الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

من التمثيل إلى التأثير.. الجزائر تدخل مرحلة جديدة في مجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي

Author
صبرينة عيلان 12 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبدو اليوم إفريقيا أكثر إدراكا من أي وقت مضى لضرورة امتلاك رؤية موحدة تضمن لها التحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى مساهم في إنتاجها وتطويرها، فالرهان لم يعد يقتصر على مواكبة الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في الجزائر، بل أصبح يتعلق ببناء سيادة رقمية قارية، وتطوير القدرات البشرية، وإرساء بنية تحتية متكاملة تتيح للقارة الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، دخل مجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي مرحلة جديدة من العمل بعد انتقاله من مرحلة التنسيق السياسي وصياغة التصورات العامة إلى مرحلة التنفيذ العملي، من خلال اعتماد خارطة طريق وخطة عمل تمتد لعامين، بما يؤسس لانطلاقة فعلية نحو تجسيد الاستراتيجية الإفريقية للذكاء الاصطناعي على أرض الواقع.

وجاء ذلك خلال الاجتماع الثاني للمجلس المنعقد بمدينة جنيف السويسرية، بمشاركة وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، سيد علي زروقي، إلى جانب ممثلي الدول الأعضاء، في لقاء احتضنه مقر الاتحاد الدولي للاتصالات على هامش القمة العالمية لمجتمع المعلومات لسنة 2026، وقمة حوكمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب فعاليات القمة العالمية “AI for Good”، بدعوة من مبادرة “سمارت أفريكا”.

ويعكس هذا الاجتماع رغبة إفريقية متزايدة في الانتقال من مرحلة إعداد الرؤى والاستراتيجيات إلى مرحلة التطبيق الميداني، عبر وضع آليات تنفيذ واضحة، وتحديد الأولويات، وتنسيق الجهود بين الحكومات والمؤسسات الإقليمية والقطاع الخاص والشركاء الدوليين.

ست لجان متخصصة لتجسيد الاستراتيجية

ومن أبرز مخرجات الاجتماع تنصيب ست لجان متخصصة ستتولى متابعة وتنفيذ مختلف محاور الاستراتيجية الإفريقية للذكاء الاصطناعي، في خطوة تهدف إلى منح المجلس أدوات عمل دائمة قادرة على مواكبة الملفات التقنية والتنظيمية المرتبطة بتطوير هذا القطاع الحيوي.

وتغطي اللجان مختلف المجالات الأساسية التي تقوم عليها منظومة الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها تطوير البنية التحتية لحوسبة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حوكمة البيانات، ووضع الأطر التنظيمية، واستقطاب الاستثمارات، إلى جانب تنمية الكفاءات والمهارات الرقمية، وهي عناصر تعد حجر الأساس لبناء اقتصاد رقمي إفريقي تنافسي.

ويؤكد هذا التوجه أن القارة تسعى إلى بناء منظومة متكاملة لا تعتمد فقط على استيراد الحلول التقنية، وإنما تعمل على تطوير بيئة حاضنة للابتكار والإنتاج الرقمي، بما يعزز استقلالها التكنولوجي ويمنحها قدرة أكبر على الاستفادة من التحولات العالمية.

تأهيل ثلاثة ملايين إفريقي
ومن بين أبرز الأهداف التي تضمنتها خطة العمل الجديدة، إطلاق برنامج واسع لتكوين الموارد البشرية، من خلال تأهيل ما لا يقل عن ثلاثة ملايين إفريقي في مهارات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث المقبلة.

ويعكس هذا الهدف قناعة متزايدة لدى الدول الإفريقية بأن الاستثمار في العنصر البشري يمثل المدخل الحقيقي لبناء اقتصاد رقمي قوي، إذ لن يكون بالإمكان الاستفادة من التقنيات الحديثة دون توفير كفاءات قادرة على تطويرها وتشغيلها وإدارتها.

كما ينتظر أن يساهم هذا البرنامج في خلق جيل جديد من المبتكرين ورواد الأعمال والباحثين، بما يعزز تنافسية الاقتصادات الإفريقية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

وخلال الاجتماع، برزت الدعوات إلى ضرورة تبني مقاربة إفريقية موحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تقوم على تنسيق السياسات، وتبادل الخبرات، وتطوير حلول تكنولوجية تنطلق من خصوصيات القارة واحتياجات مجتمعاتها.

وأكد المشاركون أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في إفريقيا ينبغي أن يُبنى على حلول محلية تستجيب للتحديات التنموية التي تواجهها الدول الإفريقية، سواء في قطاعات التعليم، والصحة، والفلاحة، والإدارة، أو في مجالات الأمن الغذائي وإدارة الموارد الطبيعية.

كما شددوا على أهمية تطوير القدرات التقنية والبيانية والمؤسساتية، إلى جانب تعبئة الاستثمارات، وتحفيز الابتكار، حتى تتمكن القارة من مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في هذا المجال.

الاستثمار في الحوسبة مفتاح الريادة الإفريقية

يرى الخبير في الرقمنة، صهيب بولعراق، ومختص في نظم تنظيم الذكاء الاصطناعي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مشاركة الجزائر في الاجتماع الثاني لمجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي تمثل محطة مهمة في مسار تموقعها داخل منظومة التحول الرقمي التي تشهدها القارة، غير أن القيمة الحقيقية لهذه المشاركة لن تُقاس بحجم التمثيل الدبلوماسي أو المؤسساتي، وإنما بقدرة الجزائر على تحويل هذا الحضور إلى مشاريع ملموسة، وشراكات استراتيجية، وتأثير فعلي في صياغة السياسات الرقمية الإفريقية.

وأوضح بولعراق أن العالم يشهد اليوم تحولا جذريا في مفهوم القوة الاقتصادية، حيث لم تعد الثروات الطبيعية أو الأسواق وحدها كافية لضمان المكانة الدولية، بل أصبحت البيانات، والقدرة الحوسبية، والكفاءات البشرية، والبحث العلمي، عناصر تحدد وزن الدول في الاقتصاد العالمي، وأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى ركيزة لإعادة تشكيل قطاعات الصناعة، والصحة، والتعليم، والنقل، والطاقة، والأمن، ما يجعل الاستثمار فيه خيارًا استراتيجيًا وليس ترفًا تكنولوجيًا.

وأشار المتحدث إلى أن إنشاء مجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الدول الإفريقية بأن المرحلة المقبلة تفرض امتلاك رؤية قارية موحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل احتدام المنافسة العالمية حول التقنيات الناشئة.

وأكد أن اعتماد خارطة الطريق وخطة العمل الجديدة يمثل انتقالا من مرحلة إعداد الاستراتيجيات إلى مرحلة التنفيذ، وهو تحول مهم يمنح القارة فرصة لبناء مقاربة مشتركة في مجالات الحوكمة الرقمية، والبنية التحتية، وتطوير الكفاءات واستقطاب الاستثمارات.

ويرى بولعراق أن هذا المجلس يمكن أن يتحول إلى منصة حقيقية لتنسيق المشاريع القارية إذا نجحت الدول الأعضاء في تحويل الرؤى إلى برامج تنفيذية، لأن التحدي لم يعد يتمثل في امتلاك وثائق استراتيجية، وإنما في القدرة على تطبيقها وتحقيق أثر اقتصادي ملموس.

الجزائر تمتلك المقومات والتحدي هو تحويلها إلى قيمة اقتصادية
ويؤكد الخبير أن الجزائر تدخل هذا المسار وهي تمتلك نقاط قوة مهمة، في مقدمتها قاعدة جامعية واسعة، ومدارس عليا متخصصة في الذكاء الاصطناعي والرياضيات، إلى جانب تزايد عدد التخصصات المرتبطة بعلوم البيانات والبرمجيات والهندسة الرقمية.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت بروز مبادرات وطنية في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية، وهو ما يعكس وجود كفاءات قادرة على الابتكار والمنافسة، غير أن هذه القدرات تحتاج إلى منظومة اقتصادية متكاملة تضمن انتقال الابتكار من المختبرات إلى السوق.

وأوضح أن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح منظومات الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بتوفر الباحثين والمهندسين، وإنما بوجود منظومة متكاملة تربط الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية، وتمكن الشركات الناشئة من الوصول إلى التمويل والأسواق، وهو ما ينبغي العمل على تعزيزه في الجزائر.

ويرى بولعراق أن الجزائر حققت تقدما ملحوظا في مجال التحول الرقمي، خاصة من خلال توسع شبكة الألياف البصرية، وتطوير مراكز البيانات، وتحسين خدمات الاتصال، غير أن سباق الذكاء الاصطناعي يفرض متطلبات أكثر تعقيدا.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي الحديث يعتمد على بنى تحتية حوسبية عالية الأداء، تشمل مراكز بيانات متطورة، ومعالجات متخصصة، وقدرات كبيرة على تدريب النماذج الذكية وتشغيلها، وهي عناصر أصبحت تمثل أساس التنافس العالمي.

وأضاف أن امتلاك بنية اتصالات قوية يعد خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لبناء صناعة ذكاء اصطناعي قادرة على المنافسة، ما يستدعي الاستثمار في الحوسبة السحابية، والحوسبة فائقة الأداء، وتوسيع قدرات مراكز البيانات الوطنية.

وأكد بولعراق أن البيانات أصبحت المورد الاستراتيجي الأهم في الاقتصاد الرقمي، مشيرًا إلى أن الجزائر تمتلك رصيدا كبيرا من البيانات في قطاعات حيوية مثل الطاقة، والصحة، والفلاحة، والنقل، والتعليم والموارد المائية.
وأشار إلى أن حسن تنظيم هذه البيانات، ووضع أطر قانونية واضحة لحوكمتها، يمكن أن يحولها إلى مصدر لإنتاج حلول ذكاء اصطناعي تستجيب للاحتياجات المحلية، بدل الاعتماد الكامل على نماذج أجنبية قد لا تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية والاقتصادية للمنطقة.

وأضاف أن تطوير نماذج ذكاء اصطناعي باللغة العربية، مع مراعاة الخصوصية الإفريقية، يمثل فرصة استراتيجية يمكن للجزائر أن تلعب فيها دورًا رياديًا، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وإمكاناتها العلمية.

وأشار الخبير إلى أن الجزائر ليست وحدها في هذا المسار، إذ تشهد القارة سباقا متسارعًا بين عدد من الدول لتطوير اقتصاداتها الرقمية، وأوضح أن دولًا مثل مصر، وجنوب إفريقيا، وكينيا، ورواندا، والمغرب، وتونس، قطعت أشواطًا مهمة في بناء بيئات رقمية جاذبة للاستثمار والابتكار، وهو ما يفرض على الجزائر تسريع وتيرة الإصلاحات وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين.
وأضاف أن الجزائر تمتلك بدورها مزايا تنافسية مهمة، أبرزها حجم السوق الوطنية، والموارد الطاقوية، والموقع الجغرافي الذي يربط إفريقيا بأوروبا، إضافة إلى قاعدة جامعية معتبرة، وهي عناصر يمكن أن تجعلها مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا إذا أحسن استثمارها.

ويرى بولعراق أن أحد أكبر التحديات يتمثل في تمويل الابتكار، موضحًا أن تشجيع المؤسسات الناشئة يمثل خطوة إيجابية، لكنه يحتاج إلى منظومة تمويل أكثر تنوعًا، تشمل صناديق استثمار جريء، وآليات لمرافقة المشاريع في مختلف مراحل نموها.

وأضاف أن التجارب العالمية تثبت أن الشركات الرائدة في الذكاء الاصطناعي لم تنجح بفضل البحث العلمي فقط، بل بفضل وجود منظومات تمويل قوية رافقت انتقال الأفكار من المختبرات إلى الأسواق العالمية.

من الحضور الدبلوماسي إلى صناعة النفوذ الرقمي

وأكد بولعراق على أن عضوية الجزائر في مجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي تمثل فرصة استراتيجية ينبغي استثمارها بذكاء، لأنها تتيح المشاركة في صياغة التوجهات الرقمية للقارة وبناء شراكات جديدة في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

وأضاف أن الرهان الحقيقي لم يعد يتمثل في امتلاك استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة تقوم على خمس مرتكزات أساسية: البيانات، والحوسبة، والكفاءات البشرية، والتمويل، وربط البحث العلمي بالاقتصاد.

وأكد أن الجزائر، إذا نجحت في الجمع بين هذه العناصر، فإن مشاركتها داخل مجلس الذكاء الاصطناعي الإفريقي لن تبقى مجرد تمثيل مؤسساتي، بل ستتحول إلى أداة لتعزيز نفوذها الرقمي، وترسيخ مكانتها كفاعل مؤثر في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي الإفريقي، بما يخدم أهدافها في التنويع الاقتصادي، وتعزيز الابتكار، وبناء سيادة رقمية حقيقية.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑