الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

من الحراش إلى سيلفرستون.. كيف حجز العقل الجزائري مكانه بين نخبة مهندسي العالم؟

Author
علي مغازي 23 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

كلما توفرت للعقل الجزائري بيئة تحتضن المعرفة وتحولها إلى إنجاز، أثبت قدرته أكثر على المنافسة في أكبر المحافل العلمية. ويجسد طلبة المدرسة الوطنية متعددة التقنيات بالحراش هذا الواقع بعد تتويج فريق «إي إن بي ريسينغ تيم» بجائزة «آلان ستانيفورث» لأفضل فريق يشارك للمرة الأولى، ضمن منافسات «فورمولا ستودنت» بالمملكة المتحدة 2026، ليضيفوا إنجازا جديدا إلى رصيد الجامعة الجزائرية، ويؤكدوا قدرتها على إعداد كفاءات تجمع بين الإبداع الهندسي والعمل الجماعي والانضباط في إدارة المشاريع، بما يفتح آفاقا أوسع لحضور الجزائر في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

ويمثل هذا التتويج أول حضور جزائري في واحدة من أكبر المنافسات العالمية المخصصة لطلبة هندسة السيارات، وهو حضور بدأ بجائزة مرموقة تمنحها المؤسسة البريطانية للمهندسين الميكانيكيين، الجهة المنظمة للمسابقة. وجاء اختيار الفريق الجزائري بعد استيفائه المعايير الهندسية والتنظيمية التي تعتمدها لجنة التحكيم، ليضع الجامعة الجزائرية بين المؤسسات الأكاديمية التي استطاعت إثبات قدرتها على المنافسة في بيئة تجمع نخبة الجامعات المتخصصة في هذا المجال.

وتحمل الجائزة قيمة تتجاوز ترتيب الفرق داخل الحلبة، لأن لجنة التحكيم تبحث عن مشروع هندسي متكامل يبدأ من الفكرة، ويمر بمرحلة التصميم، ثم التصنيع والاختبارات، وينتهي بإدارة المشروع وتقديم العروض التقنية والتجارية. لذلك تمنح الجائزة للفريق الذي ينجح في أول مشاركة له في إدارة هذه المنظومة بكفاءة، وهو ما يمنحها مكانة خاصة داخل أوساط هندسة السيارات، ويجعلها شهادة على مستوى التأهيل العلمي والإداري الذي يملكه أعضاء الفريق.

وتزداد قيمة هذا التتويج بالنظر إلى الاسم الذي تحمله الجائزة. فقد اختارت المؤسسة البريطانية للمهندسين الميكانيكيين تخليد اسم المهندس البريطاني آلان ستانيفورث، أحد أبرز مصممي سيارات السباق، وصاحب مؤلفات علمية اعتمدتها الجامعات وفرق التصميم في عدة دول. وأسهم ستانيفورث طوال مسيرته في تطوير هندسة سيارات السباق وتكوين أجيال من المهندسين، الأمر الذي منح الجائزة بعدا علميا يوازي قيمتها التنافسية.

وتنظم المؤسسة البريطانية للمهندسين الميكانيكيين منافسات فورمولا ستودنت منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، واستطاعت خلال هذه الفترة أن تجعلها أكبر مسابقة تعليمية لهندسة السيارات في أوروبا. وتستقطب المنافسة سنويا عشرات الجامعات من مختلف القارات، بينما يشارك خبراء من شركات السيارات العالمية ورياضة المحركات في تقييم المشاريع، اعتمادا على معايير تشمل جودة التصميم الهندسي، ودقة التصنيع، وإدارة المشروع، وتحليل التكاليف، وخطة الأعمال، والاختبارات التقنية، إلى جانب قدرة الفريق على الدفاع عن خياراته أمام لجنة التحكيم.

تتويج يعزز مكانة الجامعة الجزائرية

وكشف مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي المكلف بالإعلام الرقمي والمعلومة الإحصائية، عبد الجبار داودي، أن الفريق الجزائري انتزع الجائزة في فئة الفرق المشاركة للمرة الأولى، وسط مشاركة سبع دول تخوض المنافسة لأول مرة. ولفت إلى أن لجنة التحكيم اعتمدت معايير دقيقة في التقييم، من بينها جودة التصميم الهندسي، وتسيير المشروع، ومستوى التصنيع والتجميع، ونتائج الاختبارات التقنية واختبارات الأداء، وهو ما يبرز حجم العمل الذي أنجزه الطلبة قبل الوصول إلى منصة التتويج.

وربط داودي هذا النجاح بمستوى التكوين الذي توفره الجامعة الجزائرية، ورأى أن الفريق قدم صورة مشرفة عن الطلبة الجزائريين في واحدة من أبرز المنافسات الدولية الخاصة بهندسة وتصميم السيارات، بعد أن أثبت قدرته على مجاراة فرق تنتمي إلى جامعات راكمت خبرة طويلة في هذا الميدان.

وحظي الإنجاز باهتمام رسمي داخل الجزائر، إذ هنأ رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أعضاء الفريق، وأشاد بما حققوه خلال المنافسة التي احتضنها مضمار سيلفرستون بالمملكة المتحدة، وسط مشاركة واسعة لجامعات دولية. ودعا الطلبة إلى مواصلة هذا المسار، معربا عن ثقته في قدرات الشباب الجزائري على تحقيق نجاحات جديدة كلما توفرت له ظروف العمل والإبداع.

وثمّن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، البروفيسور كمال بداري، هذا التتويج، واعتبره ثمرة للكفاءات العلمية التي تحتضنها الجامعة الجزائرية. وأبرز أن الطلبة أثبتوا قدرتهم على المنافسة في المحافل الدولية بفضل ما يمتلكونه من رصيد علمي وتقني وروح ابتكارية، موجّها تهنئته إلى أعضاء الفريق، ومشيدا بما قدموه من صورة مشرّفة للجزائر في واحدة من أهم المنافسات العالمية المخصصة لطلبة الهندسة.

ولا يقف هذا الإنجاز عند حدود التتويج في منافسة دولية، بل يفتح بابا أوسع للنقاش حول المكانة التي تستطيع الجامعة الجزائرية بلوغها عندما ترتبط الدراسة الأكاديمية بالتطبيق الميداني. وتقوم منافسات من هذا النوع على بناء مشروع هندسي متكامل يجمع بين المعرفة العلمية، وإدارة الوقت، والعمل الجماعي، والقدرة على حل المشكلات، وهي عناصر تشكل اليوم أساس الصناعات التكنولوجية الحديثة.

الدكتور لطفي بن عدة، باحث في العلوم السياسية

 

الإنجاز.. أكثر من جائزة

ويرى الباحث في العلوم السياسية، الدكتور لطفي بن عدة – في تصريحات لـ”الأيام نيوز” – أن جائزة “آلان ستانيفورث” تحتل مكانة مرموقة داخل منافسات فورمولا ستودنت، لأنها تمنح للفريق الذي يثبت، منذ مشاركته الأولى، امتلاكه القدرة على احترام المعايير الهندسية والتنظيمية التي تعتمدها لجنة التحكيم. وبيّن أن اللجنة لا تحصر تقييمها في أداء السيارة، بل تدرس المشروع بكامل تفاصيله، بداية من جودة التصميم، مرورا بالتصنيع والاختبارات، ووصولا إلى إدارة المشروع، وتحليل التكاليف، والعرض التقني، وهو ما يمنح الجائزة قيمة علمية كبيرة داخل مجتمع هندسة السيارات.

وأوضح أن الفريق الجزائري نجح في تقديم مشروع متكامل، وأظهر مستوى متقدما في الإعداد الهندسي، وأحسن الدفاع عن خياراته التقنية أمام الخبراء، واستثمر الإمكانات المتاحة بكفاءة، الأمر الذي رجح كفته بين الفرق المشاركة للمرة الأولى. واعتبر أن هذا النجاح يبرهن على قدرة الطلبة الجزائريين على منافسة جامعات عريقة متى توفرت لهم الظروف المناسبة للعمل والابتكار.

الدكتور عبد الله تلي، باحث في شؤون الدبلوماسية

 

وتناول الباحث في شؤون الدبلوماسية، الدكتور عبد الله تلي، البعد الوطني لهذا الإنجاز، ورأى– ضمن تصريحات لـ”الأيام نيوز” –  أنه يقدم دليلا جديدا على امتلاك الجزائر رصيدا بشريا قادرا على المنافسة في المحافل الدولية. وأشار إلى أن هذه المنافسات تمنح الأولوية للمعرفة التطبيقية والعمل الجماعي وتوظيف التقنيات الحديثة، وهي مهارات استطاع الفريق الجزائري توظيفها بكفاءة خلال مشاركته الأولى.

ولفت إلى أن التفوق على جامعات تملك سنوات طويلة من الخبرة يؤكد أن جودة الكفاءات ترتبط بمستوى التكوين والإبداع وحسن استثمار الموارد أكثر من ارتباطها بحجم الإمكانات المادية وحدها. ودعا إلى توسيع التعاون بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية، وتعزيز تمويل المشاريع الطلابية، وإنشاء حاضنات تكنولوجية ترافق الأفكار الواعدة حتى تبلغ مرحلة الإنتاج والاستثمار، بما يحول النجاحات الفردية إلى مسار وطني متواصل.

الدكتور حمو بوداود، متخصص في التاريخ السياسي

 

وتوقف الدكتور حمو بوداود، المتخصص في التاريخ السياسي، عند النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا التتويج، ورأى أن الجامعة الجزائرية تمتلك فرصة حقيقية لتحويل الفرق المشاركة في المنافسات الدولية إلى منصات دائمة للبحث والتطوير، ترتبط باحتياجات الاقتصاد الوطني وتدعم الصناعة المحلية. وأوضح أن هذا التوجه يتطلب برامج تمويل مستقرة، وتشجيع المؤسسات الاقتصادية على احتضان المشاريع الجامعية، والاستفادة من نتائجها، إلى جانب توسيع مسابقات التصميم الهندسي داخل الجامعات حتى تصبح فضاء دائما لاكتشاف المواهب وصقلها.

وأشار إلى أن دعم الشركات الناشئة، وحماية الملكية الفكرية، وتعزيز التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية الأجنبية، يشكل منظومة متكاملة تستطيع نقل الأفكار من قاعات الدراسة إلى خطوط الإنتاج، وهو ما يمنح الجامعة دورا أكبر في صناعة الحلول التقنية وتطوير الاقتصاد المبني على المعرفة.

ويحمل هذا الإنجاز دلالة إضافية لأن الجائزة اعتادت الوصول إلى جامعات أوروبية ومؤسسات تمتلك تجربة طويلة في هذه المنافسة، بينما نجح فريق جزائري في انتزاعها خلال أول مشاركة له. وأدرجت المؤسسة البريطانية للمهندسين الميكانيكيين اسم الفريق ضمن سجل الفائزين الرسمي، وهو اعتراف يمنحه مكانة معتبرة داخل مجتمع هندسة السيارات، ويفتح أمامه فرصا جديدة للتعاون الأكاديمي والصناعي والمشاركة في منافسات دولية أخرى.

وتؤكد هذه النتيجة أن الاستثمار في الطالب الباحث لا يصنع نجاحا فرديا فحسب، بل يرسخ صورة الجامعة الجزائرية بوصفها فضاء لإنتاج المعرفة والابتكار. ويمنح هذا المسار الجزائر فرصة لتعزيز حضورها في الصناعات المستقبلية التي تقوم على التكنولوجيا والهندسة والبحث العلمي، مستندة إلى كفاءات شابة أثبتت قدرتها على المنافسة عندما وجدت الفرصة المناسبة لتحويل أفكارها إلى إنجاز يحظى باعتراف دولي.

↑