الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من الحصاد إلى التخزين.. هل تربح الجزائر معركة الأمن الغذائي؟

Author
ربيعة خطاب 31 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد قطاع الحبوب في الجزائر، خلال الموسم الفلاحي الحالي، محطة استثنائية، في ظل تسجيل مستويات إنتاج توصف بأنها الأعلى منذ عقود، وهو ما فرض تحديات لوجيستية وتنظيمية مرتبطة بسرعة الحصاد، وتوفير وسائل النقل والتخزين، وضمان عدم ضياع المحصول.

وفي هذا الإطار، ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، اجتماعا عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد مع الولاة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق، خصص لتقييم مدى تقدم حملة الحصاد والدرس ومتابعة تنفيذ الإجراءات المتخذة ميدانيا. كما تم الوقوف على التدابير الاستباقية التي اعتمدتها الدولة، وفي مقدمتها تعزيز حظيرة الحاصدات، وإنشاء تعاونيات فلاحية للمكننة، واستغلال قدرات التخزين الجديدة، إلى جانب تفعيل التنسيق بين الولايات لتسريع وتيرة الحصاد. واختتم الاجتماع بتوجيه تعليمات صارمة للولاة بالسهر شخصيا على استكمال العملية قبل 10 أوت 2026، باعتبار أن نجاح هذه الحملة يمثل ركيزة أساسية في تعزيز الأمن الغذائي وتقليص التبعية للاستيراد.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الفلاحي، لعلى بوخالفة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الإنتاج القياسي للحبوب يمثل اختبارا حقيقيا لكفاءة المنظومة الفلاحية، موضحا أن قيمة المحصول لا ترتبط بحجمه فقط، وإنما بقدرة السلطات العمومية على إدارة كامل السلسلة اللوجيستية المرتبطة به. ويشير إلى أن التدابير التي اتخذتها الدولة، خلال هذا الموسم، تعكس انتقالا واضحا من التدخل الظرفي إلى التخطيط الاستباقي، من خلال تعزيز عدد الحاصدات قبل انطلاق الحملة، وتوزيعها وفق احتياجات الولايات، إلى جانب تسخير وسائل النقل وتوسيع قدرات التخزين، وهو ما ساهم في الحد من ضياع المحصول الذي كان يشكل أحد أبرز التحديات خلال المواسم السابقة.

ويضيف بوخالفة أن من بين أهم المؤشرات الإيجابية اعتماد التنسيق بين الولايات، باعتبار أن نضج المحاصيل يختلف من منطقة إلى أخرى، وهو ما يسمح بتحويل الوسائل الميكانيكية والإمكانات البشرية إلى المناطق التي تعرف ذروة الحصاد في الوقت المناسب. ويرى أن هذا الأسلوب يحقق استغلالا أمثل للحاصدات والعتاد الفلاحي، ويقلص فترات الانتظار التي قد تؤثر في جودة المحصول، كما يعكس تطورا في إدارة الموارد العمومية وفق احتياجات الميدان.

ومن جانبه، يرى الخبير الفلاحي، محمد مالحة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تسجيل إنتاج قياسي للحبوب لا يعني تلقائيا نجاح الموسم، لأن العديد من الدول تعرضت لخسائر كبيرة رغم وفرة الإنتاج بسبب ضعف منظومات الحصاد والنقل والتخزين. ويؤكد أن ما قامت به السلطات الجزائرية هذا الموسم يعكس إدراكا متزايدا لأهمية مرحلة ما بعد الإنتاج، حيث جرى التحضير للحملة قبل بلوغ المحصول مرحلة النضج، عبر تعبئة الوسائل المادية والبشرية وتعزيز الإمكانات اللوجيستية، الأمر الذي ساهم في تقليص المخاطر المرتبطة بتأخر عمليات الحصاد.

ويعتبر مالحة أن التنسيق بين الولايات يمثل أحد أهم عناصر النجاح، لأنه يسمح بإعادة توزيع الحاصدات والوسائل اللوجيستية وفقا لتقدم الموسم في كل منطقة، ما يرفع مردودية استغلال العتاد ويقلل من فترات التوقف. ويرى أن هذه المقاربة تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على إدارة متكاملة لسلسلة القيمة الفلاحية، حيث لم يعد الاهتمام ينصب على الإنتاج وحده، وإنما أصبح يشمل أيضا النقل والتخزين والتجميع والتسويق.

وبخصوص الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، يرى بوخالفة أنها يمكن أن تتحول إلى سياسة دائمة إذا تم إدراجها ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى لتحديث القطاع الفلاحي. ويؤكد أن توسيع حظيرة الحاصدات ينبغي ألا يبقى مرتبطا بالمواسم الاستثنائية، بل يجب أن يتحوّل إلى برنامج دائم لتجديد العتاد وتوزيعه وفق القدرات الإنتاجية لكل منطقة، بما يضمن جاهزية القطاع في مختلف الظروف.

ويضيف أن إنشاء التعاونيات الخاصة بالمكننة يعد من أهم الإصلاحات التي يمكن أن تحدث نقلة نوعية في الفلاحة الجزائرية، خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين الذين يصعب عليهم اقتناء المعدات الحديثة بشكل فردي. فهذه التعاونيات، حسب رأيه، تسمح بتقاسم وسائل الإنتاج، وتخفيض تكاليف الاستغلال، وتحسين المردودية، إلى جانب تعميم استخدام التقنيات الحديثة في النشاط الفلاحي.

ويتفق مالحة مع هذا الطرح، مؤكدا أن المكننة أصبحت اليوم من أبرز مؤشرات تطور الزراعة في العالم، وأن رفع نسبة استعمال المعدات الحديثة ينعكس مباشرة على زيادة الإنتاجية وتقليص تكاليف الإنتاج. كما يشدد على أن نجاح هذه الإصلاحات يقتضي مرافقتها بتطوير خدمات الصيانة والتكوين، من خلال إعداد يد عاملة مؤهلة لتشغيل وصيانة الآلات، لأن الاستثمار في المعدات وحدها لا يكفي لتحقيق النتائج المرجوة إذا لم يرافقه استثمار في العنصر البشري.

وفيما يتعلق بقدرات التخزين، يؤكد بوخالفة أن الاستثمار في الصوامع ومراكز التجميع يمثل إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي، لأن الإنتاج القياسي قد يفقد جزءا كبيرا من قيمته إذا لم تتوفر منشآت قادرة على استيعابه وحفظه في ظروف ملائمة. كما يدعو إلى رقمنة عمليات متابعة المخزون، بما يسمح بمعرفة الكميات المخزنة وجودتها ومواقعها بشكل لحظي، الأمر الذي يسهّل اتخاذ القرار ويضمن توزيع المخزون بطريقة أكثر فعالية.

من جهته، يرى مالحة أن تطوير طاقات التخزين يجب أن يكون مرفقا بأنظمة حديثة لإدارة المخزون، تعتمد على الرقمنة وتتبع حركة الحبوب منذ خروجها من الحقول إلى غاية وصولها إلى الصوامع، بما يضمن الشفافية والكفاءة ويحد من مختلف أشكال الهدر.

وبخصوص توجيهات رئيس الجمهورية القاضية بإنهاء حملة الحصاد والدرس قبل العاشر من أوت، يؤكد بوخالفة أن احترام هذا الموعد يحمل أبعادا اقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية، لأن كل تأخير في الحصاد يزيد من احتمالات تعرض المحصول للتلف نتيجة الحرائق أو التقلبات المناخية أو تساقط الحبوب، وهو ما يؤدي إلى خسائر يمكن تفاديها إذا تم الالتزام بالآجال المحددة.

ويضيف أن سرعة جمع المحصول وتموين مراكز التخزين تمكن الديوان المهني للحبوب من تكوين مخزون استراتيجي في وقت مبكر، الأمر الذي يحد من اللجوء إلى الأسواق الخارجية، خاصة في ظل استمرار التقلبات التي تعرفها أسعار الحبوب عالميا. كما أن كل زيادة في الكميات المسترجعة محليا تعني تقليص فاتورة الاستيراد وتوفير العملة الصعبة، بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني.

أما مالحة، فيعتبر أن إنهاء الحملة في موعدها لا يمثل مجرد نجاح تنظيمي، بل يشكل رسالة ثقة للفلاحين، لأنه يمنحهم ضمانات بشأن سرعة جمع محاصيلهم، ويشجعهم على توسيع المساحات المزروعة خلال المواسم المقبلة. كما يتيح لهم التحضير المبكر للموسم الفلاحي الجديد، سواء من خلال تهيئة الأراضي أو الانطلاق في عمليات الحرث والبذر في آجالها المناسبة.

ويجمع الخبيران على أن الأمن الغذائي أصبح اليوم جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، في ظل الأزمات الدولية وتقلبات الأسواق العالمية، وأن نجاح حملة الحصاد والدرس لهذا الموسم يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز السيادة الغذائية للجزائر. كما يؤكدان أن الحفاظ على هذا المكسب يقتضي مواصلة الاستثمار في المكننة، وتوسيع قدرات التخزين، وتعزيز الرقمنة، وتطوير الموارد البشرية، حتى تتحوّل النتائج المحققة هذا الموسم إلى قاعدة دائمة لبناء منظومة فلاحية حديثة وأكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليص التبعية للاستيراد.