الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من الرقمنة إلى التنافسية.. كيف تبني الجزائر اقتصاد المستقبل؟

Author
سارة حمدون 28 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد العالم اليوم مرحلة تحوّل اقتصادي عميق تقوده الثورة الرقمية، حيث لم تعد الثروة الاقتصادية مرتبطة فقط بالموارد الطبيعية أو الصناعات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالبيانات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية ومنصات الخدمات الرقمية، هذا التحوّل أعاد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، وفرض على الدول إعادة التفكير في نماذجها الاقتصادية التقليدية من أجل الاندماج في اقتصاد عالمي جديد قائم على المعرفة والابتكار.

في هذا السياق، تأتي الجزائر ضمن الدول التي تسعى إلى مواكبة هذا التحول من خلال تبني استراتيجية وطنية للتحول الرقمي، تهدف إلى تحديث الإدارة ورقمنة الخدمات، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر النمو بعيدا عن الاعتماد المفرط على المحروقات، غير أن هذا المسار لا يزال يطرح مجموعة من التحديات المرتبطة بالبنية التحتية، والإطار القانوني، والموارد البشرية، والتمويل، والثقافة الرقمية، فإلى أي مدى يمكن للاقتصاد الرقمي في الجزائر أن يشكل رافعة حقيقية للتحول الاقتصادي والتنويع، في ظل التحديات القانونية والتقنية والمؤسساتية والمالية، وقدرته على خلق فرص اقتصادية جديدة عبر التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية والعمل عن بعد؟

الاقتصاد الرقمي كتحول بنيوي في النموذج الاقتصادي الجزائري

لم يعد الاقتصاد الرقمي في الجزائر مجرد قطاع ناشئ مرتبط بالشركات الناشئة أو الخدمات التكنولوجية بل أصبح يمتد تدريجيا إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، ليشكل بذلك تحولا بنيويا في طريقة الإنتاج والتسيير والتوزيع، فقد أصبحت المؤسسات الاقتصادية سواء في القطاع العمومي أو الخاص، تعتمد بشكل متزايد على الأدوات الرقمية في التسيير الداخلي، وإدارة البيانات، وتحسين الأداء، وتطوير الخدمات

في القطاع الصناعي، ساهمت الرقمنة في تحسين سلاسل الإنتاج وتقليل التكاليف التشغيلية، بينما في القطاع الفلاحي بدأت تظهر تطبيقات تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاج الزراعي وترشيد استخدام الموارد، أما في قطاع الخدمات فقد أصبحت الرقمنة عنصرا أساسيا في تحسين جودة الخدمات المالية والإدارية والتجارية.

وفي تصريح لـ”الأيام نيوز“، أكد الخبير في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أن الاقتصاد الرقمي لا يلغي الاقتصاد التقليدي، بل يعيد تنظيمه ويمنحه أدوات جديدة لرفع الإنتاجية وتحسين الحوكمة الاقتصادية، مشيرا إلى أن القيمة الحقيقية لهذا التحوّل تكمن في قدرته على دمج مختلف القطاعات داخل منظومة اقتصادية أكثر كفاءة وشفافية.

الإطار القانوني للتحول الرقمي في الجزائر

شهدت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، تطورا تدريجيا في المنظومة القانونية المنظمة للاقتصاد الرقمي، بهدف مواكبة التحولات العالمية وضبط النشاط الاقتصادي الرقمي.

من بين أهم النصوص القانونية، نجد قانون التجارة الإلكترونية رقم 18-05 الذي وضع الإطار العام لتنظيم عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت وحدد التزامات المتعاملين الاقتصاديين، خاصة من حيث الشفافية وحماية المستهلك، وتحديد هوية البائعين.

كما تم إصدار القانون رقم 18-07 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والذي يعد من أهم القوانين في مجال الاقتصاد الرقمي، حيث يهدف إلى حماية بيانات المواطنين وتنظيم كيفية جمعها ومعالجتها واستعمالها، بما يعزز الثقة في الفضاء الرقمي ويحد من المخاطر المرتبطة بالقرصنة وسوء استخدام البيانات.

إضافة إلى ذلك، تم تطوير نصوص تنظيمية تتعلق بالتوقيع الإلكتروني وخدمات الثقة الرقمية والتي تهدف إلى تسهيل المعاملات الرقمية الرسمية وتطوير الإدارة الإلكترونية، بما يسمح بالانتقال التدريجي نحو اقتصاد رقمي أكثر نضجا.

غير أن هذه المنظومة القانونية، رغم أهميتها، تبقى في حاجة مستمرة إلى التحديث لمواكبة التطورات السريعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود.

المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية كقاطرة لنمو اقتصادي جديد

تعتبر المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية من أبرز مظاهر التحول الاقتصادي الجديد في الجزائر، حيث أصبحت تمثل فضاء اقتصاديا متناميا يفتح آفاقا واسعة أمام الشباب والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فقد مكنت هذه المنصات من إنشاء مشاريع رقمية بأقل التكاليف مقارنة بالأنشطة الاقتصادية التقليدية، كما سمحت بتوسيع دائرة التسويق لتشمل أسواقا وطنية ودولية دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التجارية التقليدية.

كما برزت أنماط جديدة من العمل الرقمي مثل التسويق عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإدارة المتاجر الإلكترونية، وخدمات التوصيل الذكية، والدفع الإلكتروني، وهي كلها مكونات تشكل اليوم ما يعرف بالاقتصاد الرقمي المتكامل.

وفي هذا الإطار، يشير عبد الرحمان هادف إلى أن هذه التحولات تخلق جيلا جديدا من المهن الرقمية التي ستصبح العمود الفقري لسوق العمل مستقبلا مثل تحليل البيانات، تطوير التطبيقات، الأمن السيبراني، والتسويق الرقمي، معتبرا أن هذه المهن تمثل أحد أهم مصادر التشغيل في السنوات القادمة.

البنية التحتية الرقمية كشرط أساسي للتنافسية الاقتصادية

رغم التقدم المسجل في مجال توسيع شبكات الإنترنت والألياف البصرية، إلا أن بناء اقتصاد رقمي تنافسي يتطلب منظومة أكثر تكاملا تتجاوز مجرد الربط الشبكي.

فالبنية التحتية الرقمية اليوم تشمل مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وأنظمة الدفع الإلكتروني إضافة إلى الخدمات اللوجستية الداعمة للتجارة الإلكترونية وهذه العناصر تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد رقمي حديث، وتواجه الجزائر تحديات في هذا المجال، خاصة فيما يتعلق بتفاوت جودة الإنترنت بين المناطق، والحاجة إلى تطوير مراكز بيانات ذات معايير دولية، وتعزيز السيادة الرقمية، وتحسين أنظمة الدفع الإلكتروني التي لا تزال في مرحلة انتقالية.

التحديات القانونية والمالية والثقافية للتحول الرقمي

رغم التقدم المسجل، يواجه الاقتصاد الرقمي في الجزائر مجموعة من التحديات المتشابكة التي تحد من وتيرة تطوره، فعلى المستوى القانوني هناك حاجة إلى تحديث مستمر للتشريعات لمواكبة التطورات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، وحماية البيانات، أما على المستوى المالي، فإن محدودية تعميم الدفع الإلكتروني وصعوبة بعض المعاملات المالية الدولية ما تزال تشكل عائقا أمام تطور التجارة الرقمية.

أما على المستوى التقني، فإن ضعف بعض البنى التحتية الرقمية وعدم تكافؤ الخدمات بين المناطق يشكل تحديا إضافيا، في حين يبقى الجانب الثقافي عاملا حاسما، حيث تتطلب الرقمنة تغييرا في سلوك المستخدمين وبناء ثقة أكبر في المعاملات الرقمية.

العمل عن بعد كفرصة لإعادة تموقع الكفاءات الجزائرية

أدى تطور الاقتصاد الرقمي إلى بروز العمل عن بعد كنموذج جديد يغير جذريا طبيعة سوق العمل، حيث أصبح بإمكان الكفاءات الجزائرية تقديم خدماتها لشركات عالمية دون الحاجة إلى التنقل أو الهجرة. هذا التحول يمثل فرصة استراتيجية لتصدير الخدمات الرقمية، وجلب العملة الصعبة، والحد من هجرة الكفاءات، خاصة في مجالات البرمجة، والتصميم، والاستشارات الرقمية، وإدارة الأنظمة.

ويعتبر الخبير عبد الرحمان هادف أن هذا النموذج قد يشكل أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية المستقبلية للجزائر، إذا تم توفير الإطار المالي والقانوني المناسب له، خصوصا فيما يتعلق بآليات الدفع الدولية والاعتراف الرسمي بهذا النوع من العمل.

المؤسسات الناشئة والاقتصاد القائم على الابتكار

شهدت الجزائر، في السنوات الأخيرة، تطورا مهما في دعم المؤسسات الناشئة، من خلال وضع إطار قانوني خاص بها، وإنشاء حاضنات أعمال، وتوفير آليات مرافقة وتمويل أولي للمشاريع الابتكارية، لكن المرحلة الحالية لم تعد تقتصر على دعم التأسيس، بل أصبحت تركز على دعم النمو والتوسع الدولي لهذه المؤسسات، وهو ما يتطلب تطوير آليات التمويل الاستثماري، وتشجيع رأس المال المخاطر، وربط الجامعة بسوق العمل، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي.

هذا، ويمكن القول إن الاقتصاد الرقمي في الجزائر يمثل اليوم فرصة استراتيجية حقيقية لإعادة تشكيل النموذج الاقتصادي الوطني، من خلال تنويع مصادر النمو، وخلق فرص عمل جديدة، ورفع تنافسية المؤسسات، وتعزيز الاندماج في الاقتصاد العالمي.

غير أن نجاح هذا التحول لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل على قدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تشمل الإصلاحات القانونية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التمويل، وتكوين الكفاءات، وبناء ثقة رقمية واسعة.

ويخلص الخبير عبد الرحمان هادف إلى أن الاقتصاد الرقمي ليس مجرد مرحلة انتقالية، بل هو تحول استراتيجي طويل المدى، نجاحه سيحدد موقع الجزائر في الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة، إما كفاعل رقمي مؤثر أو كمجرد متابع للتحولات العالمية.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي