الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

من التشخيص إلى الدعم النفسي..أول وحدة جزائرية متكاملة لعلاج السمنة

Author
إيمان عبروس 07 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه المنظومة الصحية الجزائرية نحو اعتماد مقاربات حديثة في علاج الأمراض المزمنة، ويأتي تدشين أول وحدة وطنية متخصّصة في التكفّل بالسمنة كخطوة مفصلية تعكس وعياً متزايداً بخطورة هذا المرض وتعقيداته الصحية والنفسية والاجتماعية.

هذه المبادرة لا تهدف فقط إلى تحسين العرض الصحي، بل تمهّد لمرحلة جديدة تقوم على التكفّل الشامل ومتعدّد التخصصات وفق المعايير الدولية.

يعتمد التكفل بالمرضى على برنامج علاجي متكامل يبدأ بتقييم شامل لكل حالة، ثم إعداد خطة علاجية فردية تشمل المتابعة الطبية، النصائح الغذائية، الدعم النفسي، النشاط البدني، وتوعية المرضى بكيفية التعامل مع المرض مع ضمان المتابعة المستمرة وتقييم النتائج.

عمار طبايبية

وفي هذا السياق، قدّم البروفيسور عمار طبايبية، رئيس الجمعية الجزائرية لمحاربة السمنة والأمراض الأيضية، في حوار لـ”الأيام نيوز”، قراءة معمقة لأهمية هذه الخطوة، موضحاً التحديات المرتبطة بمرض السمنة وآفاق التكفّل به في الجزائر.

الأيام نيوز: ما أهمية هذه الوحدة على المستوى الوطني؟

البروفيسور طبايبية: يمكن القول إن هذه الوحدة تمثل نقلة نوعية في مسار التكفل بمرض السمنة في الجزائر، لأننا كنا نفتقر إلى هياكل متخصّصة تستجيب فعليا لاحتياجات هذه الفئة من المرضى. السمنة ليست مجرد زيادة في الوزن كما يعتقد البعض، بل هي مرض مزمن ومعقد تم الاعتراف به منذ سنة 1997، ويستدعي متابعة طبية مستمرة ومتكاملة.

أهمية هذه الوحدة تكمن في كونها توفر لأول مرة إطارا منظما يجمع بين التشخيص، العلاج، والمتابعة طويلة المدى، وفق بروتوكولات علمية دقيقة. كما أنها تساهم في تقليص المضاعفات المرتبطة بالسمنة، والتي تمثل عبئا ثقيلا على المنظومة الصحية، سواء من حيث التكلفة أو من حيث التأثير على جودة حياة المرضى.

الأيام نيوز: هل هناك جهود سابقة في هذا المجال؟

البروفيسور طبايبية: نعم، الجهود موجودة منذ سنوات، لكنها كانت مشتتة وتفتقر إلى إطار مؤسساتي موحد، فمنذ أكثر من أربع سنوات، أسسنا، رفقة مجموعة من الزملاء، الجمعية الجزائرية لمحاربة السمنة والأمراض الأيضية، وكان هدفنا الأساسي هو نشر الوعي حول هذا المرض، والتأكيد على ضرورة الوقاية والكشف المبكر.

عملنا على تنظيم أيام دراسية، حملات تحسيسية، ومرافقة بعض المرضى، لكننا كنا دائما نصطدم بغياب هياكل متخصصة. لذلك، يمكن اعتبار هذه الوحدة تتويجا لمسار طويل من الجهود العلمية والميدانية.

الأيام نيوز: لماذا يتم التركيز بشكل كبير على الوقاية؟

البروفيسور طبايبية: لأن الوقاية هي المفتاح الحقيقي لمواجهة هذا المرض. الأرقام اليوم مقلقة جدا، حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي 30% من البالغين في الجزائر يعانون من السمنة، إضافة إلى 13% من الأطفال، وهذه النسبة في ارتفاع مستمر.

خطورة الأمر تكمن في أن السمنة في سن الطفولة غالبًا ما تستمر إلى مرحلة البلوغ، وتتحول إلى سمنة مفرطة في سن الأربعين أو الخمسين، مصحوبة بمضاعفات خطيرة مثل داء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والشرايين، وحتى بعض أنواع السرطان.

كما يجب ألا نغفل الجانب النفسي، حيث يعاني الكثير من المرضى من الاكتئاب، ضعف الثقة بالنفس، واضطرابات في السلوك الغذائي. لذلك، فإن الاستثمار في الوقاية، خاصة في الوسط المدرسي والعائلي، يبقى الخيار الأكثر فعالية.

الأيام نيوز: ماذا عن العلاج داخل هذه الوحدة؟

البروفيسور طبايبية: العلاج هنا لا يعتمد على مقاربة تقليدية، بل على منظومة متكاملة تحترم المعايير الدولية. لقد حرصنا على تهيئة بيئة علاجية مريحة ومناسبة لمرضى السمنة، لأن الجانب النفسي مهم جدًا في نجاح العلاج. على سبيل المثال، تم تجهيز الوحدة بأسرّة خاصة تتحمل أوزانا كبيرة، وأبواب واسعة تسهل الحركة، وكراسٍ مريحة، ومرافق صحية مهيأة. هذه التفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تُحدث فرقا كبيرا في شعور المريض بالراحة والكرامة، وهو عنصر أساسي في نجاح التكفل.

 الأيام نيوز: هل يمكن إعطاء مثال عن معاناة المرضى؟

البروفيسور طبايبية: للأسف، معاناة مرضى السمنة يومية ومتعددة الأوجه. أذكر حالة مريضة يفوق وزنها 180 كلغ، كانت تعاني من صعوبة كبيرة في التنقل، ولا تجد وسائل نقل مناسبة. حتى في الأماكن العامة، كانت تخشى الجلوس خوفًا من انكسار الكرسي أو نظرات الآخرين. هذا إلى جانب المعاناة النفسية، حيث تتعرض هذه الفئة لنوع من الوصم الاجتماعي، ما يؤدي إلى العزلة والاكتئاب، وفي بعض الحالات إلى اضطرابات خطيرة في الأكل. لذلك، نحن لا نعالج مرضا فقط، بل نتعامل مع إنسان يحتاج إلى دعم شامل.

الأيام نيوز: ما الدور الأساسي لهذه الوحدة؟

البروفيسور طبايبية: دور الوحدة شامل ومتكامل، يبدأ بالتشخيص الدقيق لحالة المريض، مرورا بالكشف عن المضاعفات المحتملة مثل أمراض القلب، واضطرابات التنفس، وانقطاع النفس أثناء النوم، وأمراض الكبد. كما نوفر برامج خاصة بالنشاط البدني المكيف، لأن ممارسة الرياضة بالنسبة لمريض السمنة يجب أن تكون مدروسة وتحت إشراف مختصين، لتفادي أي مضاعفات. إضافة إلى ذلك، هناك فضاءات للتربية العلاجية، حيث يتم توعية المرضى بكيفية التعامل مع المرض على المدى الطويل.

الأيام نيوز: هل يعتمد التكفل على مقاربة متعددة التخصصات؟

البروفيسور طبايبية: بالتأكيد، وهذا هو جوهر نجاح هذه الوحدة. لا يمكن معالجة السمنة من زاوية واحدة، لذلك نعتمد على فريق متكامل يضم أطباء مختصين، وأخصائيي تغذية، وأخصائيين نفسيين، إلى جانب طاقم شبه طبي مؤهل. يتم دراسة كل حالة بشكل فردي، واتخاذ القرار العلاجي بشكل جماعي، بما يضمن تقديم أفضل خطة علاجية ممكنة، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الصحية، النفسية والاجتماعية للمريض.

الأيام نيوز: ما أبرز مسببات السمنة؟

البروفيسور طبايبية: السمنة مرض متعدد العوامل، فقد تكون هناك أسباب جينية أو هرمونية، أو نتيجة تناول بعض الأدوية. لكن في أغلب الحالات، يكون السبب الرئيسي هو نمط الحياة غير الصحي، خاصة الإفراط في تناول السعرات الحرارية، مع قلة النشاط البدني. كما تلعب العوامل النفسية دورا مهما، حيث يلجأ البعض إلى الأكل كوسيلة للتعامل مع التوتر أو القلق، وهو ما يؤدي إلى حلقة مفرغة من زيادة الوزن والمعاناة النفسية.

الأيام نيوز: ما هي طرق العلاج المتاحة؟

البروفيسور طبايبية: العلاج يختلف حسب درجة السمنة وحالة المريض. في المراحل الأولى، نعتمد على تعديل نمط الحياة من خلال نظام غذائي متوازن وبرنامج نشاط بدني مناسب. في بعض الحالات، يمكن اللجوء إلى العلاج الدوائي، أما في الحالات المتقدمة، خاصة السمنة المفرطة، فقد يصبح التدخل الجراحي ضروريا. وهناك تقنيات حديثة مثل الجراحة بالمنظار، وتصغير المعدة، والبالون المعدي، والتي أثبتت فعاليتها.

الأيام نيوز: متى يصبح التدخل الجراحي خيارا حتميا؟

البروفيسور طبايبية: عندما يصل مؤشر كتلة الجسم إلى مستويات مرتفعة، خاصة فوق 40 أو 50، وتكون هناك مضاعفات صحية خطيرة، يصبح التدخل الجراحي ضرورة وليس خيارا. لكن هذا القرار لا يُتخذ بشكل عشوائي، بل بعد تقييم شامل للحالة، ومرافقة نفسية وطبية دقيقة، لأن الجراحة هي بداية مسار علاجي طويل يتطلب التزاما من المريض.

الأيام نيوز: ما الهدف النهائي من إنشاء هذه الوحدة؟

البروفيسور طبايبية: هدفنا الأساسي هو تحسين جودة حياة المرضى، من خلال تقديم تكفل شامل وإنساني، لا يقتصر على فقدان الوزن فقط، بل يشمل استعادة التوازن الصحي والنفسي والاجتماعي. كما نطمح إلى أن تكون هذه الوحدة نموذجا يُحتذى به على المستوى الوطني، ويتم تعميمه على باقي المؤسسات الاستشفائية، بما يضمن عدالة صحية في التكفل بهذا المرض الذي أصبح تحديا حقيقيا للصحة العمومية.

الأيام نيوز: ما هي رسالتكم للمرضى ولعموم الأشخاص؟

البروفيسور طبايبية: رسالتي لكل شخص هي ضرورة إعطاء الأولوية للصحة من خلال تبني نمط حياة سليم ومتوازن، قائم على التغذية الصحية والنشاط البدني المنتظم، لأن الوقاية تظل دائما الخيار الأنجع لتفادي هذا المرض. كما أؤكد على أهمية تغيير نظرة المجتمع تجاه مرضى السمنة، فهم بحاجة إلى المرافقة والدعم، لا إلى الأحكام المسبقة أو التهميش، لأن الجانب النفسي له دور أساسي في مسار العلاج.

رابط دائم
https://elayem.news/00bwn
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي