الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

من السياسة إلى الرياضة.. قضية الجمبازية الجزائرية جنى العروي تفضح تصاعد خطاب اليمين المتطرف

Author
إيمان مراح 14 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

 تشهد الساحة الأوروبية، وخصوصا في فرنسا، تصاعدا ملحوظا في خطاب اليمين المتطرف تجاه الجزائر والجزائريين، وهو خطاب لم يعد محصورا في قضايا الهجرة، بل امتد إلى مجالات الرياضة والثقافة والهوية الفردية، وهو ما أكده الخبير في الشأن الدولي، عزالدين نميري، الذي قال “إن الجزائر تواجه هجمات غير بريئة”.

وتبرز قضية الجمبازية الجزائرية، جنى العروي، كإحدى الحالات التي تعكس هذا التوجه، بعد تعرضها لانتقادات وهجمات إعلامية عقب اختيارها تمثيل الجزائر في المنافسات الرياضية الدولية.

قضية جنى العروي ودلالاتها

أثارت قضية جنى العروي جدلا واسعا في بعض المنابر الإعلامية والفضاءات السياسية، بعد إعلانها اختيار تمثيل الجزائر بدلا من فرنسا.

وقد رافق هذا القرار ردود فعل حادة من بعض الأصوات المحسوبة على اليمين المتطرف، التي اعتبرت هذا الاختيار مؤشرا على رفض الانتماء أو ابتعادا عن الهوية الفرنسية، رغم أن القوانين الرياضية الدولية تكفل حرية الرياضيين في اختيار المنتخبات التي يمثلونها.

وتكشف هذه الواقعة عن إشكال أعمق يتعلق بكيفية تعامل بعض الخطابات المتشددة مع مسألة الهوية والانتماء، حيث يتم أحيانا اختزال الأفراد في بعد واحد فقط، ورفض أي تعدد في الانتماء أو الخيارات الشخصية عندما يتعلق الأمر ببلد الأصل والجذور.

سياق أوسع لصعود الخطاب اليميني المتطرف

لا يمكن فصل هذه الحادثة عن السياق الأوروبي العام الذي يشهد تناميا واضحا لتيارات اليمين المتطرف، والتي جعلت من قضايا الهوية والهجرة والاندماج محاور مركزية في خطابها السياسي والإعلامي.

وفي هذا السياق، يتم تضخيم بعض الحالات الفردية وتحويلها إلى قضايا رأي عام، مع توظيف الرموز الرياضية والثقافية في صراعات هوياتية وسياسية داخلية، وغالبا ما يتم ربط الجزائر والجالية الجزائرية بهذه السجالات بشكل متكرر.

في هذا الصدد، يقول الخبير في الشأن الدولي، عزالدين نميري، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إن الجزائر في الآونة الأخيرة تتعرض إلى “هجمات غير بريئة” من قبل اليمين المتطرف، معتبرًا أن هذا التصعيد يأتي في ظل نجاح الجزائر في تعزيز حضورها الدولي وقدرتها على بناء علاقات استراتيجية مع عدد من الدول الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، التي تعمل على تطوير شراكات متعددة معها.

عزالدين نميري، الخبير في الشأن الدولي
عزالدين نميري، الخبير في الشأن الدولي

ويرى نميري أن غياب الدور الفرنسي الفاعل في بعض الملفات جعل بعض الأطراف داخل الإليزيه واليمين المتطرف، حسب تعبيره، في حالة توتر أمام ما وصفه بصعود الجزائر المتنامي.

ويضيف المتحدث ذاته، أن العلاقات الدولية المتنوعة التي تنسجها الجزائر تمنع أي محاولة لعزلها أو التشويش على مكانتها، رغم محاولات نشر “إشاعات وتهم مغرضة” الهدف منها التأثير على صورتها كفاعل إقليمي ودولي.

ويؤكد المتحدث ذاته أنه عندما عجز اليمين المتطرف عن مجاراة الديناميكية التي تعتمدها الجزائر على المستويين الداخلي والخارجي، انتقل إلى استهداف رموز الدولة بمختلف مجالاتها، من مؤرخين وكتاب إلى شخصيات عامة، وصولا إلى المجال الرياضي، وهو ما يعكس، حسب رأيه، فشلًا في المشاريع السياسية التي يحملها هذا التيار داخل فرنسا وخارجها.

كما يشير نميري إلى أن اليمين المتطرف يعتمد بشكل كبير على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لتمرير خطابه، غير أن تأثيره على المستوى الدولي يبقى محدودا، لأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح، ولأن مصالح الدول الأوروبية مع الجزائر تجعل منها شريكا أساسيا لا يمكن تجاوزه، خاصة في الظرف الدولي الراهن.

وفي السياق نفسه، يؤكد أن الدبلوماسية الجزائرية تعتمد مقاربة قائمة على الندية في التعامل مع مختلف المواقف، وتتحرك وفق رؤية براغماتية تهدف إلى تعزيز موقع الجزائر وجعلها لاعبا محوريا لا يمكن تجاوزه في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

 أنماط التهجم على الجزائر

تتجلى التهجمات الصادرة عن بعض التيارات اليمينية المتطرفة في عدة مظاهر متكررة، من أبرزها استهداف الأفراد الناجحين، خصوصا الرياضيين والفنانين والشخصيات العامة عند ارتباطهم بالجزائر أو اختيارهم تمثيلها، كما يظهر خطاب عام يبالغ في تعميم الصور السلبية على الجالية الجزائرية، وربطها بقضايا اجتماعية أو أمنية بشكل غير دقيق.

وتبرز أيضا، ظاهرة تسييس الاختيارات الشخصية، حيث يتم التعامل مع قرارات فردية مثل اختيار تمثيل منتخب وطني باعتبارها مواقف سياسية أو تحديًا للهوية الوطنية للدول الأوروبية.

إلى جانب ذلك، يتم توظيف التاريخ في بعض الخطابات السياسية لإعادة إنتاج سرديات سلبية تسهم في تغذية التوتر الرمزي بين الأطراف.

دوافع هذا الخطاب

يرى محللون أنّ هذه التهجّمات ترتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها الاعتبارات السياسية المرتبطة باستثمار ملف الهجرة والهوية في السياقات الانتخابية، إضافة إلى مخاوف اجتماعية وثقافية تتعلق بالتغيرات الديموغرافية داخل بعض الدول الأوروبية.

كما تلعب الخلفية التاريخية، وخاصة الإرث الاستعماري، دورا في تغذية هذا التوتر، إلى جانب الاستخدام المكثف للإعلام ومنصات التواصل في تضخيم الأحداث الفردية وإعادة تقديمها ضمن سياقات أوسع.

التداعيات..

ووفق مراقبين، فإن هذا الخطاب المتصاعد يفرز مجموعة من الانعكاسات الملموسة، أبرزها تعميق حالة التوتر الرمزي بين بعض التيارات السياسية والجاليات المغاربية، بما ينعكس سلبا على مناخ التعايش داخل المجتمعات الأوروبية ذات الطابع متعدد الثقافات.

كما يؤدي هذا إلى زيادة الضغوط النفسية والإعلامية على الأفراد المستهدفين، لاسيما الناشطين في المجالات الرياضية والثقافية، في ظل تحويل اختياراتهم الشخصية إلى مواضيع جدل عام. وإلى جانب ذلك، يسهم هذا الخطاب في توسيع دائرة الاستقطاب الإعلامي والسياسي حول قضايا الهوية والانتماء والهجرة، بما يعزز مناخ الانقسام داخل الفضاء العام الأوروبي.