الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

من الحزن إلى الاكتئاب.. متى تتحوّل الضغوط اليومية إلى مرض نفسي؟

Author
سارة حمدون 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

قد يمر الإنسان بفترة من الحزن والضغط النفسي بسبب فقدان شخص عزيز، فشل، أزمة مالية أو مهنية، أو مشاكل عائلية واجتماعية، وهي مشاعر طبيعية لا تعني بالضرورة الإصابة باضطراب نفسي، لكن متى يتجاوز الحزن حدوده الطبيعية ويتحول الضغط المتراكم إلى اكتئاب يؤثر في النوم والطاقة والتركيز والعمل والعلاقات؟

تطرح هذه الإشكالية نفسها في ظل الانتشار الواسع للاكتئاب عالميا، إذ تشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 332 مليون شخص يعانون منه، أي حوالي 5,7 بالمئة من البالغين، مع تسجيل معدلات أعلى لدى النساء، ولا تقتصر تداعيات الاضطراب على الحالة النفسية، بل قد تمتد إلى الأداء اليومي والصحة الجسدية وفي الحالات الشديدة ترتبط بخطر الانتحار، ما يجعل التمييز بين الحزن العابر والاكتئاب والتدخل في الوقت المناسب مسألة تتجاوز الصحة النفسية إلى الصحة العامة.

الحزن استجابة طبيعية.. لكن الاكتئاب يتجاوز المشاعر العابرة

يوضح الدكتور سيفاقس حاشد، طبيب مختص في الأمراض العقلية، في تصريح لجريدة “الأيام نيوز”، أن الحزن شعور طبيعي يمر به الإنسان استجابة لفقدان شخص أو تجربة مؤلمة أو فشل أو ضغط معين وغالبا ما يكون مرتبطا بحدث واضح، كما تتغير شدته مع مرور الوقت، ويشير المختص إلى أن الشخص الحزين رغم معاناته، يبقى قادرا في الغالب على الشعور ببعض لحظات الراحة أو المتعة وعلى مواصلة ممارسة حياته اليومية والتواصل مع محيطه، حتى وإن كان ذلك بصورة أقل من المعتاد.

في المقابل، يؤكد الدكتور حاشد أن الاكتئاب يمثل اضطرابا نفسيا يتجاوز الحزن العابر ويتميز باستمرار مجموعة من الأعراض وتأثيرها الواضح على حياة الشخص، ومن أبرزها انخفاض المزاج أو فقدان الاهتمام والمتعة إلى جانب اضطرابات النوم والشهية والطاقة والتركيز فضلا عن الشعور بالذنب أو انعدام القيمة واليأس، ويؤكد الطبيب أن تشخيص الاكتئاب لا يقوم على وجود الحزن وحده، وإنما يعتمد على طبيعة الأعراض ومدتها وشدتها ومدى تأثيرها في الحياة اليومية، مشيرا إلى أن الاكتئاب لا يشترط دائما أن يكون مرتبطا بحدث مؤلم أو سبب واضح.

وتوضح منظمة الصحة العالمية بدورها أن الاكتئاب يختلف عن التقلبات المزاجية المعتادة والاستجابات العاطفية القصيرة للتحديات اليومية، وخلال نوبة الاكتئاب يعاني الشخص من مزاج مكتئب أو فقدان الاهتمام والمتعة خلال معظم اليوم وفي معظم الأيام، ولمدة لا تقل عادة عن أسبوعين إلى جانب أعراض أخرى.

غير أن مرور أسبوعين لا يمثل وحده حكما نهائيا على الحالة، فالتشخيص الطبي يحتاج إلى تقييم شامل للأعراض وشدتها ومدتها وتأثيرها في الوظائف اليومية، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمال وجود أسباب صحية أو نفسية أخرى يمكن أن تنتج أعراضا مشابهة، ومن هنا، فإن الفارق لا يكمن فقط في كون الشخص حزينا أو متعبا وإنما في استمرار الحالة وقدرتها على تعطيل حياته.

عندما يتحوّل الضغط اليومي إلى عبء نفسي مستمر

الضغط النفسي جزء من الحياة ولا يمكن التخلص منه بشكل كامل، فالعمل والدراسة والمسؤوليات العائلية والمشاكل الاقتصادية والعلاقات والخسائر والتغيرات المفاجئة كلها عوامل يمكن أن تضع الإنسان تحت ضغط نفسي متفاوت الشدة.

لكن المشكلة تبدأ، بحسب الدكتور سيفاقس حاشد، عندما يصبح الضغط مستمرا أو شديدا إلى درجة تمنع الشخص من استعادة توازنه النفسي بعد انتهاء الموقف المسبب للتوتر، ويقول المختص إن من أبرز المؤشرات التي تدل على أن الضغط بدأ يؤثر فعليا في الصحة النفسية، اضطراب النوم أو الشهية، صعوبة التركيز، تراجع القدرة على العمل أو الدراسة، التأثير في العلاقات الاجتماعية، إضافة إلى فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان الشخص يستمتع بها في السابق، وبذلك، لا تكمن المشكلة في وجود الضغط النفسي في حد ذاته وإنما في كيفية استجابة الإنسان له ومدة استمراره ومدى تأثيره في وظائفه اليومية.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأشخاص الذين تعرضوا لإساءة معاملة أو خسائر شديدة أو أحداث ضاغطة أخرى يكونون أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، لكن ذلك لا يعني أن كل شخص يمر بأزمة أو ضغط نفسي سيصاب بالاضطراب لأن عوامل متعددة تتداخل في تحديد قابلية الفرد للإصابة، من بينها ظروفه الاجتماعية والدعم الأسري والتاريخ النفسي والخصائص الفردية والظروف الصحية والجسدية.

ويحذر الدكتور حاشد من التعامل مع الأعراض المستمرة على أنها مجرد مرحلة وستنتهي تلقائيا، خاصة عندما يبدأ الشخص في فقدان قدرته على أداء مسؤولياته المعتادة، ومن أبرز العلامات التي تستوجب الانتباه الحزن أو الفراغ النفسي المستمر، فقدان الاهتمام والمتعة، الميل إلى العزلة والابتعاد عن العائلة والأصدقاء، اضطرابات النوم سواء في شكل أرق أم النوم لفترات طويلة والتغيرات الواضحة في الشهية أم الوزن، كما يمكن أن تظهر المعاناة في صورة تعب مستمر وفقدان للطاقة، صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات، الشعور بالذنب أو انعدام القيمة، التشاؤم واليأس وفقدان الأمل إضافة إلى تراجع الأداء في الدراسة أو العمل وإهمال النظافة الشخصية أو المسؤوليات اليومية.

وتكمن خطورة هذه الأعراض في أن بعضها قد يفسر في البداية على أنه نتيجة طبيعية للإرهاق أو ساعات العمل الطويلة أو قلة النوم، ما يجعل الشخص يؤجل طلب المساعدة بينما يكون التدهور تدريجيا.

الاكتئاب قد يختبئ خلف الابتسامة.. ومواقع التواصل تضاعف المقارنة

من التصورات الخاطئة ربط الاكتئاب دائما بالعزلة والبكاء والعجز عن ممارسة الحياة اليومية، إذ يؤكد الدكتور سيفاقس حاشد أن بعض المصابين يواصلون العمل أو الدراسة والتواصل مع الآخرين بصورة تبدو طبيعية رغم معاناتهم الداخلية ما يجعل اكتشاف حالتهم صعبا أحيانا.

ويشير المختص إلى أن تعبير الاكتئاب المقنّع يستخدم أحيانا لوصف حالات تظهر فيها المعاناة عبر أعراض أقل وضوحا مثل التعب المستمر واضطرابات النوم والصداع أو الانشغال المفرط بالعمل، لكنه ليس تشخيصا مستقلا ولا يمكن تحديد الحالة إلا من خلال تقييم طبي شامل، فالقدرة على العمل أو الضحك والتواصل لا تعني بالضرورة غياب الاكتئاب، وفي المقابل، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عاملا يستحق الانتباه خاصة لدى الشباب، ليس باعتبارها سببا مباشرا للاكتئاب وإنما بسبب طريقة استخدامها خصوصا عندما تتحول إلى مساحة للمقارنة المستمرة مع صور منتقاة من حياة الآخرين، ما قد يعزز الشعور بالفشل وعدم الكفاية وانخفاض تقدير الذات.

وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية في أوروبا ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7 بالمئة عام 2018 إلى 11 بالمئة عام 2022 في دراسة شملت نحو 280 ألف شاب بين 11 و15 عاما في 44 دولة ومنطقة، مع نسبة أعلى لدى الفتيات بلغت 13 بالمئة، مقابل 9 بالمئة لدى الفتيان.

ومع ذلك، يشدد الدكتور حاشد على أن الاكتئاب لا يمكن اختزاله في مواقع التواصل، لأن الاضطرابات النفسية تنتج عن تداخل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية متعددة.

الجزائر أمام فجوة في البيانات.. والوصمة تؤخر طلب العلاج

في الجزائر، لا يزال قياس حجم الاكتئاب والاضطرابات النفسية بدقة يصطدم بمحدودية البيانات الوطنية الحديثة، ووفقا لـMental HealthAtlas 2024  الصادر عن منظمة الصحة العالمية، لم تجر في البلاد خلال السنوات العشر السابقة للمسح دراسة وطنية للصحة النفسية، ما يجعل الأرقام القديمة أو الدراسات المحلية غير كافية لتقديم صورة دقيقة عن الوضع في 2026، وتؤكد دراسة للمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط عام 2022 أن البيانات المتوفرة حول انتشار الاضطرابات النفسية في الجزائر لا تزال محدودة ومتفرقة بين دراسات محلية وجهوية، ما يبرز الحاجة إلى مسوح وطنية دورية توفر مؤشرات أكثر دقة.

وفي المقابل، يكشف الأطلس عن وجود سياسة وقانون مستقلين للصحة النفسية منذ 2018، إلى جانب تغطية الصحة النفسية ضمن الحماية المالية العمومية، وتظهر تركيبة القوى العاملة أن الممرضين يمثلون  47,7 بالمئة، والأخصائيين النفسيين 25,4 بالمئة، وغيرهم 19,2 بالمئة، مقابل 7,8 بالمئة للأطباء النفسيين، وبحسب الدكتور سيفاقس حاشد، لا تقتصر العقبات على نقص البيانات، إذ لا تزال الوصمة الاجتماعية تدفع بعض الأشخاص إلى تأجيل زيارة الطبيب النفسي، بسبب اعتقاد خاطئ بأن طلب المساعدة دليل على الضعف أو الجنون، ويحذر من أن ذلك قد يؤدي إلى إخفاء الأعراض أو الإنكار أو اللجوء إلى العلاج الذاتي ما يسمح بتفاقم الحالة.

وعليه، فإن تطوير الصحة النفسية في الجزائر لا يرتبط فقط بتوفير المختصين والخدمات بل أيضا بتعزيز الوقاية والكشف المبكر، تحسين جمع البيانات، مكافحة الوصمة وتسهيل الوصول إلى الرعاية النفسية.

متى تصبح الاستشارة ضرورية؟.. الاكتئاب قابل للعلاج

لا يحدث الاكتئاب دائما بصورة مفاجئة، فقد تبدأ المعاناة تدريجيا بعلامات يفسرها الشخص على أنها مجرد تعب أو ضغط مؤقت، قبل أن تتحوّل إلى أعراض تؤثر في حياته اليومية، وهنا، يؤكد الدكتور سيفاقس حاشد أن استمرار الحزن الشديد، فقدان المتعة، اضطرابات النوم أو الشهية، التعب، صعوبة التركيز، اليأس أو الشعور بانعدام القيمة، خاصة عندما تؤثر هذه الأعراض في الدراسة أو العمل والعلاقات يستدعي الانتباه وطلب استشارة مختص.

ويشير الطبيب إلى أن استمرار مجموعة من الأعراض لمدة أسبوعين أو أكثر يعد مؤشرا مهما يستوجب التقييم الطبي، دون انتظار هذه المدة إذا كانت الأعراض شديدة أو ظهرت أفكار تتعلق بالموت أو إيذاء النفس أو الانتحار باعتبارها حالات تستوجب تدخلا طبيا عاجلا وعدم ترك الشخص بمفرده.

ولا تعني زيارة المختص بالضرورة اللجوء مباشرة إلى الدواء، إذ تبدأ الخطوة الأولى بتقييم الحالة وتحديد طبيعة الأعراض، وما إذا كانت مرتبطة بحزن طبيعي أو اكتئاب أو اضطراب نفسي آخر مع استبعاد بعض الأسباب الصحية التي قد تؤدي إلى أعراض مشابهة.

ويؤكد الدكتور حاشد أن الاكتئاب اضطراب قابل للعلاج، وأن الخطة العلاجية تختلف بحسب شدة الأعراض وحالة كل شخص، وقد تشمل العلاج النفسي أو الدوائي أو الجمع بينهما، إلى جانب الدعم الاجتماعي وتدخلات مرتبطة بنمط الحياة، كما يحذر من بدء مضادات الاكتئاب أو إيقافها أو تغيير جرعاتها دون إشراف طبي.

ولا تقتصر أهمية علاج الاكتئاب على تحسين الحالة النفسية، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى ارتباطه بعدد من المشكلات الصحية وتأثيره المباشر في الإنتاجية، ويتسبب الاكتئاب والقلق بحسب المنظمة، في فقدان نحو 12 مليار يوم عمل منتج سنويا، بتكلفة تقترب من تريليون دولار عالميا، فيما يعاني نحو 15 بالمئة من البالغين في سن العمل اضطرابا نفسيا في أي وقت.

وتؤكد المنظمة أن توسيع الوصول إلى علاج الاكتئاب والقلق يمكن أن يحقق عائدا اقتصاديا يقدر بنحو 4 دولارات مقابل كل دولار يستثمر في العلاج، وهو ما يجعل تعزيز الصحة النفسية استثمارا صحيا واقتصاديا، ويبرز في الجزائر أهمية الانتقال من التعامل مع الحالات بعد تفاقمها إلى الوقاية والكشف المبكر إلى جانب تطوير البيانات الوطنية التي تسمح بفهم حجم المشكلة وتوجيه خدمات العلاج بشكل أكثر دقة.

وفي النهاية، الحزن جزء طبيعي من الحياة، وقد يكون استجابة مؤقتة لفقدان أو فشل أو أزمة، ثم يتراجع تدريجيا مع الوقت والدعم والتكيف، لكن اعتبار كل معاناة مجرد مرحلة وستمر قد يؤدي إلى تجاهل أعراض تحتاج إلى تدخل متخصص.

فالفارق بين الحزن والاكتئاب لا يرتبط بوجود المشاعر السلبية وحدها بل باستمرار الأعراض وشدتها وتعددها وتأثيرها في الحياة اليومية، وعندما يستمر فقدان الاهتمام والمتعة وتضطرب النوم والشهية وتتراجع الطاقة والتركيز والقدرة على العمل أو الدراسة ويبدأ الشخص في الانعزال، يصبح التقييم المتخصص خطوة ضرورية.

وبينما تكشف الأرقام العالمية حجم الاكتئاب كأحد أبرز تحديات الصحة النفسية، تبرز في الجزائر الحاجة إلى بيانات وطنية حديثة، إلى جانب تعزيز الوقاية والكشف المبكر ومكافحة الوصمة، فالاهتمام بالصحة النفسية لا ينبغي أن يبدأ بعد تفاقم المعاناة، بل يجب أن يكون جزءا أساسيا من الرعاية الصحية، دون خوف أو وصمة أو تأخير في طلب المساعدة.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي