الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

من الحياد إلى الترشح.. حين يطرق الصحفي باب البرلمان

Author
بثينة صايفي 06 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد حدود المهنة الصحفية، اليوم، تقف عند نقل الخبر وتفسيره، بل أصبحت في كثير من الحالات تتقاطع مع فضاء السياسة وصناعة القرار، حيث يختار بعض الصحفيين الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل، بين الحياد المهني الذي يُفترض أن يحكم العمل الإعلامي، وطموح المشاركة في تسيير الشأن العام، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة هذا التحوّل وحدوده: هل هو امتداد طبيعي لمسار الوعي السياسي لدى الصحفي، أم أنه يطرح إشكالات تتعلق باستقلالية المهنة وثقة الجمهور؟

وفي هذا السياق، يطفو على السطح جدل “الترشح للبرلمان” كخيار يطرحه بعض الصحفيين، فيتحول صاحب القلم من مراقب للسلطة إلى جزء منها، ومن ناقل للأحداث إلى صانع لها، هذا الانتقال يفتح نقاشا أوسع حول العلاقة بين الإعلام والسياسة، وحول الخط الفاصل بين حرية التعبير والمشاركة السياسية، في زمن تتداخل فيه الأدوار وتتغير فيه قواعد الحياد التقليدي.

 

الصحافة والسياسة.. حدود المبدأ واختلاف الأدوار

يرى الصحفي والمترشح للانتخابات التشريعية في الجزائر، حسان موالي، أن العمل الصحفي يتعارض من حيث المبدأ مع النشاط السياسي، باعتبار أن الصحافة تقوم على الحياد والالتزام بأخلاقيات المهنة، وعلى رأسها نقل المعلومة بموضوعية وإتاحة المجال لكل الآراء دون انحياز، في حين يقوم العمل السياسي على الانخراط في مشروع مجتمعي محدد، والدفاع عن أفكار وبرامج وخيارات قد تحمل طابعا إيديولوجيا أو حزبيا لا يعكس بالضرورة قناعات جميع فئات المجتمع، ويضيف أن هذا الاختلاف الجوهري في الوظيفة والدور يجعل من الصعب الجمع بين المهنتين دون التأثير على مصداقية إحدى الجهتين.

حسان موالي صحفي مترشح
حسان موالي صحفي مترشح

ويؤكد موالي أن هذا التمايز ليس مجرد مسألة نظرية، بل هو شرط أساسي للحفاظ على توازن المشهد الإعلامي والسياسي، وضمان وضوح الأدوار بين من يراقب السلطة وينقل الواقع للرأي العام، ومن يسعى إلى الوصول إليها وممارستها، كما يشير إلى أن أي تداخل غير مضبوط بين المجالين قد يثير تساؤلات حول استقلالية الصحفي، ويضعف ثقة الجمهور في الإعلام باعتباره سلطة رقابية محايدة، ما يستدعي، حسبه، احترام الحدود المهنية حتى في ظل التحولات التي تعرفها الساحة السياسية والإعلامية.

 

“تخلّيت عن الصحافة قبل أن أنتقل إلى السياسة، وممارستهما معا في نفس الوقت أمر غير مقبول”

ويعتبر موالي أن قراره بخوض غمار العمل السياسي لم يكن انتقالا تقليديا من الصحافة إلى السياسة بقدر ما هو امتداد طبيعي للتعبير عن آرائه وقناعاته الشخصية، التي ظل يدافع عنها خلال مساره المهني، وعلى رأسها تكريس حرية التعبير والصحافة باعتبارها ركيزة أساسية لأي ممارسة ديمقراطية سليمة، مؤكدا أن هذا الاختيار نابع من رغبة في الانتقال من موقع المراقبة إلى موقع الفعل والمساهمة المباشرة في صناعة القرار، بدل الاكتفاء بنقل الأحداث والتعليق عليها من الخارج.

ويرى أن هذا النوع من الانخراط يجب ألا يُفهم كظاهرة سلبية أو استثناء مقلق، بل هو موجود في مختلف دول العالم، حتى في أكثرها ديمقراطية، حيث ينتقل بعض الصحفيين إلى العمل السياسي بعد مسارات مهنية طويلة، مع احتفاظهم بحقهم في التعبير عن قناعاتهم الفكرية، لكنه في المقابل يشدد على أن الجمع بين الممارسة الصحفية والنشاط السياسي في الوقت نفسه يبقى غير مقبول أخلاقيا ومهنيا، لما قد يسببه من تضارب في المصالح ويؤثر على مصداقية الإعلام وثقة الجمهور فيه، وأنه تخلى عن الصحافة قبل أن يتوجه إلى السياسة.

 

فصل واضح بين المجالين.. خيار لا خلط فيه

ويختم موالي بالتأكيد على أنه لا يخلط بين المجالين، فكل من الصحافة والسياسة له منطقه الخاص ووظيفته المحددة داخل المجتمع، فالصحة المهنية للصحافة، حسبه، تقوم أساسًا على احترام الرأي والرأي الآخر، والالتزام بالمهنية في نقل المعلومات، والابتعاد عن التوجيه أو الاصطفاف، بما يضمن بقاءها كسلطة رقابية مستقلة تسائل وتراقب دون أن تنخرط في دوائر القرار أو التنافس السياسي.

في المقابل، تقوم السياسة على منطق مختلف تمامًا، يقوم على الدفاع عن رؤية وبرنامج محدد في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعمل على إقناع الناخبين بهذا المشروع والسعي إلى تجسيده على أرض الواقع، وهي بذلك ممارسة قائمة على الاختيار والانحياز لبرنامج أو توجه، وليس على الحياد أو التوازن بين مختلف الآراء كما هو الحال في العمل الصحفي.

ويشدد موالي على أن احترام هذا الفصل بين المجالين ليس مجرد خيار مهني، بل هو شرط أساسي للحفاظ على مصداقية كل من العمل الصحفي والممارسة السياسية، فكلما كان الخط الفاصل واضحًا، كلما تعززت ثقة الجمهور في الإعلام من جهة، وفي العملية السياسية من جهة أخرى، بينما يؤدي أي تداخل غير مضبوط بينهما إلى إضعاف الطرفين وإثارة الشكوك حول استقلالية الصحفي ونزاهة الفاعل السياسي.

 

البرلمان فضاء للنخب.. بين التمثيل والكفاءة

من جهة أخرى، يرى الصحفي فاتح بن حمو أن الترشح للبرلمان يجب أن يكون من نصيب النخب بمختلف تخصصاتها، سواء تعلق الأمر بالصحافيين أو المحامين أو الأطباء أو الأساتذة الجامعيين، باعتبارهم الفئات الأكثر قدرة على تمثيل المجتمع بشكل نوعي، والمساهمة في صناعة القرار التشريعي انطلاقا من خبراتهم المهنية والمعرفية، ويعتبر أن وجود كفاءات متعددة داخل المؤسسة التشريعية من شأنه أن يرفع من جودة النقاش البرلماني، ويعزز قدرة النواب على التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة بعمق أكبر.

فاتح بن حمو مدير موقع الشهاب برس
فاتح بن حمو مدير موقع الشهاب برس

ويؤكد بن حمو أن هذا التصور ينسجم مع ما هو معمول به في العديد من الدول، حيث يُنظر إلى المؤسسة البرلمانية كفضاء للكفاءة والخبرة والتخصص، وليس مجرد ساحة للمشاركة السياسية العامة أو التنافس الحزبي فقط، كما يشير إلى أن تنوع الخلفيات المهنية داخل البرلمان يمكن أن يساهم في تحقيق توازن أفضل في التشريعات، من خلال إدماج زوايا نظر مختلفة، تجمع بين البعد القانوني والطبي والإعلامي والأكاديمي، بما ينعكس إيجابا على جودة القوانين وارتباطها أكثر باحتياجات المجتمع.

 

الصحفي بين الحياد المهني والعمل السياسي

وفيما يتعلق بترشح الصحفيين، يعتبر بن حمو أن هذا الخيار يطرح إشكالا من حيث المبدأ، لأن الصحفي ينتمي إلى نخبة فكرية ومهنية يفترض فيها الالتزام بالحياد والموضوعية في معالجة القضايا، ونقل الوقائع للرأي العام دون تبنّي مواقف سياسية قد تؤثر على مصداقية المحتوى الإعلامي، ويؤكد أن قوة الصحافة تكمن في قدرتها على المسافة الواعية من مختلف الفاعلين السياسيين، بما يسمح لها بأداء دورها الرقابي دون ضغط أو انحياز.

ويشير إلى أن العمل الصحفي يفرض على صاحبه الابتعاد عن الاصطفاف السياسي الحزبي، على عكس العمل البرلماني أو النشاط الاجتماعي، حيث يمكن للفرد أن ينخرط بشكل طبيعي في جمعيات خيرية أو ثقافية أو حتى سياسية، باعتبار أن ذلك يندرج ضمن حرية المشاركة المدنية، غير أن الانتقال إلى الفعل السياسي المباشر، حسبه، يغيّر طبيعة الدور جذريا، من ناقل ومحلل للحدث إلى طرف فاعل فيه، وهو ما قد يخلق تضاربا في الأدوار إذا لم يتم الفصل الواضح بين المهنتين.

 

المؤسسات المنتخبة بين الكفاءة وتوازن التمثيل

ويضيف المتحدث أن الانفتاح غير المنضبط على الترشح البرلماني قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى إضعاف جودة التمثيل داخل المؤسسات التشريعية، خاصة إذا غابت معايير الكفاءة والخبرة، ويعتبر أن التجارب السابقة أظهرت وجود اختلالات في بعض المجالس المنتخبة، حيث وصل إلى البرلمان أشخاص لا يملكون، حسبه، المستوى الكافي لصناعة القرار أو التشريع، وهو ما ينعكس سلبا على أداء المؤسسة البرلمانية.

 

الحاجة إلى تأطير المشهد السياسي

ويخلص بن حمو إلى أن الهدف ليس إقصاء فئات معينة من العمل السياسي، بل الدعوة إلى تأطير المشاركة السياسية بما يضمن حضور الكفاءات الحقيقية داخل البرلمان، ويحافظ في الوقت نفسه على مكانة المهن النخبوية، وعلى رأسها مهنة الصحافة، التي يفترض أن تبقى مستقلة عن التجاذبات السياسية المباشرة.