الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

من الغاز إلى الاستثمار.. ماذا تحمل زيارة سانشيز إلى الجزائر؟

Author
بثينة صايفي 20 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تكتسي زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر أهمية خاصة، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية، حيث بات أمن الطاقة، والاستثمار، والتحول نحو الطاقات النظيفة، إلى جانب التحديات الأمنية في منطقة المتوسط والساحل الإفريقي من أبرز الملفات التي ترسم ملامح العلاقات بين الدول.

وتأتي زيارة رئيس الحكومة الإسبانية لتؤكد رغبة الجزائر ومدريد في تجاوز مرحلة الفتور التي طبعت علاقاتهما خلال السنوات الماضية، والانطلاق نحو شراكة أكثر تنوعًا واستراتيجية تقوم على المصالح المشتركة.

 

زيارة في توقيت إقليمي ودولي حساس

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي، أيوب عرفي، أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي في ظل تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة أعادت رسم أولويات العديد من الدول، لا سيما في أوروبا. فالتقلبات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية، خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب التوجه الأوروبي نحو تسريع الانتقال الطاقوي وتعزيز أمن الإمدادات، جعلت من منطقة جنوب المتوسط شريكًا استراتيجيًا في المعادلة الأوروبية، وهو ما يفسر، بحسبه، الاهتمام المتزايد بتعزيز العلاقات مع الجزائر.

 

ويؤكد عرفي أن الزيارة تتجاوز إطارها البروتوكولي والدبلوماسي، لتشكل رسالة سياسية واضحة تعكس رغبة مشتركة لدى الجزائر ومدريد في إعادة بعث العلاقات الثنائية بعد مرحلة من الفتور، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الثقة المتبادلة والمصالح الاستراتيجية طويلة المدى، ويرى أن البلدين يمتلكان اليوم فرصة حقيقية لإعادة صياغة علاقتهما بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها حوض البحر الأبيض المتوسط، سواء على المستوى الاقتصادي أو الطاقوي أو الأمني.

ويضيف أن هذا التقارب يأتي في وقت أصبحت فيه العلاقات الدولية تُبنى على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يمنح الجزائر موقعًا مهمًا بالنظر إلى مكانتها كفاعل إقليمي وشريك موثوق في مجال الطاقة، وإسبانيا باعتبارها إحدى البوابات الرئيسية للاتحاد الأوروبي على الضفة الجنوبية للمتوسط.

كما يلفت المتحدث إلى أن الزيارة تحمل بعدًا رمزيًا لافتًا، باعتبارها أول زيارة لمسؤول إسباني رفيع المستوى إلى الجزائر بعد تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم، وهو ما يمنحها دلالة سياسية إضافية، تعكس رغبة مدريد في فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية، قائمة على الحوار والثقة وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين ويواكب المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.

 

الطاقة… من علاقة تجارية إلى شراكة استثمارية

ويؤكد عرفي أن الجزائر أثبتت، خلال السنوات الأخيرة، مكانتها كشريك موثوق في مجال الطاقة، بعدما حافظت على التزاماتها التعاقدية رغم الاضطرابات التي عرفتها الأسواق العالمية، ما عزز موقعها كمورّد استراتيجي للغاز بالنسبة لإسبانيا وأوروبا، غير أن التطورات الدولية، بحسبه، أظهرت أن مستقبل التعاون الطاقوي لم يعد يقتصر على تصدير الغاز، بل أصبح يرتبط بتطوير الاستثمارات المشتركة، ونقل التكنولوجيا، وإنجاز مشاريع مرتبطة بالطاقة المستدامة، ويرى أن مرافقة كبار مسؤولي الشركات الإسبانية العاملة في قطاع الطاقة للوفد الرسمي، تعكس رغبة واضحة في الانتقال من علاقة تقليدية بين المورّد والمستهلك، إلى شراكة اقتصادية أكثر عمقًا تشمل مختلف حلقات سلسلة القيمة في القطاع الطاقوي.

ويشير المحلل السياسي إلى أن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر ثم الجزائر، يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في القارة الإفريقية، لما يوفره من فرص لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وبحكم ارتباط الجزائر بإسبانيا عبر أنبوب “ميدغاز”، فإن مدريد ستكون من أبرز المستفيدين من هذا المشروع مستقبلاً، الأمر الذي يعزز مكانة الجزائر ليس فقط كمصدر رئيسي للغاز، وإنما أيضًا كمنصة إقليمية لعبور الطاقة الإفريقية نحو الأسواق الأوروبية.

 

الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر… آفاق جديدة للتعاون

ويرى عرفي أن التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا تدفع أوروبا، وفي مقدمتها إسبانيا، إلى توسيع تعاونها مع الجزائر في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، مؤكدا أن الجزائر تمتلك مقومات كبيرة تؤهلها لأداء دور محوري في هذا المجال، بفضل موقعها الجغرافي، وإمكاناتها الهائلة في الطاقة الشمسية والرياح، إضافة إلى خبرتها الطويلة في الصناعات الطاقوية، ويضيف أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على تطوير مشاريع مشتركة في إنتاج الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر، بما يحقق مصالح اقتصادية واستراتيجية للطرفين.

ويبرز المتحدث أن الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة أسهمت في تحسين مناخ الأعمال وخلق فرص جديدة أمام المستثمرين الأجانب، وهو ما يجعل السوق الجزائرية أكثر جاذبية للمؤسسات الإسبانية، ويشير إلى أن مجالات الصناعة، والبتروكيمياء، والفلاحة، والنقل، والرقمنة، والمؤسسات الناشئة، تمثل قطاعات واعدة يمكن أن تشهد شراكات نوعية، خاصة إذا ارتكز التعاون على نقل الخبرات والتكنولوجيا وتكوين الكفاءات البشرية.

 

التقارب الجزائري الإسباني يتجاوز الاقتصاد

يرى المحلل السياسي أيوب عرفي أن أهمية زيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر لا تقتصر على الملفات الاقتصادية والطاقوية، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية وأمنية تزداد أهميتها في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه منطقة الساحل الإفريقي والضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، فالتطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة، وما يرتبط بها من تهديدات إرهابية، وتنامي شبكات الجريمة المنظمة، وتزايد تدفقات الهجرة غير النظامية، جعلت من التنسيق بين الجزائر وإسبانيا ضرورة استراتيجية تتجاوز منطق التعاون الظرفي.

ويؤكد عرفي أن الجزائر تكرّس مكانتها كفاعل إقليمي محوري بفضل خبرتها في مكافحة الإرهاب، ودورها في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وجهودها المستمرة في الدفع نحو الحلول السياسية للأزمات التي تعرفها المنطقة، لاسيما في دول الساحل، ويضيف أن هذا الدور يمنح الجزائر وزنًا دبلوماسيًا وأمنيًا متزايدًا، ويجعلها شريكًا لا غنى عنه بالنسبة للدول الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا، التي ترتبط بشكل مباشر باستقرار الضفة الجنوبية للمتوسط.

ويشير المتحدث إلى أن مدريد تدرك أن ضمان أمنها الداخلي لا ينفصل عن استقرار جوارها الجنوبي، ولذلك فإن تعزيز التعاون مع الجزائر في ملفات الأمن، ومكافحة الإرهاب، وإدارة الهجرة، والتنمية، يمثل خيارًا استراتيجيًا يخدم مصالح البلدين، كما أن التقارب في هذه الملفات يسمح بتطوير آليات التنسيق وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز قدرة الطرفين على مواجهة التحديات الأمنية المشتركة والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.

ويضيف عرفي أن هذا البعد الأمني والسياسي يمنح العلاقات الجزائرية الإسبانية طابعًا أكثر شمولية، إذ لم تعد قائمة فقط على المصالح التجارية أو إمدادات الطاقة، بل أصبحت ترتكز على رؤية مشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة غرب المتوسط، ويرى أن هذا التوجه من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات التنمية الإقليمية، والاستثمار، ومرافقة دول الجوار في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، بما يعزز مكانة الجزائر وإسبانيا كشريكين استراتيجيين في بناء فضاء متوسطي أكثر استقرارًا وتوازنًا.

 

نجاح الزيارة مرهون بتحويل التفاهمات إلى مشاريع

ويرى المحلل السياسي أن نجاح زيارة بيدرو سانشيز لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي سيتم توقيعها، وإنما بقدرة البلدين على ترجمة الإرادة السياسية إلى مشاريع استثمارية ملموسة تحقق قيمة مضافة للطرفين، ويؤكد أن العلاقات الجزائرية الإسبانية تمتلك فرصة حقيقية للانتقال من التعاون التقليدي المرتبط بالغاز إلى شراكة أكثر تنوعًا تقوم على الاستثمار الصناعي، والابتكار، والتحوّل الطاقوي، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية الدولية.

 

نحو شراكة استراتيجية جديدة في غرب المتوسط

ويخلص عرفي إلى أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، لأنها تعكس وجود إرادة مشتركة لبناء نموذج جديد من التعاون قائم على المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، ويرى أنه إذا نجح الطرفان في استثمار ما يمتلكانه من إمكانات اقتصادية وطاقوية وجغرافية، فإن العلاقات الجزائرية الإسبانية مرشحة لأن تصبح واحدة من أبرز الشراكات في غرب البحر الأبيض المتوسط، ترتكز على الأمن الطاقوي، والتنمية المستدامة، والتكامل الاقتصادي، وخدمة المصالح المشتركة للبلدين.