

رغم الطموحات التي يحملها مشروع الرقمنة، يلفت الخبير إلى وجود جملة من التحديات التي قد تعيق نجاحه، أبرزها ضعف التكامل بين قواعد البيانات، وتفاوت مستويات الرقمنة بين القطاعات، إضافة إلى محدودية التنسيق المؤسسي.

كما يشير إلى أن العنصر البشري يمثل تحديا أساسيا، في ظل الحاجة إلى تكوين متخصص وتأهيل الكفاءات للتعامل مع الأنظمة الرقمية الحديثة.

ويضيف أن مقاومة التغيير داخل بعض الهياكل الإدارية، قد تشكل بدورها عائقا أمام الانتقال السلس نحو منظومة رقمية متكاملة.

نحو حوكمة اقتصادية قائمة على البيانات

يخلص المتحدث إلى أن الهدف الحقيقي من مشروع النظام المعلوماتي يجب ألا يقتصر على ضبط التموين فقط، بل يتعداه إلى بناء منظومة وطنية شاملة لحوكمة البيانات الاقتصادية.

هذه المنظومة يفترض أن تغطي مختلف مراحل الدورة الاقتصادية، من الإنتاج إلى الاستهلاك، مرورا بالاستيراد والتوزيع والتخزين، بما يسمح بتوفير رؤية دقيقة وشاملة تدعم القرار الاقتصادي.

ويؤكد أن الانتقال إلى هذا النموذج يمثل خطوة أساسية نحو اقتصاد أكثر شفافية وفعالية، قائم على المعلومة الدقيقة بدل التقديرات الجزئية.

كما يعكس تصريح الخبير بوشيخي بوحوص أن مشروع رقمنة ضبط السوق في الجزائر يمثل فرصة استراتيجية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسوق على أسس جديدة، تقوم على الشفافية والنجاعة والاعتماد على البيانات.

غير أن هذا التحوّل يظل مرهونا بقدرة المؤسسات على تجاوز الطابع التقني للمشروع، والانخراط في إصلاح شامل يمس البنية الاقتصادية وآليات التوزيع وسياسات الدعم.

وبين الطموح الرقمي والتحديات الميدانية، يبقى الرهان الأساسي هو تحويل هذا المشروع من مجرد نظام معلوماتي إلى أداة فعلية للحوكمة الاقتصادية، قادرة على تحقيق التوازن بين استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي