من “الشيخة الطراكس” إلى “الغراندي طوطو”.. ماذا تبقّى لـ “الحياء المغربي” في مهرجان الرباط عاصمة للثقافة الإفريقية

دعت المُنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد، في بيان لها يوم السبت، إلى مساءلة وزير الثقافة وعزله من منصبه، بسبب “استثمار وزير الثقافة والشباب والتواصل لأموال الشعب في تنظيم مهرجانات التفاهة، واستغلالها كوسيلة تواصل، لتمرير فقرات الذل التي من شأنها هدم القيم والمبادئ التربوية والثقافية للشباب باعتبارهم الفئة الاجتماعية المستهدفة، في قالب مواز لتفريغ السياسية العمومية من أهداف وفلسفة تكريس القيم وبناء جيل نموذجي”، كما جاء في البيان. وذلك على خلفية فعاليات مهرجان الرباط عاصمة للثقافة الأفريقية، التي تستمر حتى نهاية أيار/ ماي 2023، وتشمل مجالات: الآداب، ومعارض الفن التشكيلي، وفنون الشارع، والفنون الرقمية، والموسيقى، والرقص، والمسرح، والمنتديات، والسينما.

قالت المُنظمة، في بيانها، أنها تابعت ما وصفته بـ “تفاهة البرامج الاحتفالية للمهرجان، الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب والتواصل طيلة أيام 22-23-24 من شهر أوت / أغسطس المنصرم، والذي اعتلى منصّته أحد أشباه الفنانين الملقب بـ (الغراندي طوطو)، الذي لم يقتصر تحريضه للشباب على تعاطي المخدرات أمام الرأي للعام.. بل إنه تعدى ذلك إلى مواجهة الجمهور والمتتبعين بكلام ناب، وإيحاءات غير أخلاقية توحي بقمّة السفالة، والانحراف الثقافي الذي يتنافى مع مجموعة من القواعد الفنية والثقافية، وبتمويل من الميزانية المالية التي تُستخلص من جيوب المواطنين، الذين عبّروا عن استيائهم وغضبهم من التسويق لمثل هاته الفقرات التي تستهدف هدم القيم والمبادئ الأساسية للقيم التربوية والفنية والثقافية”.

ودعت المنظمة “كافة القوى الحية للأمة إلى المطالبة بعزل وزير الثقافة، نظرا لخطورة وقع هاته الإهانة على الصورة الثقافية والفنية والتربوية للشعب المغربي، الذي يطالب بعدم نسف مبدأ الحكامة الجيدة، من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

عبّر عضوٌ في حزب العدالة والتنمية، أن ما وقع “سقط بالمغاربة في الحضيض، ما يستوجب مساءلة وزير الثقافة، باعتباره المسؤول عن المجال الفني وعن الإبداع الفني، وباعتباره أيضا المسؤول عن المهرجان، الذي استدعى هذا الشخص الذي لا يفقه شيئا لا في الفن ولا في الإبداع”، وأضاف بأن “شعار الحرية الذي يتبجّح به أمثال هؤلاء للقيام بأعمالهم المنافية للإبداع والذوق والفن، لو أنهم كانوا في أوروبا نفسها، وتفوّهوا بتلك التعابير في وجه الجمهور والمواطنين، لقابلهم الشعب الأوروبي بالتهميش والازدراء”.

وأضاف: “الكلام الذي قاله المَعني فوق خشبة المسرح كان ساقطا جدا وبئيسا للغاية”، وتابع: “فربما نجد تفسير هذا في أنه ألّف قوله أو استخدمه في أزقة وشوارع معينة.. هذه الأزقة والشوارع هي أقصى مكان قد يقول فيه تلك المصطلحات، لا أن يُستدعَى إلى مهرجان مُموّل من المال العام، وأن يخاطب الجمهور بهذا السفه والبذاءة”.

أما مصطفى الطالب، الناقد الفني والسينمائي، فقد قال بأن ما وقع بالمهرجان، “يستدعي اعتذارا رسميا من وزارة الثقافة، كما أنه يستدعي من الوزير نفسه أن يقدم استقالته”.، وأكّد بأن ما جرى لا يليق بالرباط كعاصمة للثقافة، ولا يليق بهذا المشروع الذي يرعاه جلالة الملك”.

ودعا “الطالب” الفنانين والمفكرين والمثقفين والفاعلين في المجتمع المدني وجمعيات الفن والثقافة وأيضا السياسيين والفاعلين في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى “التعبير الصريح عن رفض هذا الشذوذ الذوقي، وهذا الانحطاط اللغوي”، كما دعاهم إلى أن “يُحمّلوا الحكومة، بدءا من وزير الثقافة مرورا بوزير التربية الوطنية والتعليم العالي والشؤون الإسلامية، وصولا إلى رئيس الحكومة نفسه، كامل المسؤولية في ما يقع من أحداث مؤلمة لكل مغربي غيور على وطنه، غيور على ثقافته وغنى حضارته، وغيور أيضا على نفسه وذوقه الفني والثقافي”.

للإشارة، كان “الغراندي طوطو” قد أعلن في ندوة صحفية بمقر المهرجان، أنه يتعاطى الحشيش، وأنه لا يجد في الإعلان عن ذلك أي تحريض للشباب على اقتفاء أثره..

الحكومة المغربية لم يتجاوز موقفها التعبير على لسان المتحدث الرسمي باسمها “مصطفى بايتاس”، بأن تصريحات “طوطو”، “لا يمكن قبولها”. وقد عبّر المحامي “محمد شمسي”، عن استنكاره للموقف الرسمي، حيث قال: “كان حريًّا بالناطق الرسمي أن يسلك المساطر القانونية الواجبة، لا أن يكتفي بعبارات الشّجب والتنديد”. وأكد بأن “النيابة العامة مُلزمة في إطار القانون بفتح بحث تحت إشرافها للاستماع إلى هذا الشخص، حتى يوضح أكثر طبيعة وحقيقة تصريحاته”. وحمّل المحامي المسؤولية للحكومة مُمثلة في وزارة الثقافة، حيث قال: “وزارة الثقافة دعّمت هذا الشخص، ومنحته مبالغ مالية من المال العام، كي يتباهى باستهلاكه المخدرات، ويتفوّه بكلام ناب وخادش للحياء، وهي مناسبة لتراجع وزارة الثقافة المعايير التي تعتمدها في دعوة بعض الفنانين”.

الشيخة الطراكس”.. من الرقص الشعبي إلى الدعوة الإسلامية

في سياق آخر، كانت المغنية الشعبية “الشيخة الطراكس” قد أثارت، السنة الماضية، موجة من الاستنكار والسخرية، بسبب تحوُّلها إلى “داعية” خلال شهر رمضان، وإطلاقها لمسابقة دينية على قناتها في “يوتيوب”.

طرحت “الشيخة الطراكس” سؤالا على إحدى متابعاتها قائلة: “من هو شيخ الإسلام؟”، فأجابتها المتابعة بأنه “ابن تيمية”، لكن الشيخة أصرّت بأن اسمه “ابن تميمية”، وهو الأمر الذي أثار ضدّها موجة من الانتقادات والكثير من السخرية اللاذعة، في تدوينات على مواقع التواصل خصوصا فيسبوك، حيث دعاها أغلب المدونين إلى عدم التدخل في مجال بعيد عنها.

تحوّل الفنانة المغربية، في شهر رمضان، من الغناء والرقص الشعبي إلى تقديم سلسلة خاصة بالدروس الدينية على قناتها في منصة يوتيوب وحسابها على إنستغرام، أثار الثير من الجدل حول استثمار “الشهرة” في المتاجرة بالدين لجمع المشاهدات.. دون أن يكون هناك رادع رسمي.

لم تكتف “الطراكس” على نشر مقاطع فيديو في قناتها على يوتيوب، وتقديم مسابقة دينية سمَّتها “سؤال مع الطراكس”، إذ تتلقى خلالها مكالمات هاتفية وتطرح أسئلة تتعلق بالموعظة والدين، وذلك في بث مباشر يمتد لساعة من الزمن، بل خصصت “الشيخة” رقما هاتفيا من أجل التواصل معها مباشرة، والإجابة على الأسئلة الدينية، التي تطرحها على المتصلين.

يُفترض أن الفن له رسالة إنسانية سامية ترتقي بالذّوق العام، وتهذّب الأخلاق، وتوسّع مجالات المخيال والمدارك.. ولا يخلو الأمر من وجود “فن” هابط وموبوء يسيء إلى القيمة الإنسانية ذاتها، ولكن يجب أن يبقى هذا “الفن” بعيدا عن متناول المجتمع، ومنزويا في الأماكن التي يرتادها “زبائن” لهم خصوصيتهم. وأما أن يحظى أمثال “الغراندي طوطو” بشرف تمثيل دولة وشعب، فهذا أمرٌ لا توصيف له في اللغة. كما أن استثمار الشهرة في الإساءة إلى الدين، والتحوّل من أدنى “الحضيض” إلى أسمى “المقامات”، كما فعلت “الشيخة الطراكس”، دون أن يكون هناك رادعٌ رسمي من الدولة.. فهذا أقوى مؤشّر على مستوى الأداء الرسمي، وعلاقة المنتسبين إلى الشجرة “النبوية” بالإسلام.