الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من الثروة المنجمية إلى الصناعة التحويلية.. الجزائر تراهن على الفوسفات لصناعة المستقبل

Author
صبرينة عيلان 06 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

وجه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، خلال الاجتماع الوزاري الأخير، بضرورة دخول مشروع الفوسفات المدمج حيز الإنتاج خلال الثلاثي الأول من سنة 2027، بالتزامن مع استكمال مشروع توسعة ميناء عنابة وجاهزيته لتصدير أولى شحنات الفوسفات.

ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره أحد أكبر الرهانات الصناعية والاستراتيجية في البلاد، بالنظر إلى دوره المنتظر في تثمين الثروات المنجمية الوطنية وتحويلها إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، قادرة على تعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي.

فالمشروع لا يتعلق فقط باستغلال احتياطيات ضخمة من الفوسفات، بل يمثل رؤية متكاملة تهدف إلى تحويل هذه الثروة المنجمية إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، قادرة على تلبية احتياجات الأسواق المحلية والدولية، وتعزيز مكانة الجزائر ضمن أبرز المنتجين والمصدرين للأسمدة في العالم.

وتتزايد أهمية هذا المشروع في ظل التحولات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي وارتفاع الطلب على الأسمدة الزراعية، ما يمنح الجزائر فرصة استراتيجية للاندماج بقوة في سلاسل القيمة الدولية المرتبطة بالإنتاج الزراعي والصناعات الكيميائية.

كما أن دخول المشروع حيز الإنتاج خلال سنة 2027، بالتزامن مع استكمال مشاريع البنية التحتية المرافقة وعلى رأسها توسعة ميناء عنابة، يفتح آفاقا واسعة أمام رفع الصادرات خارج قطاع المحروقات، وتقليص الاعتماد على العائدات النفطية، وبناء مصادر جديدة ومستدامة للعملة الصعبة.

الفوسفات المدمج رهان الجزائر لبناء قوة صناعية خارج المحروقات

وفي الموضوع يرى الخبير في الاقتصاد، هواري تيغرسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مشروع مركب إنتاج الأسمدة الفوسفورية ومشروع الفوسفات المدمج لإنتاج الأمونياك واليوريا والأسمدة الفوسفورية والأزوتية، يمثلان أحد أكبر الرهانات الاقتصادية والصناعية التي تعول عليها الجزائر خلال السنوات المقبلة، بالنظر إلى ما يحمله المشروع من أبعاد استراتيجية تتجاوز الاستغلال التقليدي للثروات المنجمية نحو بناء صناعة تحويلية متكاملة قادرة على خلق الثروة ورفع القيمة المضافة وتعزيز مكانة الجزائر في الأسواق الدولية.

وأوضح تيغرسي أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في حجمه الاستثماري أو في الموارد المنجمية الضخمة التي يرتكز عليها، بل في الفلسفة الاقتصادية الجديدة التي يقوم عليها، والتي تستهدف الانتقال من منطق تصدير المواد الخام إلى منطق التصنيع والتحويل والتصدير.

فالفوسفات، الذي ظل لعقود طويلة يمثل موردا منجميا غير مستغل بالشكل الأمثل، سيتحول بفضل هذا المشروع إلى قاعدة صناعية متكاملة تشمل الاستخراج والتحويل الكيميائي وإنتاج الأسمدة بمختلف أنواعها، بما يسمح بتعظيم العائد الاقتصادي من كل طن يتم استخراجه.

وأضاف أن الجزائر تمتلك مقومات استثنائية لإنجاح هذا المشروع، سواء من حيث احتياطياتها الكبيرة من الفوسفات أو من حيث توفر الغاز الطبيعي الذي يعد مكونا أساسيا في صناعة الأمونياك واليوريا، فضلا عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يمنحها إمكانية الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية في آجال تنافسية.

لذلك فإن المشروع لا يمثل مجرد استثمار صناعي، بل يعد لبنة أساسية في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعا وأقل ارتباطا بتقلبات أسواق النفط والغاز.

وأشار تيغرسي إلى أن دخول مشروع الفوسفات المدمج حيز الإنتاج خلال الثلاثي الأول من سنة 2027 سيكون بمثابة نقطة تحول حقيقية في مسار التنويع الاقتصادي، خاصة في ظل التوجه الرسمي الرامي إلى توسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات وخلق مصادر جديدة للعملة الصعبة.

وأوضح أن الأسواق العالمية تشهد منذ سنوات طلبا متزايدا على الأسمدة الزراعية بفعل النمو السكاني العالمي، وتوسع النشاط الزراعي والحاجة المتزايدة إلى رفع الإنتاجية الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي.

وفي هذا السياق، يمكن للجزائر أن تستفيد من هذه التحولات الدولية عبر التموقع كفاعل رئيسي في سوق الأسمدة، خاصة وأن القارة الإفريقية وحدها تمثل سوقا واعدة تحتاج إلى كميات كبيرة من الأسمدة لدعم مشاريعها الزراعية.

ويرى المتحدث أن المشروع سيمكّن الجزائر من الانتقال من تصدير الفوسفات الخام أو شبه الخام إلى تصدير منتجات صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة، وهو ما يضاعف العائدات المالية ويعزز مساهمة القطاع المنجمي في الناتج الداخلي الخام. كما أن إنتاج الأسمدة محليا سيقلل من التبعية للأسواق الخارجية ويوفر احتياجات القطاع الفلاحي الوطني بأسعار أكثر تنافسية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي الوطني.

وأكد أن هذا المشروع سيخلق شبكة اقتصادية واسعة تشمل الصناعات الكيميائية والبتروكيميائية والخدمات الصناعية المختلفة، إضافة إلى مؤسسات المناولة والنقل والتخزين والصيانة، وهو ما يمنح الاقتصاد الوطني ديناميكية جديدة ويخلق فرصا معتبرة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للاندماج في سلاسل القيمة الصناعية.

وأضاف أن الرهان لا يقتصر على إنتاج الأسمدة فقط، بل يمتد إلى تطوير منظومة صناعية متكاملة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، حيث سيفتح المشروع المجال أمام نقل الخبرات التقنية الحديثة وتكوين الكفاءات الوطنية في تخصصات صناعية متقدمة، بما يعزز القدرات التنافسية للاقتصاد الوطني على المدى البعيد.

توسعة ميناء عنابة الحلقة اللوجستية الحاسمة في نجاح المشروع

وبشأن الأبعاد الاقتصادية المرتبطة بالمشروع، شدد تيغرسي على أن قرار تزامن دخول مشروع الفوسفات المدمج حيز الإنتاج مع استكمال توسعة ميناء عنابة، يعكس رؤية استراتيجية متكاملة للدولة تقوم على الربط بين الاستثمار الصناعي والبنية التحتية اللوجستية.

وأوضح أن التجارب الاقتصادية العالمية أثبتت أن نجاح المشاريع الصناعية الكبرى لا يقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما بمدى قدرة منظومة النقل والتخزين والتصدير على مرافقة هذا الإنتاج وضمان وصوله إلى الأسواق الخارجية في ظروف تنافسية. ولذا فإن توسعة ميناء عنابة ستمنح المشروع منفذا تصديريا فعالا يمكنه من تسويق المنتجات الجزائرية نحو مختلف الوجهات الدولية.

وأضاف أن الميناء سيكون بمثابة بوابة اقتصادية استراتيجية لتصدير الفوسفات ومشتقاته، كما سيساهم في تخفيض تكاليف الشحن واللوجستيك وتحسين تنافسية المنتجات الجزائرية مقارنة بالمنافسين في الأسواق العالمية.

ويرى أن هذه الخطوة ستعزز اندماج الجزائر في سلاسل التجارة الدولية الخاصة بالصناعات الكيميائية والأسمدة.

وأشار الخبير في الاقتصاد إلى أن انعكاسات المشروع لن تقتصر على الجانب الصناعي فقط، بل ستشمل التنمية المحلية والجهوية، خاصة في الولايات الشرقية التي ستستفيد من ديناميكية اقتصادية جديدة تشمل خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتحفيز الاستثمارات المرافقة في قطاعات النقل والخدمات واللوجستيك والتكوين المهني.

وأكد تيغرسي أن المشروع يمثل نموذجا واضحا للتحول الذي تسعى الجزائر إلى تحقيقه في سياستها الاقتصادية، من خلال استغلال عائدات المحروقات وقدراتها التمويلية لإنشاء قطاعات إنتاجية جديدة قادرة على خلق الثروة بشكل مستدام. فالتنويع الاقتصادي، حسبه، لا يعني الاستغناء عن المحروقات، وإنما توظيفها كرافعة استراتيجية لبناء صناعات جديدة تضمن استقرار الاقتصاد الوطني وتقلل من هشاشته أمام الصدمات الخارجية.

وعليه فإن مشروع الفوسفات المدمج ومركب إنتاج الأسمدة الفوسفورية، يشكلان فرصة تاريخية للجزائر من أجل بناء قطب صناعي إقليمي قادر على المنافسة دوليا، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع الصادرات خارج المحروقات، وترسيخ أسس اقتصاد منتج قائم على التصنيع والتحويل وخلق القيمة المضافة، وهي أهداف تتوافق مع الرؤية الاقتصادية الجديدة للبلاد الرامية إلى تحقيق نمو مستدام وشامل خلال العقود المقبلة.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية