2025.12.04
من السودان إلى الصحراء الغربية..  \ حديث الساعة

من السودان إلى الصحراء الغربية.. "مسار وهران" يفكّ شيفرة الأزمات ويرسم مفاتيح الحل الإفريقي


ربيعة خطاب
01 ديسمبر 2025

تنعقد الطبعة الـ12 لمسار وهران حول السلم والأمن في إفريقيا في لحظة عالمية مأزومة، تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية والاضطرابات الاقتصادية مع مسار إفريقي مثقل بتحديات تتوسع رقعتها يوما بعد آخر. هذا التزامن بين المشهدين الدولي والقاري يعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول قدرة إفريقيا على بناء آلياتها الذاتية لإدارة الأزمات، بعيدا عن الوصفات الجاهزة التي أثبتت محدوديتها. وفي هذا الإطار، جاء خطاب وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية أحمد عطاف، ليضع بين أيدي المشاركين وثيقة سياسية مكثّفة، رسمت ملامح الوضع القاري وأشّرت على نقاط الخلل في التعامل مع النزاعات الممتدة من السودان إلى الساحل مرورا بالصحراء الغربية وليبيا والقرن الإفريقي.

حرص الوزير عطاف، في كلمته الافتتاحية، على التأكيد أن الأزمة ليست في حجم التهديدات فقط، بل في نمط التفكير الذي لا يزال في كثير من الأحيان مرتهنا لرؤى خارجية، مذكّرا بأن "منبع قوة إفريقيا يكمن بداخلها"، وأن الحلول المستوردة فقدت صلاحيتها في ظلّ التغيرات المتسارعة. هذا الطرح لم يبقَ معزولا داخل قاعة الافتتاح، بل وجد صدى مباشرا لدى شخصيات أكاديمية ودبلوماسية مشاركة، من بينها البروفيسور السنغالي إدريس آبا، أحد أبرز المتخصصين في قضايا السلم الإفريقي، الذي قدّم لـ"الأيام نيوز" قراءة معمّقة لما اعتبره لحظة سياسية تستحق الوقوف عندها.

استعاد آبا في تحليله جوهر الرسالة التي أرادتها الجزائر من هذا الموعد القاري، مؤكدا أنها تسعى إلى إعادة توجيه البوصلة نحو الداخل الإفريقي، وإلى ترسيخ قناعة مفادها أن القارة لن تنال مكانتها إلا حين تكون قادرة على امتلاك قرارها. وللتدليل على ذلك، استشهد بما يعتبره أهم ما يميز هذا المسار: كونه مساحة لإحياء قيمة القرار المستقل، لا مجرد منصة للنقاش. كما وصف المسار بأنه "فعلٌ سياسيٌّ مُؤسِّس، يعيد الاعتبار للقرار الإفريقي المستقل، ويمنح كتلة A3 داخل مجلس الأمن القدرة على التحدث بصوت واحد"، موضحا أن هذه الوحدة، حتى وإن بدت لبعض المراقبين رمزية، تمثل في الواقع نقطة القوة التي تحتاجها القارة في عالم تحكمه التكتلات الصلبة.

ومع تقدمه في التحليل، ربط آبا بين ضعف الحضور الدبلوماسي الإفريقي من جهة، وبين توسّع التدخلات الدولية في أزمات القارة من جهة أخرى. وأشار في حديثه إلى أن الفراغ الذي تتركه المؤسسات الإفريقية يجذب قوى دولية تسعى لاستثمار النزاعات في حساباتها الاستراتيجية. واستشهد بالسودان وليبيا ومنطقة الساحل بوصفها أمثلة صارخة على هذا الارتباك، قائلا إن غياب المبادرات الإفريقية الجادة يفتح الباب أمام تدخلات متشابكة لا تخدم مصالح الشعوب. ولأن هذه الأزمات باتت تتكرر بنمط شبه ثابت، شدّد على أن الحل يكمن في استعادة زمام المبادرة، حتى لا تتحول المنطقة إلى مسرح دائم للصراعات المفتوحة.

ومع أن آبا قدّم رؤية نقدية، إلا أنه حرص على الإشارة إلى أن النسخة الحالية من مسار وهران تحمل فرصة لإعادة بثّ الوعي الجماعي داخل الدول الأعضاء، وإحياء مبادئ التضامن والعمل المشترك التي وضع أسسها الآباء المؤسسون للاتحاد الإفريقي. وفي سياق تحليل أبعاد هذا الوعي، اعتبر أن تجديد الالتزام بالحديث بصوت موحد داخل مجلس الأمن لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد إجراء رمزي، بل ضرورة استراتيجية في نظام دولي يزداد تعقيدا وتنافسا.

الانتقال في النقاش من الجانب الدبلوماسي المؤسساتي إلى البعد التاريخي النضالي، يفتح المجال للحديث عن قضية الاستعمار في إفريقيا، وخاصة ما يتصل بالصحراء الغربية باعتبارها آخر ملفات تصفية الاستعمار في القارة. ففي هذا السياق، شكّل تصريح وزير الخارجية الصحراوي محمد يسلم بيسات لـ"الأيام نيوز" إحدى أبرز المداخل التي أعادت إحياء النقاش حول الذاكرة الاستعمارية ومسؤولية المجتمع الدولي عن استكمال مسار التحرير. واعتبر بيسات أن موقف الجزائر تجاه القضية الصحراوية "ليس موقفا ظرفيا ولا حسابيا"، بل هو موقف مبدئي راسخ، يرتكز على عقيدتها الثورية القائمة على دعم حق الشعوب في الحرية والسيادة وتقرير المصير.

هذا التوصيف، الذي يربط بين الحاضر والماضي التحرري، أتاح زاوية أكثر عمقا لفهم المرافعة الجزائرية في هذا المجال. فقد أوضح الوزير الصحراوي أن الجزائر لم تتعامل مع الصحراء الغربية كملف سياسي تقليدي، بل كامتداد طبيعي لمسار التحرر الإفريقي، وهو ما يفسّر – حسب قوله – ثبات خطابها ومواقفها في المحافل القارية والدولية. ولتعزيز هذا المعنى، ذكّر بأن دعم الجزائر تجاوز الجانب السياسي إلى مستويات أكثر عمقا، فقال إن الجزائر "احتضنت قضية شعبنا لأنها قبل ذلك احتضنت كل قضايا التحرر، من أنغولا إلى جنوب إفريقيا إلى ناميبيا"، مستخلصا أن هذا الامتداد التاريخي يجعل دعمها ثابتا مهما تغيّرت موازين القوى.

تصفية الاستعمار.. معركة لم تُطوَ صفحاتها بعد

وانطلاقا من هذا الإطار، توقف بيسات عند الإشارات التي وردت في خطاب وزير الخارجية الجزائري خلال افتتاح المؤتمر، حين ذكّر بأن 62 سنة مرّت على إدراج الصحراء الغربية ضمن قائمة تصفية الاستعمار. واعتبر أن هذا التذكير لا يهدف فقط إلى إعادة إبراز النقاش القانوني، بل هو رسالة بأن الشرعية الدولية لا تسقط بالتقادم، وأن الحق في تقرير المصير ليس موضوعا للمساومة. كما بيّن أن الجزائر، من خلال أدوارها الدبلوماسية سواء في مجلس الأمن أو ضمن مسار وهران، ما تزال تُعيد طرح القضية كملف حيوي لا يجوز دفنه تحت ثقل الصفقات الجيوسياسية.

ومع اتساع النقاش ليشمل الدول الإفريقية المستعمرة سابقا بصفة عامة، أوضح الوزير الصحراوي أن الموقف الجزائري تجاهها قائم على المنطق ذاته من الثبات والانسجام، مؤكدا أن الصحراء الغربية ليست استثناء في هذا المسار، بل جزء من رؤية شاملة ترتبط بتاريخ مشترك من مقاومة الاستعمار. هذا المسار هو ما يجعل، حسب تعبيره، الجزائر "الضمانة الأخلاقية والسياسية الكبرى لاستمرار معركة الشعب الصحراوي"، قبل أن يخلص إلى أن الحكومات قد تتغير والتحالفات قد تتبدل، لكن الجزائر "تبقى دائما في المكان نفسه: مع الحق، مع الشعوب، ومع تصفية الاستعمار إلى أن ينال كل شعب حريته".

هذا المسار التحليلي، الذي بدأ من الدبلوماسية الإفريقية وانتقل إلى قضايا التحرر، وجد امتداده الطبيعي في تصريحات سفير زيمبابوي بالجزائر لـ"الأيام نيوز"، الذي قدّم قراءة تُكمل الصورة من زاوية دولة أخرى خبرت بدورها تجربة الاستعمار ومرحلة ما بعد التحرير. فقد وصف انعقاد الطبعة الثانية عشرة لملتقى السلم والأمن في إفريقيا بأنه محطة مفصلية في بلورة رؤية قارية جديدة، تنطلق من إدراك أعمق لضرورة بناء مقاربات مشتركة في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية.

وأشار السفير إلى أن احتضان الجزائر لهذا الموعد القاري ليس فعلا بروتوكوليا، بل تعبير عن إرادة سياسية واضحة بأن تكون في قلب الفعل الإفريقي. وقد لفت إلى أن استضافة هذا الملتقى تجسّد التزاما ثابتا بدفع القارة نحو مقاربة أمنية واعية، قادرة على إنتاج حلول من داخل إفريقيا، لا فرضها من خارجها. ومن بين النقاط التي شدد عليها أن "الجزائر تُثبت مرة أخرى أنها ليست فقط جزءا من إفريقيا، بل إحدى الدول التي تُشكل عمودها الفقري في مجال الأمن الجماعي"، وهي عبارة تلخّص الإدراك الزيمبابوي لدور الجزائر داخل فضاءات العمل القاري.

وتقاطعت رؤيته مع ما طرحه مشاركون آخرون حول دور "مسار وهران" في جمع الفاعلين السياسيين والأمنيين، بما يتيح نقاشا معمقا حول الإرهاب، التغييرات غير الدستورية، أزمات الساحل والقرن الإفريقي، وتعثر تسوية النزاعات. وفي هذا السياق، أشار إلى أن هذا التنسيق لم يعد ترفا دبلوماسيا، بل ضرورة وجودية. وامتد تحليله ليشمل دور الجزائر داخل مجلس الأمن خلال عهدتها الحالية، معتبرا أن صوتها كان، في كثير من الأحيان، صوتا يعكس الموقف الإفريقي الموحد، ويرفض أي مقاربة تُفرض على القارة.

ومع توجه النقاش نحو الأبعاد الاستراتيجية، أبرز السفير أن مساهمة الجزائر تتجاوز إدارة اللحظة إلى محاولة إعادة الاعتبار لمفهوم الدبلوماسية الوقائية، تلك التي تسعى إلى استباق الأزمات بدل الاكتفاء بردّ الفعل تجاهها. وأشار إلى أن بلاده ترى في هذا الملتقى فرصة لتعزيز التضامن الحقيقي بين الدول الإفريقية، انطلاقا من قناعة مفادها أن الأمن القاري لا يمكن تحقيقه دون تعاون فعّال ومؤسسات قوية قادرة على اتخاذ القرارات بعيدا عن الضغوط الخارجية.

واختتم السفير تصريحاته بالتأكيد على أن إفريقيا تحتاج إلى دول قادرة على جمع الصفّ وتوجيه البوصلة في اتجاه واضح، موضحا أن الجزائر تؤدي هذا الدور بكفاءة. وفي تقييمه لنتائج هذه الطبعة، قال إن ملتقى السلم والأمن في وهران يبعث رسالة مفادها أن مستقبل القارة يصنع في فضاءات مثل هذا المسار، بإرادة أبنائها ومن أجل حماية مصالح شعوبها.

من الرمز إلى الفعل.. صعود القوة التفاوضية للقارة

يكشف السيناتور عمران محمد، المكلّف بالشؤون الخارجية في البرلمان، أن التحوّل الحاصل في الدبلوماسية الإفريقية لم يعد مجرّد توجه نظري، بل واقع يتجسّد في وحدة الصوت داخل القارة، وفي قدرة أعضائها داخل مجلس الأمن على التحرك ككتلة واحدة. هذا التنسيق، الذي منح إفريقيا وزنا تفاوضيا متزايدا، جعل المواقف الفردية أقل تأثيرا لصالح العمل الجماعي الذي بدأ يفرض حضوره في المؤسسات الدولية. وفي صلب هذا التحول، تبرز آليات مجموعة A3 – الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا – كقوة سياسية ودبلوماسية تُعيد رسم حدود النفوذ الإفريقي داخل مجلس الأمن، بعدما أصبحت المجموعة أكثر جرأة في المبادرة وصياغة المواقف، واضعة قضايا القارة في قلب النقاش الدولي في ملفات السلم والأمن والتنمية ومكافحة الإرهاب.

هذا المسار، بحسب عمران، يعكس انتقال إفريقيا من الاكتفاء بالخطاب الرمزي إلى امتلاك أدوات تأثير واقعية، بل وفتح مرحلة جديدة تقوم على القوة الموحدة والتمثيل المشترك، حيث تحوّلت A3 إلى رافعة أساسية لإيصال الموقف الإفريقي بوضوح وثبات. ومع ترسخ هذه الدينامية، تتعزّز الحاجة إلى منصات تُعيد إنتاج هذا الزخم السياسي بشكل منتظم، وهي النقطة التي تفتح الباب أمام التحليل التالي.

ففي سياق هذا التحول القاري، يبرز ملتقى "مسار وهران" للأمن الإفريقي كآلية مكمّلة لرؤية الوحدة الدبلوماسية. ويشير البروفيسور عقيل كوكاي خلفاني، مدير مركز الأمن القومي في الولايات المتحدة بـ Assex County College، في تصريحه لفائدة "الأيام نيوز"، إلى أن أهمية الملتقى لا تكمن فقط في كونه تجمعا يناقش التحديات الأمنية والسياسية، بل في كونه منصة تعزّز قدرة إفريقيا على المبادرة داخل النظام الدولي. فهو يراهن على تحويل المواقف المشتركة إلى تأثير فعلي في دوائر القرار، معتبرا أن هذا المسار يعكس "نضج الدبلوماسية الإفريقية وتطورها".

ويرى خلفاني أن القيمة المضافة للملتقى تكمن في أنه مبادرة سنوية ذات طابع استراتيجي، تفتح فضاء ثابتا للتنسيق وتعزيز التعاون الأمني والسياسي بين الدول الإفريقية. ومن خلال هذا الانتظام، تتحول القارة – حسب تحليله – من الاكتفاء بإعلان المواقف إلى بناء قوة مؤسساتية قادرة على حماية مصالحها وصياغة رؤيتها داخل المحافل الدولية. هذا المنظور يُمهّد للانتقال إلى تقييم آخر يركز على بُعد التكامل القاري وتطوير آليات العمل المشترك.

وفي هذا الامتداد، يقدّم البروفيسور السنغالي إدريس أبا قراءة متقاطعة مع ما طرحه خلفاني، لكنه يركّز على أن "مسار وهران" يمثل لحظة مفصلية في تطوير أدوات التنسيق الإفريقي. التصريح الذي خصّ به "الأيام نيوز" يشير إلى أن قوة هذا التجمع تتجلى في نقل الخطاب الإفريقي من مستوى الرمزيات إلى مستوى الفعل الاستراتيجي القادر على التأثير في صناعة القرار الدولي، خصوصا في الملفات الأمنية والسياسية. ويؤكد أن الطابع السنوي للمبادرة يمنحها دورا مستداما في تعزيز التضامن القاري وإطلاق مبادرات عملية قابلة للتطبيق، وهو ما يسمح للقارة بتبنّي نماذج متقدمة في التنسيق بين القوى الكبرى والصاعدة داخلها.

ومع تداخل رؤيتي خلفاني وأبا، تبرز صورة أكثر تركيبا لمستقبل الدبلوماسية الإفريقية، حيث تصبح المنصات المشتركة إحدى الأدوات القادرة على دفع القارة نحو تموقع دولي أكثر صلابة. غير أن قراءة أخرى تتوسع في هذا البعد، وتربط الأمن القاري باستحقاقات دولية أوسع.

ومن هذا المنظور، يوضح الدكتور جاسم محمد، رئيس المركز الأوروبي لدراسات ومكافحة الإرهاب والاستخبارات في ألمانيا، في تصريحه لـ"الأيام نيوز"، أن الملتقى يجسّد إدراكا إفريقيا متناميا لضرورة توحيد المواقف في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. ويشير إلى أن تنسيق الدول الإفريقية عبر آليات مثل مجموعة A3 يمنح القارة قدرة على التأثير في السياسات الدولية، ويضعها في موقع الشريك الاستراتيجي في مكافحة الإرهاب والتطرف، ما يعزز حضورها داخل مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وهران.. مختبر لتطوير سياسات أمنية عابرة للحدود

وفي سياق مكمل، يذهب الدكتور حسين قنبر، مدير مركز الدراسات، إلى أن "مسار وهران" يمثل نموذجا متقدما للتعاون الأمني القاري، إذ يجمع بين تبادل الخبرات وبناء استراتيجيات مشتركة ووضع سياسات عملية. ويشدد في تصريحه لـ"الأيام نيوز" على أن الانتظام السنوي للملتقى يساعد في بناء رؤية إفريقية مستدامة للأمن والسلم، ويتيح إطلاق مبادرات مشتركة تعزّز قدرة القارة على المبادرة في توجيه جدول الأعمال الدولي بما يتناسب مع أولوياتها.

ومن زاوية تُضمّن البعد العالمي في القراءة الأمنية، يؤكد الدكتور حسن شيخ علي نور، أستاذ الدراسات الأمنية في المعهد العالي للدراسات الأمنية والاستراتيجية بمقديشو، في حديثه لـ"الأيام نيوز"، أن أهمية الملتقى تتجلى في كونه يربط الأمن الإفريقي بالسياسات الدولية. ويعتبر أن تعدّد التحديات التي تواجهها القارة – من النزاعات الإقليمية إلى الإرهاب والأزمات الإنسانية – يجعل من "مسار وهران" منصة تمكن صانعي القرار الأفارقة من تبادل الخبرات مع الشركاء الدوليين، وتطوير نماذج أمنية منسجمة مع المعايير العالمية، بما يعزز مكانة إفريقيا كلاعب مسؤول ومؤثر.

تتقاطع هذه الرؤى المتعددة عند نقطة مركزية واحدة: أن قوة "مسار وهران" تكمن في جمعه بين الخبرات الأكاديمية والدبلوماسية والسياسية، وهو ما يشير إليه مختلف الخبراء المشاركين في الملتقى. هذا التداخل يتيح إنتاج مقاربات شاملة لمعالجة الأزمات، ويعزز التنسيق بين إفريقيا والدول الكبرى، بما يسمح للقارة بالتحول من طرف متلق للسياسات إلى طرف مبادر قادر على صياغتها، خاصة في المجالات المرتبطة بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب وإدارة النزاعات.

وعلى المستوى القاري، يظهر الملتقى كأداة لتعميق الوحدة الإفريقية عبر تنسيق مواقف القوى الكبرى في القارة داخل المؤسسات الدولية، ما يمنح الدول الإفريقية قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية. فالمبادرات المنبثقة عنه تُحوّل الخطاب الإفريقي إلى أدوات تأثير حقيقية تعكس نضج الدبلوماسية القارية واستعدادها لأدوار أكثر تأثيرا.

كما تسهم فعالياته في تعزيز البرامج المشتركة لمكافحة الإرهاب والتطرف، وتطوير قنوات التعاون في مجال المعلومات، وتوحيد السياسات الأمنية الإقليمية، بما يخلق شبكة إفريقية متماسكة لمواجهة التهديدات. وإلى جانب الجانب الأمني، يفسح الملتقى المجال أمام إطلاق مشاريع تنموية وأمنية تساهم في تحسين أوضاع المناطق المتضررة من النزاعات، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما ينعكس إيجابا على الأمن الإقليمي والدولي.

ومحصلة هذه التحليلات أن الملتقى لا يُعد حدثا عابرا، بل رافعة تُعزّز موقع إفريقيا في الساحة الدولية من خلال تطوير أدوات العمل القاري وربط الأمن الإفريقي بالمعايير الدولية. وتُظهر تصريحات الدكتور جاسم محمد والدكتور حسين قنبر والدكتور حسن شيخ علي نور أن القارة تسير بخطى ثابتة نحو تعزيز وحدتها الدبلوماسية وبناء أدوات استراتيجية تمكّنها من لعب دور فاعل ومستدام في النظام الدولي، ليغدو "مسار وهران" إحدى المنصات التي تشارك فعليا في صياغة مستقبل الأمن والسلم في إفريقيا والعالم.