الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

من السجل المدني إلى الذاكرة الجماعية.. كيف تُمحى عائلات بأكملها في غزة؟

Author
سارة حمدون 05 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في قلب واحدة من أعقد المآسي الإنسانية التي يعرفها القرن الحادي والعشرون، تعيش فلسطين، وخاصة قطاع غزة، مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العسكري والإنساني، حيث لم تعد تداعيات الحرب تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة أو الدمار المادي، بل تجاوزت ذلك إلى تفكيك البنية الاجتماعية برمتها وإعادة تشكيل واقع الحياة اليومية تحت النار.

‎ومع استمرار العمليات العسكرية التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة، تتكشف يوما بعد يوم معطيات صادمة تتحدث عن اختفاء عائلات فلسطينية بأكملها من الوجود، ليس فقط في الميدان، بل أيضا من السجلات المدنية والذاكرة الاجتماعية، في مشهد يثير جدلا واسعا حول حدود القانون الدولي الإنساني ومعايير حماية المدنيين في زمن الحرب.

‎وبين شهادات ميدانية وتحليلات قانونية، تتسع دائرة النقاش حول ما إذا كانت هذه الممارسات تمثل مجرد أضرار جانبية للنزاع، أم أنها تعكس نمطا أعمق من الانتهاكات المنظمة التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في كيانه العائلي والاجتماعي والرمزي.

وضع إنساني معقد والحرب تمتد إلى النسيج الاجتماعي

تشهد غزة منذ أشهر وضعا إنسانيا بالغ التعقيد، لم يعد يقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل امتد ليشمل البنية الاجتماعية والمدنية التي تشكل أساس المجتمع الفلسطيني، ومع تزايد القصف واستمرار العمليات، بدأت تظهر معطيات ميدانية وإفادات صحفية تتحدث عن ظاهرة غير مسبوقة تتمثل في اختفاء عائلات كاملة من السجل الاجتماعي والسكاني نتيجة فقدان جميع أفرادها.

‎هذه الظاهرة، وفق شهادات ميدانية، لا يمكن قراءتها فقط ضمن منطق الأرقام أو الإحصاءات، بل تتجاوز ذلك لتطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الوجود الاجتماعي في القطاع، وحول قدرة المؤسسات المدنية على الاستمرار في توثيق الحياة والموت في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية.

  شهادات من غزة.. عائلات تختفي تحت الأنقاض

‎‎في هذا السياق، يوضح الصحفي الميداني محمد مهنة من غزة أن ما يجري على الأرض لا يتعلق فقط بالخسائر الفردية، بل يصل إلى مستوى اختفاء كامل للعائلات من الوجود الإداري والاجتماعي، حيث يقول إنه عندما يقصف منزل وتقتل العائلة الممتدة أو النواة بكاملها، يغلق هذا الملف الإداري تماما لعدم وجود أي وريث أو ناج يكمل اسم العائلة، وبذلك تصبح العائلة أثرا بعد عين.

‎ويضيف أن حجم الظاهرة يتجاوز الحالات الفردية ليأخذ طابعا واسعا، مشيرا إلى وجود آلاف العائلات التي فقدت بالكامل، مؤكدا أن أكثر من ثلاثة آلاف عائلة تم مسحها من السجل المدني، من بينها عائلات كبيرة في شمال وجنوب القطاع، فقدت كل أفرادها دفعة واحدة، ما يجعل الظاهرة، حسب وصفه، غير مسبوقة في تاريخ النزاعات الحديثة.

‎وتكشف هذه الإفادات عن حجم الانهيار الذي يطال ليس فقط البنية السكانية، بل أيضا آليات التوثيق المدني التي أصبحت عاجزة أمام حجم الكارثة.

منظومة توثيق تحت الضغط

ويتابع الصحفي في وصفه للوضع الميداني أن وسط الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية وصعوبة الحركة، يعتمد الصحفيون على منظومة توثيق بديلة ومتقاطعة لإثبات الوفيات، تشمل منظومة وزارة الصحة الرقمية التي يتم فيها تسجيل الضحايا الذين يصلون إلى المستشفيات أو يتم التعرف عليهم عبر هوياتهم، وتربط هذه البيانات بشبكة السجل المدني أو عبر طواقم الدفاع المدني

‎ويضيف أن هذه المنظومة، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام حجم الكارثة، خاصة في الحالات التي لا يمكن فيها التعرف على الجثامين، حيث يتم تسجيل الضحايا تحت بند مجهولي الهوية مؤقتا، ثم لاحقا تتم مطابقتها عبر بلاغات المفقودين من الأقارب أو الشهود.

‎هذا الواقع يجعل عملية التوثيق معقدة ومتداخلة بين الميداني والإداري والإنساني، ويضع عبئا إضافيا على الصحفيين والكوادر الطبية في آن واحد.

تداعيات اجتماعية وذاكرة مهددة بالاندثار

‎هذا الوضع المعقد لا ينعكس فقط على الجانب الإحصائي، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية العميقة للمجتمع الغزي، حيث يوضح الصحفي أن تدمير العائلات بالكامل يعني أيضا تدمير ذاكرة اجتماعية وثقافية ممتدة عبر أجيال.

‎فاختفاء عائلات بأكملها يعني ضياع تاريخ كامل من العلاقات الاجتماعية، والروابط العائلية، والسرديات المحلية التي كانت تشكل جزءا من هوية المدينة أو المخيم، وهو ما يؤدي إلى فجوة رمزية داخل المجتمع يصعب تعويضها لاحقا.

‎كما أن الأزمة لم تعد تتعلق فقط بالوفيات، بل بظهور فئة جديدة من الأطفال الذين فقدوا جميع أفراد أسرهم، وأصبحوا ناجين وحيدين دون أعمام أو أخوال أو أجداد، ما يضع المجتمع أمام تحديات إنسانية واجتماعية ضخمة تتعلق بالرعاية، والحماية، وإعادة الإدماج.

أما على مستوى القانون المدني، فإن غياب العائلة بالكامل يخلق إشكالات معقدة تتعلق بالإرث والملكية، في ظل عدم وجود ورثة شرعيين، وهو ما ينذر بأزمات قانونية طويلة الأمد في المستقبل.

قراءة حقوقية: بين العقاب الجماعي ومفهوم الإبادة

‎ويتابع الصحفي وصفه قائلا إن الخطورة الإنسانية لهذه الظاهرة تتجاوز البعد الإحصائي، إذ يرى أن تدمير أسر بأكملها يمثل شكلا من أشكال صناعة اليأس، ويتحول إلى ما يشبه العقاب الجماعي الذي يهدف إلى تفكيك قدرة المجتمع على البقاء والاستمرار.

‎كما يشير إلى أن غياب شهود العيان من داخل الأسر نفسها يجعل عملية التوثيق أكثر صعوبة، حيث لا يوجد ناجون من الدرجة الأولى قادرون على نقل تفاصيل ما حدث، ما يهدد بضياع جزء كبير من الحقيقة الميدانية.

ويؤكد أن هذا الواقع يفرض جهدا مضاعفا على الهيئات الحقوقية الدولية من أجل جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، خاصة في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة واستمرار العمليات العسكرية.

تحليل قانوني دولي حول الانتهاكات

في سياق مواز، يقدم الخبير الدولي عزالدين نميري، قراءة قانونية لهذه التطورات، حيث يوضح أن ما يجري يتجاوز الأضرار التقليدية للنزاعات المسلحة، ويطرح إشكاليات مرتبطة بمفهوم الجرائم الدولية.

‎ويشير إلى أن ممارسات محو العائلات من السجلات المدنية، وفق تعبيره، تندرج ضمن جرائم ضد الإنسانية، باعتبارها محاولة لطمس الهوية الجماعية وتشتيت النسيج الاجتماعي الفلسطيني داخل قطاع غزة.

كما يؤكد أن هذه الممارسات تمثل خرقا واضحا لاتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات، والتي تنص على ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ومنع استهداف العائلات أو البنى المدنية بشكل جماعي.

‎ويضيف أن القانون الدولي يصنف قتل العائلات بشكل كامل ضمن جرائم الإبادة الجماعية إذا ثبتت نية القضاء على مجموعة سكانية معينة، إضافة إلى ارتباطها، حسبه، بسياسات التطهير العرقي.

‎ويضيف الخبير أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب القوانين الدولية، بل في ضعف تطبيقها وازدواجية المعايير في التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث غالبا ما يفلت الفاعلون من المساءلة الدولية بسبب الحماية السياسية التي توفرها أطراف نافذة في النظام الدولي.

‎هذا الوضع يطرح، حسبه، أزمة حقيقية في بنية العدالة الدولية، ويجعل من القانون أداة غير متوازنة في التعامل مع النزاعات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.

في ظل هذا المشهد المركب، تبدو غزة اليوم أكثر من مجرد ساحة صراع عسكري، بل فضاء مفتوحا على مأساة إنسانية عميقة تمس جوهر الوجود الفلسطيني في فلسطين، حيث يتقاطع الألم الفردي مع الانهيار الجماعي، وتتداخل الخسارة البشرية مع محو الذاكرة الاجتماعية.

‎وبينما تتواصل الانتهاكات التي ينسبها حقوقيون إلى الكيان الصهيوني، تتعاظم أصوات المطالبة بفتح تحقيقات دولية جدية، تضع حدا لدوامة الإفلات من العقاب، وتعيد الاعتبار لقواعد القانون الدولي الإنساني.

‎لكن إلى ذلك الحين، تبقى الحقيقة معلقة بين التوثيق الميداني والشهادات المتقاطعة، في انتظار عدالة دولية قادرة على إنصاف الضحايا، وحماية ما تبقى من حق الإنسان الفلسطيني في الحياة والذاكرة والوجود.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي